نصر ساميفي ثوب الفضاء، فضاء غرفته الصّغيرة، حيث كان النّاس ينتظرون في قلق مجيء الوقت، في ثوب الفضاء، فضاء غرفته المزوّق بالصّور رأيت صورة طفلة مغروسة خلف السّحاب. رأيت صورة نجمة مقرورة ترتاح في سرر السّراب. رأيت وجها دائريّا نابضا بالنّور يمتدّ في الأرض الخراب.ورأيت صمتا قاتلا.في وجهه لا حظت شمسا تستظلّ بغابة مخفيّة في طيف. ولمحت نهرا راحلا في غيمة مقرورة في آخرات الصّيف.ونسيت حزني كلّه،وأنا أحدّق في يديه.كون صغير من بروق كان يرقد في يديه.وألف ضوء في يديه.’وطني هنا في داخلي، يا سيّدي’،’ما همّني شيء هنا ما دمت أحيا فيه’.’وطني هنا’.وأشار للشّمس البعيدة ضاحكا.ورمى لبرق سلّة الرّؤيا.وأضاء برقا للغيوم،ونجمة ليضيء ليل الافتراق. وأراد أن ينسى،فلم ينس سوى نسيانها.قيل عنه: ‘أمير الغيوم وحادي المطر’. وقالت له امرأة من نساء المدينة: ‘لست سوى نغمة من ثياب الشّجر’. وقالت غيوم المساء له: ‘للغيوم حكاياتها، وأنت لك الحبّ في زمن الانكسار. ستنسى، نعم. وسوف تضيء إلى لحظة الانهيار. ستنسى، نعم. وسوف يكون هناك أفول عظيم، وسوف يكون هناك انكسار’. هكذا قيل عنه،ولكنّه لم يصدّق.كان يعرف أنّ الأناشيد صادقة، ولكنّه لم يصدّق.بكفّيه أنشأ بحراعميقاوها أنّه فيه يغرق. ‘سيعطونني قمرا’. قال لي.’ ولكنّني لست أحتاجه’.’بكفّيّ هاتين أطفأت ضوئيالعميقوها أنّني الآن أشتاق أمواجه’. ‘هذه صنعتي’. قال لي.’أكوّن كنزي الجميل،وأخلق أسراره كلّها.ثمّ أمضي.كأنّ الذّي صغته وأعطيته من دمي،مجرّد خطّ صغير بأرضي’. في ثوب الفضاء، فضاء غرفته المبلّل بالنّدى الغافي وإكليل الجبال كان يبدو سيّدا للوقت. خطاه ذاكرة لما تأتي به الصّحراء، ويداه بيت للسّحاب وسلّة للموت. ‘وحيد أنا’. قال لي. ‘ولا شيء حولي سوى كلمات الوداع’. ‘ولكنّني لست أعرف كيف استطعت لعشرين عاما مضت أن أصوّر هذا الغرام الجميل وهذا الضّياع’. وحيد، ويعرف كيف يؤلّف لحن النهاية للحبّ والأصدقاء. ويعرف كيف يسافر من أرضه للسّماء. هو الآن أنشودة من غيوم، والرّوح يحرقها الجفاف. يروي الدّنى بحروفه، والقلب يسكنه الطّواف. ‘أتردّد بين النّجوم’. قال لي.’هذه صنعتي’. ‘وبين المدافن’.’ولا أنتهي لقرار’.’كأنّي تزوّجت ليل الدّنى، وطلّقت ضوء النّهار’.’وها أنّني في الأساطير ساكن’.’غيومي تدلّت لتثبتني في الفراغ،وفي داخلي جفّ نبع الغيوم،وغيضت مياه السّماء’.’إنّني أتملّك هذا الوجود العظيم،وأعطي لهذا الهواء قوائم كي يسكن الرّوح’.’وحيد، وفي شفتي خمرة من فيوض المحبّة،تكفي الجميع،وفي كلماتي جسور اللّقاء’. ‘أدير هذا الكون’.’هكذا، في لحظة بأصابعي’. ‘مليئا بماء الأساطير ونيرانها.وفي شفتي جمرات الأبد’.’وما من أحد،أتاني ليسمع صوت انكساري الأخير’.’أنا هكذا’. قال لي.’ما مرّ ضوء واحد ليقودني نحو الصّباح،ولا تكسّرت الحروف.أصبحت وحدي، فجأة، يا للظروف’. تسقط في برنسي أنجم الآخرين. وتنثال في راحتي أحرف مطفأة. والبروق تجيء إلى خيمتي من معابدها. ويأتي إلى شرفتي نيزك واحد. ومن شرفة في الجدار يرى في الكراسي ثياب المجرّات، ويلمح أنفاسها في سريري الصّغير. هكذا، نشيدي يمزّقه العابرون تماما كما غيمة في الرّياح. يجيء الذّئاب على عجل، ولا شيء غير الدّماء على الأرض… أحاول قطف النّجوم من القاع.عبثا أحاول ما يدمّره الزّمن.دمائي الرّياح،وفي لحم عمري المفتّت جمّاع هذي المحن. أنتهي كالخرافة،واقفا تحت جلّيزها،ليس لي برّ أراه، ولا بحر.إلاّ الفرار أو الرّدى،وكلاهما مرّ. تحت الجلّيز المبلول هنا في بيت الأهل أفاجئ فضّتي بحديد أعدائي، وضوئي بالظّلام، وخضرتي بالموت. هنا في بيت الأهل، وحروفي تتمدّد فوق الجير الأبيض وفوق شجيرات الزّيتون وفوق الخوخة والتفّاحات، هنا حيث تنام الشّمس وراء سرير الأمّ، وحيث ينام البدر وراء مصلّى الوالد، في بيت الأهل هنا، أتمنّى نفسي ضوءا كي أتلبّس بالحيطان، ونهرا كي أتفجّر في القيعان ونصّا كي يقرأني العالم.