يعتبر الاتفاق حول المشروع النووي الإيراني بين طهران والقوى الست، من المنجزات المهمة للدبلوماسية الدولية خلال العقدين الأخيرين، بعدما جنب العالم حربا إقليمية مدمرة.
وهو اتفاق لم يكن العرب السنة يعتقدون حدوثه، ولعل هذا التأخر في فهم التطورات الدولية، ومنها هذا الاتفاق يعود أساسا الى غياب معاهد التفكير الاستراتيجي ذات المصداقية التي يمكن أن تتكهن بالمتغيرات المستقبلية وتجعل العرب لا يفقدون البوصلة في العلاقات الدولية. وطيلة سنوات، والمفاوضات تجري بين إيران والدول الست وهي، الصين وروسيا والولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا والمانيا، حول المشروع النووي الإيراني. ولم يرافقها اجتهاد سياسي/فكري حقيقي من طرف الدول العربية المعنية بهذا الملف، وعلى رأسها السنية في الخليج العربي، التي تتخوف من تحول إيران الى دولة إقليمية، وعمليا تحولت الى قوة إقليمية حقيقية. ويعود الكسل الفكري السياسي لدول الخليج العربي، الى عدم الإدراك العميق لواقع التطورات التي تمس العلاقات الدولية. فهي تعتقد بسكون هذه العلاقات واستمرارها وفق معايير ومفاهيم وتصورات ثابتة، علما بأن إلقاء نظرة على تاريخ هذه العلاقات الدولية، خلال القرن الأخير، يؤكد أن المتحكم فيها هو التغيير المستمر. في الوقت ذاته، لا تفهم ولا تستوعب هذه الدول «أجندة المصالح الحقيقية» للدول الكبرى. فهذه الأخيرة تصنع القرار العالمي وتؤثر فيه وتحاول توجيهه، ولكنها في الوقت ذاته تعمل جاهدة على التأقلم مع التغيرات التي لا تستطيع السيطرة عليها بشكل نهائي، لاسيما في ظل ارتفاع الدول الصاعدة التي تبحث عن مكان لها في المشهد السياسي الدولي، مثل حالة إيران وتركيا والبرازيل وجنوب أفريقيا.
وقد اعتمد واعتقد العرب السنة، خاصة الخليجيين بأطروحة مفادها استحالة سماح الولايات المتحدة لإيران بتطوير مشروعها النووي، وذلك دفاعا عن وجود إسرائيل. وقد عششت هـــــذه الأطروحــــة لدى الخليجيــــين الى مستوى ربط أمنهم الاقليمي بالأمن القومي لإسرائيل، بل المناداة بالتحالف مع تل أبيب لمواجهة إيران.
وقد نسي العرب أن إيران لا تشكل تهديدا وجوديا بالنسبة لإسرائيل، التي تمتلك ترسانة عسكرية قوية، ومنها السلاح النووي، قادرة على وقف طهران عسكريا، بينما المشكل هو مشكل الدول الخليجية.
وألّف العرب خلال السنوات الأخيرة الكثير من الكتابات حول استعداد الولايات المتحدة للتدخل العسكري ضد إيــران، حيث كانت بعض الصحف الخليجية، بين الحين والآخر، تؤكد في مقالات أو تنقل تصريحات مسؤولين، بنوع من الجزم التام، اقتراب الضربة الأمريكية ضد إيران، وكأنها تحضر اجتماعات البنتاغون،
ولكن أصحاب هذه الأطروحة لم يستوعبوا مستوى القوة النارية الموجهة التي يمتلكها الجيش الإيراني، والتي خلقت وضعا جديدا معقدا، حيث كان الحديث عن هذه القوة في وسائل الاعلام المفترضة أنها تمثل السنة، بمثابة خيانة للمذهب السني والعروبة. كما أنهم لم يدركوا استعداد إيران للحرب في مواجهة الولايات المتحدة عسكريا مقابل، عدم استعداد الولايات المتحدة لحرب جديدة ستنتصر فيها، ولكن ستخرج بخسائر تاريخية ستجعل قدراتها محدودة وتؤثر على استمرارها كقوة كبرى، في ظل صعود قوى جديدة. هذه العوامل جعلت الإدارة الأمريكية تقبل الاتفاق الذي يصفه الكثيرون بمثابة الاتفاق التاريخي.
والواقع أن هذا الاتفاق يتجاوز الإطار الضيق للشرق الأوسط، أو محاولة السيطرة فقط على المشروع النووي الإيراني. عمليا، الاتفاق وجد حلا للملف النووي الإيراني، لكن الاتفاق يرمي الى ما هو أبعد، من خلال وضع قاعدة جديدة ومعايير جديدة في معالجة العالم، وهنا نتحدث عن القوى الكبرى التي تعتقد في تحملها مسؤولية السلم عالميا، للتحديات المرتبطة بما هو نووي مستقبلا.
وعلاقة بهذه النقطة الأخيرة، فكل دولة مستقبلا ستطمح الى مشروع نووي سيكون سقف طموحها ما جرى عليه التنصيص في الاتفاق النووي الإيراني بين طهران والدول الست.
وهذا الاتفاق يغلق الباب أمام الدول العربية للحصول مستقبلا على السلاح النووي، رغم الحديث عن شراء سلاح نووي من باكستان. ويبقى غياب فهم الدول العربية، ونقصد الخليجية أساسا، لأجندة مصالح الدول الكبرى، ولاسيما الولايات المتحدة الأمريكية، الذي من نتائجه الاتفاق المذكور، هو نتاج طبيعي لغياب مراكز التفكير الاستراتيجي التي يمكن أن تساعد على التكهن بالتطورات.
وقبل اتفاق إيران والقوى الست حول المشروع النووي خلال نوفمبر الماضي، وهو الاتفاق الذي مهد للاتفاق التاريخي الأسبوع الماضي، لم تكن الدول العربية تنتظر الاتفاق نهائيا. وهذا يعود الى عدم توفرها على آلية ذات مصداقية وهي مراكز التفكير الاستراتيجي. ومن الصعب العثور على دراسة علمية استراتيجية قبل نوفمبر الماضي تتكهن باحتمال حدوث الاتفاق حول المشروع النووي.
وتوجد مراكز من هذا النوع في العالم العربي ومنها الدول الخليجية، فقد عملت على إنشاء مراكز، بل استيراد مراكز من الخارج عبر فتح فروع لمراكز أمريكية وبريطانية، لكنها لم تكن مفيدة نهائيا بحكم فشلها في التكهن بمآل المشروع النووي الإيراني، وملفات أخرى كثيرة. وهذا الفشل يعود الى تحكم الدول العربية في أجندة هذه المراكز، حيث ترسم لها أهدافا وتدعوها الى تبريرها وإضفاء «المصداقية عليها»، بدلا من تقديم دراسات مبنية على أسس علمية ومنطقية تساعد في اتخاذ القرار السياسي والاستراتيجي المناسب. والتوجه الذي تنهجه مراكز التفكير الاستراتيجي في العالم العربي، وأساسا الخليج، تحت ضغط الحكومات والسلطات الرسمية يزيد من فقدان هذه الحكومات البوصلة لفهم حقيقي وعميق للعلاقات الدولية.
وبعد اتفاق نوفمبر الممهد للاتفاق التاريخي الأسبوع الماضي، وما يفترض أنه خيانة البيت الأبيض للحلفاء العرب، بدأت الحكومات الخليجية تتخبط في قراراتها المستقبلية، بين الارتماء في حضن فرنسا وروسيا. ولا توجد دراسة جادة حول مستقبل التحالف العربي مع هذه القوى، هل هو تفاهم مرحلي أو استراتيجي بعيد المدى، وانعكاساته الإيجابية والسلبية مستقبلا أم مجرد رد فعل عاطفي/سياسي بسبب الصدمة.
٭ كاتب مغربي
د. حسين مجدوبي