الحذاء السياسي.. السّلط الرّبيعية وخريف الكراسي

حجم الخط
0

عبد الحفيظ بن جلولي أصبح الحذاء رمزا سياسيا لإسقاط الهيمنة في الوسط السياسي العربي منذ أن قذف به الصّحفي العراقي منتظر الزّيدي في وجه بوش الإبن، رمز الهيمنة، في تلك الحادثة الشّهيرة إعلاميا، ولعله بعد ذاك صار الحذاء يعبّر عن التّجاذب بين المواطن والسلطة، فالقذف بالحذاء قايس في مساره الرّمزي ظاهرة إسقاط الأنظمة، والميادين أصبحت فضاء المواطن في مباشرة عملية القذف، بينما تطل السّلط من منصّاتها الرّسمية للردّ أيضا على سلوك القذف الحذائي.يحيل الحذاء دلالة على رفض الأبوية، حيث انتعاله يشير إلى القدرة على المشي، أي الحركة، فهو تمرّد على السّكون، وبالتالي تنبثق الكينونة المهمّشة التي عُطّل الإحساس بها لدى المهيمَنن عليه.يبدو إنّه من المستحيل أن نعيّن ذهنيا عناصر الإستقرار السياسي، ذلك إن الجلوس على طاولة التّحاور والتّشاور والتّفاهم يبقى وحده المبدأ الأساس في ترتيب حالة الشأن السياسي، ولعله من البديهي إدراك أنّ الحزب كيان سياسي جامع لكتلة بشرية متوافقة ومتّفقة إلى حد بعيد حول جملة من الأفكار والرّؤى لكيفية إدارة الشأن المؤسّسي لجهاز الدّولة، تصبح الإشارة إلى إنّه من الموضوعي أن تعترف الأحزاب بأنّها تعمل على الوصول إلى السلطة، وتقيّد هذا المسعى بالتّداول السلمي عليها، وأيّ زعم يخالف هذا المطمح السياسي الكامن في عمق الكيان النّفسي قبل البراغماتي، بأنّ الهدف ليس الوصول إلى السلطة بل خدمة الشعب وما إلى ذلك من شعارات عاطفية، يعتبر محض افتراء على إرادة المواطن المتّجهة إلى تحسين الوضع المعيشي وإيجاد فرص لترتيب البيت السياسي الوطني، وهذا الزّعم، القصد منه مواجهة توثب الجماهير بحلم المثالية الخادعة.يبقى على المتتبع للمشهد السياسي العربي ما بعد الرّبيعي مزاولة مَهَمّة إعمال المبضع كي يكتشف ما تحت الجلد السياسي وما وراء الإعلانات الصريحة بالمحاولة الحثيثة لإصلاح عطب السياسة الماقبل ربيعي، وهذا مطلب جماهيري قبل أن يكون (نخبوي/سياسي)، لكن ما يحدث على المسرح اليومي لحقيقة ما بعد الربيع يكشف عن نوع من الإهتزاز الرّؤيوي في معالجة حركة الفاعل السياسي داخل إطار المشهد أو فوق حلبة الحراك السياسي، فعادة ما تقدّم الفصائل السياسية نفسها على إنّها غير طامعة في السلطة، وهو ما يخلق في نفسية المواطن مثالية تعود به إلى حالة ما قبل الدّولة، ويكون ذلك مدعاة لتفاعلات الذات مع مخلفات المرحلة البدوية بما تحمله من إحساس عنيف وحنيني بالقبيلة والعشيرة والطائفة، هذا من جهة، ومن جهة أخرى قد يُحدث وعيا بالحرية والعدالة الإجتماعية والكرامة دون التفاعل الإيجابي والمصابر مع تداعيات المشهد التغييري المشوبة على الدّوام بالقلق واللااستقرار والتوتّر، وهو ما يفسر أحلام ما بعد الربيع، إذ انتصر عنصر التغيير للمنحى التبشيري بالعدالة والحرية والكرامة، في ظل غياب تام لأي إثارة للمسعى التشاركي في إدارة المرحلة الإنتقالية بألمها السابق على أملها والمحقق له في مرحلة تالية، وعندما وجدت المجتمعات ما بعد الرّبيعية ذاتها في خضم القلق الثوري المصاحب بالمطالب والإحتجاجات الشعبية تفاجأ الجميع نخبة وعموم المجتمع بالوضع الرّاهن مما خلق ذلك التعامل السطحي والعفوي الضامن فقط لإسكات الأصوات المطالبة بالحقوق والتي تعتبر شرعية، وراح الـــوضع السياسي يبرّر للااستقراره بأنّ الثورات كلها تمرّ عبر مرحلة التوتّر واللااستقرار، ويُضرب مثل الثورة الفرنسية، ولعل هذا المثال التّبريري أصبح مستهلكا، ذلك أن الذي يسقطه الفاعل السياسي سهوا أو عمدا، هو أنّ الثورة الفرنسية قامت على أساس العقد الاجتماعي الذي أسّس لفكرة المواطنة أوّلا، وهو ما لا نلاحظ له أثرا في مختلف سيناريوهات المشهد السياسي ما بعد الرّبيعي، فالمجتمع غلبت عليه الطائفية السياسية والمذهبية والدّينية وكأنّه يسترد بداوته السياسية القائمة على القبيلة بمفهومها السّلبي، وهو ما يلاحظ في الخطاب السّياسي والواقع المجتمعي، فالقبيلة وما يتفرّع عنها من طائفية أصبحت هي الأداة النّاظمة والحاكمة لمجموع العلاقات القائمة بين أفراد المجتمع والسياسة.إنّ فكرة العقد الاجتماعي حتى من الناحية الشرعية تقوم على تحديد عناصر التفاهمات المجتمعية وصولا إلى فكرة المواطنة الجامعة، أو الجماعة الوطنية، ودستور المدينة يشكل اللبنة الأساس في التصوّر النّبوي لتشكيل قاعدة للعقد الإجتماعي.ترسم المتابعات الإعلامية لحركة المشهد في دوّل الرّبيع العربي منحى بياني يساعد على قراءة عناصر حركة جغرافيا الوضع السياسي، حيث بعيدا عن تقييم الشّخص أو النّموذج في حالة الموالاة أو المعارضة، يتّضح أن القلاقل المثارة من خلال التسرّع والعفوية في إصدار بعض القــــــرارت يكشف عن نقص تجرباتي في التّعامل مع الوضع السياسي في مســـتواه الدّولاتي، أي التصرّف السياسي من موقع السلطة في مواجهة المجتمع والمعارضة، ذلك أنّ الحركة خلف الأضواء ليست كمثلها تحت الأضواء التي تعتبر كاشفة ومعرّية، وهذا الوضع يتطلب القبول بالرّشق النقدي الذي يقع على مناطق العور السياسي المثْبت من زاوية النّظر المقابلة.حتى في التّعاطي مع الحركية السياسية في لعبتها الهادفة إلى تنظيم العلاقات وترتيب القواعد السّائسة للمجتمع، يرتبك الفاعل السياسي في تقديمه للذات المتطلعة إلى القيادة والسلطة، ولعل أبسط تعبير عن ذلك يتمثل في الوعد الإنتخابي، الذي لا يقدّم جوهريا في صيغة المشروع، بل يغلب على تقديمه الطابع التبشيري، التبشير بـ’مشروع النّهضة’، والمفهوم مطلق وفضفاض، لا يحدّد معالم الإنجاز المرجو، لأنه يحاط بهالة النّصر القادم، والنّصر هو حالة نفسية تستعيد المنظومة الناجزة في الوعي، سواء أكانت اللحظة الإسلامية التاريخية المجيدة أو اللحظة الثورية المؤطرة بالحلم الانقلابي التّغييري، وفي كلتا الحالتين نجد اللحظة العربية أمام رهانات واقعية ومتتابعة لا تستطيع الصمود حيالها أو إثبات جدارتها أمامها، فالمشروع رهين الإحالة التّبشيرية على لحظة أحدثت تأثيرها في راهنيتها وشكلت الرّنين الصّدوي المستمر في الوعي الذّاتي أو الجمعي، إنّ ‘بيل كلينتون’ لمّا وعد بكمبيوتر لكل تلميذ، كان يدرك واقعية المشروع، فالولايات المتّحدة منتجة لهذه التكنولوجيا، هذا من جهة، ومن جهة أخرى فالمجتمع الأميركي يعتبر مجتمعا ما بعد صناعي، أي مجتمع إعلام ومعرفة حسب ألفين توفلر، فالمشروع أو الوعد الإنتخابي له مبرّراته الواقعية القابلة للتحقق في ظل إمكانات متاحة ومتوفّرة معرفيا ومادّيا.يعيد الحذاء السياسي انتصاره الرّمزي حين تختلط معطيات المشهد السياسي في ذهن الفاعل الرّبيعي، ولعله يقدّم فرصة لإعادة قراءة معيارية للإحتجاج، ومدى قدرة المحتج على التّمييز بين الحالة الطارئة وحالة الضرورة والحالة الثورية هذا من جهة، والحالة الضامنة للمسعى الإنساني داخل إطار الكرامة التي لا تعتبر في عرف الحقوقيين حقا، بل هي عنصر أصيل سابق عن وجود الدولة والحق ذاته، فرأس السّلطة حينما يُصدر إعلانا دستوريا ينص في أحد مواده على أنّ قرارات الرئيس السارية والمستقبلية لا يجوز الطعن عليها، وتنقضي الدعاوى المرفوعة على الساري منها أمام المحاكم، ألا يعتبر هذا تعديا على حق المواطن في التقاضي وحق القضاء في الفصل في المنازعات والرّقابة، أيضا عندما يطالب المواطنين بإقالة محافظ إحدى المناطق ويردّ رئيس الحكومة بالرّفض التام دون تحمل معاناة الاجتماع بالمواطنين والإستماع إليهم ولشكاواهم، وتقبل رفضهم لمن لا يريدونه مسؤولا عنهم، وفي ظل هذه التجاذبات سوف يظل الحذاء السياسي في انقذافه متبادلا بين خندقي السلطة والمعارضة الرّبيعيتين، في إعلان صريح لخريف باهت يلم بالكراسي الصامتة.’ كاتب جزائري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية