إلى سيدة التطريز بالقص الكاتبة ربيعة ريحان

حجم الخط
0

عبده حقي إذا كانت شهادة كاتب في حق كاتبة هي إعتراف علني مسطور، فإن أقوى ما في الإعتراف هو توثيقه الرصين بماهوشهادة إفضاء قد تتلفع في غلالة الشعورالقزحي الدفين فينا أكثرمما تنطبع بالرؤية الموضوعية والمحايدة ..الرؤية المجردة من سحرالمجازات ودهشة الإنزياحات …لامناص إذن من البوح الصريح بخفقان القراءة الأولى وأنا أتلقف بدهشة الطفل قبل 18 سنة أضمومة (ظلال وخلجان) بأفقها العتباتي الأزرق البعيد وعلامات بوابتها المثخنة بوميض فاتحة الحكي .لم أشعرقط عبرقراءاتي المتعددة للسرد القصصي المغربي والعربي في إبداعه الذكوري أو إبداعه النسواني بمثل ما شعرت من دهشة وأنا أشرع دفتي باكورة (ظلال وخلجان) ، ولم أتبين حقا في تلك اللحظة إن كنت فعلا أقرأ لأنثى أم أنصت لأنثى أوكنت أبصرمخطوط محكي على بياض أم كنت أتملى في حديقة سردية تتزيى بأعبق الرياحين وأعطرالأنفاس … فمنذ ذلك اليوم البعيد من سنة 1994 أجلت جميع أضاميمي القصصية على الرفوف وأغلقت نوافذي الشعرية وفتحت شرفة (ظلال وخلجان ) الموشحة بأزهى الأصص والمزهريات التعبيرية …أمضيت في رحلتي هاته عبرهذه الشرفة الظليلة زهاء شهرأوأكثروأنا أتردد بين الحين والآخرعلى وشوشة قنديلها السهران إذا مافتحتها ليلا ، أوعلى شمسها الناعمة الدافئة إذا ما فتحتها نهارا وكثيرا ماكنت أناجي هذه الشرفة القصصية البديعة في بديع الحكي وأنا أتساءل عن السرالذي ينكمن بين تلافيف عجابها القصصي ؟؟لم أخف إنبهاري بطرائق سردها وعذوبة الحكي بين دفتيها .. وتلك القدرة الفائقة في إبداع ذلك التدفق التعبيري المجدول بعناية مثل ضفيرة طفلة تلاحقها الريح بدل أن تذعن هي لملاحقة الريح وهي تركض على صهوة ذاكرة صبية متوقدة لاتنضب أبدا .. لاتكل من الترحال في آفاق البوح لقرائها .. بكل تفاصيله الدقيقة وبجرأته المتفردة المغموسة في دواة حبرلايعلوعليه عبير(مسك الليل) قيمة …لم تسعفني وطأة الزمن ولامتاهات اليومي كي أحظى بهنيهة في حضرة السيدة الوقورة ربيعة ريحان وهي التي كانت وماتزال كالفراشة الهائمة المتراقصة في ربوع الوطن إلا حين جاد الزمان الثقافي المغربي أخيرا بموعد إحتفائي رائق في مدينة مسقط رأسي مكناس بالفضاء الثقافي (ميشيل جوبير) يوم 14 نونبر2012 في إطارالدورة الثالثة للمعرض الجهوي .لقد كانت بكل صدق لحظة ثقافية تاريخية إستثنائية لن يتكرروهجها وبصمتها في ذاكرتي … إنها لحظة إلتأمت فيها كل بهارات السمرالإبداعي الرائق حيث كانت تحفنا بسمات وجوه عرفتها منذ طفولتي البعيدة في مكناسة الزيتون ووجوه أخرى حظيت بالتملي إليها لأول مرة … كان هناك بجوارنا حراس الإبداع والفكرالمغربي الغيورين على كل حرف ونقطة وفاصلة من موروثنا الثقافي والحضاري … حارس الرباب الأندلسي الدكتورعبدالعزيزبن عبدالجليل وإلى جنبه حارس الركح العربي الدكتورعبدالرحمان بن زيدان وبينهما حارس غابات الأرزاللبناني الأديب المصطفى الرقا وأمامنا حارس زجل الملحون المكناسي محمد بنعلي ، وآخرون …كنا جميعا متواطئين من غيرإتفاق .. إذ لم نلتم هناك في أبهاء الحكي الغناء بفيلا (ميشيل جوبير) لكي نلقي دروسا نقدية أوننصت لمحاضرات تتكئ على عكازة المناهج والنظريات وإنما إلتأمنا في حضرة مكاشفات حميمية .. أتينا حتما لكي نفتح الطريق لبوحنا الصادق عن بداية الحكاية التي تتسامق الآن كشجرة سنديان ظليلة وفارهة .. عن قصص ربيعية وريحانية لن تتكررلافي المغرب ولا في الوطن العربي كما أسربذلك إلينا منذ زمان الروائي الخبيرحنا مينا …كان أحيانا إرتباكنا في البوح يشي بجناح الصدق والتلقائية التي كانت تحف جلستنا الحميمية ولم يكن تلعثمنا أيضا سوى إزدحاما للكلمات الجميلة بيننا وهي تتدافع كالفراش على شفاهنا لتوثق لتلك اللحظة السمرية الساحرة .لن أبالغ في القول إذا قلت إننا جميعا لم نخفض بصرنا عن تلك الثريا المتوهجة التي كانت تتوسط قبة الحكاية .. كنا لانرى هدوءها الوقورفقط ولكن كنا نسمعه أيضا وكنا لانرى عمقها الحكيم فقط ولكن كنا ندركه أيضا .. وكنا موقنين ونحن نفترق على العتبة المسائية أن للقصة المغربية يدا ترفعها إلى الأوج الذي يليق بألقها .. إنها بكل تأكيد تلك اليد الرحبة الموشومة باخضراراللغة .. المرقشة بحناء الحكي .. إنها سيدة التطريزبالقص .. ربيعة ريحان وكفى.مساء الثلاثاء 4 دجنبر2012

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية