إن اللغة كائن حي يرزق، ولد في زمن غابر مضى وولى، نما، تربى، اشتد عضده. فأخذ يصول ويجول في الأرجاء، عله يجد من يلقنه أبجديات التكلم والسرد. تبع الآثار، فتش الديار، جهل الأخبار، ينظر يمنة ويسرة، يبحلق في عناصر الكون ومخلوقاته، ينصت لأصواتها، لعله يجد من يحلل عقدة لسانه ويفقه قوله.
يصغي لذبذبات طبيعية وحيوانية محضة، تخترق مسمع هذا الكائن، تحدث زوبعة داخله، تدفعه للتكلم، للتعبير، للبوح، للبيان. ترى، هل أصل الكائن اللغوي طبيعي حيواني في الآن ذاته؟ وإذا كان كذلك، كيف طور نفسه؟ كيف مزق سترته البدائية؟ ليبدلها بأخرى منمقة، مزركشة، تسري فيها روح الخلق والتمرد؟ كيف انغمس في وحل الإبداع؟ وحل لا مثيل له، ظاهره مسود قاتم، وباطنه من قبله الإمتاع والمؤانسة.
كائننا اللغوي لم يعد أخرس، بل استلهم مما يليه «مقاطع متنوعة تتألف من مجموعها» أبجدية «صالحة». تخرجه من عالم الإيماء والإيحاء، لتدخله عالم الإفصاح والإيضاح. حيث يوجد «فرق بين المشترك والمفرد، وفصل بين المقيد والمطلق، وما يحتمل التأويل ويستغني عن الدليل».
الحال هنا لم يبق محصورا في المقاطع الصوتية الأولى، وإنما تخطاها إلى التأويل والاستقراء. إبداع يحلي الكلام في فاه ناطقه، يجبره على «ترداد النظر فيه بعد عمله نظما كان أو نثرا وتغيير ما يجب تغييره وحذف ما ينبغي حذفه وإصلاح ما يتعين إصلاحه وتحرير ما يدق من معانيه».
ماهية الإبداع
حلبة الإبداع وعرة، صعبة، لا يدخلها إلا البطل الجهبذ، المدرك لما قيل، الواعي بما سيقال، العارف بما كان، المتذوق لما سيكون. معرفة تنبهه قائلة: «فإذا لم تجد اللفظة واقعة موقعها صائرة إلى مستقرها حالة في مركزها متصلة بسلكها، بل وجدتها قلقة في موضعها نافرة عن مكانها فلا تكرهها على اغتصاب الأماكن والنزول في غير أوطانها».
الإبداع ليس ضربا من الهذيان، ولا شكلا من الحمق والعصيان، ولا تعبيرا عن الخذلان، وإنما هو تصوير بعين الغزلان، وإقرار للحق وطمس للبهتان. فالمبدع «لو شاء أن يبطل حقا أو يحق باطلا لفعل: كالمصور الماهر الذي يصور في الحيطان صورا كأنها خارجة وليست بخارجة، وأخرى كأنها داخلة وليست بداخلة».
المبدع المعطاء
المبدع لا يبلغ قصده «بكثرة الكلام، ولا بخفة اللسان، ولا كثرة الهذيان. ولكنها إصابة المعنى والقصد إلى الحجة»، والتمييز بين اللفظ وإحكام لجام النطق. ذلك أن يكون قادرا على التمييز بين «لفظتين تدلان على معنى واحد، كلتاهما في الاستعمال على وزن واحد وعدة واحدة، إلا أنه لا يحسن استعمال هذه في كل موضع تستعمل فيه هذه، بل يفرق بينهما في مواضع السبك؛ وهذا مما لا يدركه إلا من دق فهمه، وجل نظره»، وتبصر فكره، وجادت دفقته، وسلم منطقه، وباح لسانه بـأقوال خالدة، وقصص شاهدة، وقصص هادفة، وموعظة حسنة، من قبيل قول صديقنا.
نظرات الرافعي
«كان لي صديق أحبه وأحب منه سلامة قلبه، وصفاء سريرته، وصدقه ووفاءه في حالي بعده وقربه، وغضبه وحلمه، وسخْطه ورضاه، ففرق الدهر بيني وبينه فراق حياة لا فراق ممات، فأنا اليوم أبكيه حيا أكثر مما أبكيه ميتا، بل أنا لا أبكي إلا حياته، ولا أتمنى إلا مماته. فهل سمعت بأعجب من هذه الخلة الغريبة في طبائع النفوس؟!».
ما أغرب بني البشر، وما أعجب حاله، هو مخلوق زئبقي، مزاجي، يمارس الحب والنكران في الآن ذاته. فينتقي أحدهما تبعا لهواه، تبعا لمقتضيات عصره ومصره، وتبعا للنفس اللعينة الأمارة بالسوء التي أبادت الحب، كدرت صفاء السريرة، أدمت القلب، أعلنت فراق الحياة، أعلت علم البون والقطيعة. قطيعة دامت ما تيسر لها من الزمن، عصفت بكيان الصديق المتغافل المتغابي، أفقدته الوجهة السديدة، لم تخيره، لم تمهله، لم تعطه حق الاختيار والانتقاء، بل وجهته صوب دور الخمر والفسق واليباب، جعلته معربدا، ثملا، لا حول له ولا قوة، سوى تجرع سائل يعطل أناه، يزيلها من الوجود، يجبر الصديق الحقيقي على السؤال رغم الفرقة.
صديق شكا الكأس الحقيرة التي سلبته المال والصحة والكرامة والحب، تملكته، تغلغلت في جسده العليل، خدعته، أوهمته بسراب يشفي الظمأ، يفك عقد اللسان، يحس بالأمان، يقنع بالبرهان، ينزح عن البهتان، جعلته يصدق «أن في الشراب أربع مزايا: السعادة، والصحة، والفصاحة، والإقدام»، لكنه وجد «أربع رزايا: الفقر، والمرض، والسقوط، والجنون».
يقال، عش كريما أو مت شهيدا، موت أبدي دائم نهائي، يرحل بالذات إلى عالم ميتافيزيقي، عالم من العوالم الممكنة، حيث يوجد شراب مختلف ألوانه، يحيي الروح، يوقظها من غفلة وسبات أهل الكهف، يهيجها باسم الحب ولا شيء غير الحب والمودة والوله.
صديقنا، حي ميت، غني فقير، سليم مريض، سعيد حزين، مقدم متقهقر، مجنون عاقل، فاقد كرامة العيش، أو بالأحرى طعم الحياة، حياة تخلو من حب الصديق، وأنس الرفيق، وابتهاج الطريق. وتعج ببعد القريب، وخيانة الرقيب، وضجر الحبيب.
الحياة إذن، مواجهة كبرى إبحار ضد التيار، ضد الأهواء والملذات والشهوات التي لم تدم طويلا، لكنها فعلت ما فعلته، غير آبهة بالفقد الذي يعانيه صديقنا العليل، فقد جعلته في حالة:
تصم السميع وتعمي البصير
ويسأل من مثلها العافية
حالة، تعطلت فيها الحواس، توقفت، علقت بوحل الدمار والخراب والموجدة. موجدة لم ترقها مرارة الشراب اللعين، لم تطفئ شرارتها، لم تطف نارها الحمراء التي تفترس الذات المكفهرة، تنفذ إلى عمقها من دون سابق إنذار، تقتحمها من دون إذن، كما يقتحم القلم قدسية الورقة، يبعثرها، يشردها، يعنفها، كما يعنف الصبي أقرانه. لا يطلب الإذن، لا يفتتح ملامسته بالحمدلة والبسملة، لا يرتدي ملابسه المحتشمة، لا يراعي تمنع الورقة. بل يتعامل بحرية قطعية، يتصرف بسلوك عنيف فظ غليظ. يكتب، يربط، يصل السطر بالسطر، والجزء بالجزء، والصفحة بالصفحة.
وصل هجر صديقنا المسكين، حجب عنه الأصدقاء والخلان، حرمه من دفء القرب واللقاء، تركه في براثن الغربة الذاتية، يقطن بوطن ليس له، يعاشر أصدقاء ليسوا له، يشعر بدفقة شعورية ليست له، ليس له شيء سوى الوحدة والعلل، التي تذب في جسده، تأكله، كما تأكل الديدان لحم الميت، لا تترك منه إلا عظم الذنب. عظم قابل للبعث والإحياء، حاله لا يضاه حال صديقنا، الذي بات خرقة بالية قبيحة، تقتات من العدم، تصارع المحال، تهمس بلغة الصمت والكتمان، لغة متآكلة متهرئة، تفتقد قيمة الجمال والبيان.
يقال، القلب يعشق كل جميل، يهوى كل فاتن، يحب كل منمق مرتب. قلب عطاياه عدة، ويحتاج إلى عدة. إلى باقة من الصبر والعطاء والتحمل والمقاومة، الشيء الذي لم يستطع صديقنا تأبطه. فأضحى وحيدا، وفي نفسه شيء من حتى.
باحثة مغربية
هاجر امشبك