العلاقات التركية العربية… واختراق الحواجز

حجم الخط
0

العلاقات التركية العربية… واختراق الحواجز العلاقات التركية العربية… واختراق الحواجز د. دسوقي إبراهيم محمد تبدأ القصة من المحاولة التي قام بها العالم الغربي، مع بعض المتعاملين معه من العالم العربي، للقضاء على الخلافة العثمانية. هذا المارد الإسلامي الكبير، الذي أخضع له معظم دول العالم. بيد أن هذه المحاولة، لم تعتمد كما هو الحال في كل مرة على الآلية العسكرية، بل اعتمدت على ما هو أشد منها فتكا وتأثيرا، وهو تفتيت أواصر الصلة بين الشعبين العربي والتركي. ومن ثم، بدأت تتجلى على الساحتين: العربية والتركية، بعض النزعات القومية، التي استطاعت بالفعل، أن تبني حاجزا كبيرا بين الشعبين الكبيرين. وقد صُفِعَ العالم الإسلامي أولى لطماته جراء هذا التفتيت، بقيام الكيان الصهيوني على أرض فلسطين المباركة، هذا الكيان الذي كثيرا ما نخر كالسوس، ليزيح العثمانيين عن طريقه. وإذا تركنا الشعب التركي بما حدث له، بداية من منتصف العشرينيات في القرن الماضي وحتى مطلع القرن الحالي، وجدنا أن العالم العربي، لم يقل عنه سوءا؛ فعندما رحل الاحتلال الغربي، تباعا، عن سماء الأقطار العربية، منذ منتصف القرن العشرين، ليحكم من الخارج، ظل محافظا على ترسيخ هذه الفرقة، بزرع حكام عرب تابعين له على طول الخط، مستدفئين بأحضانه، لاجئين إليه، لاهثين على أعتابه، مسبحين بحمده. وهكذا طويت الصفحة بين الساسة العرب والساسة الأتراك، وأصبح الحديث عن مجد العثمانيين، محض خيال مضى. وهكذا سارت الأمور، ومرت العقود.لكن يمكن القول: إنه إذا كان هذا هو حال الساسة، على الجانبين، فإن الشعبين الكبيرين: التركي والعربي، لم ينفصما روحيا، بل كانا على يقين تام بأن التقارب التركي العربي، من الركائز المهمة التي تحافظ على التوازن الأقليمي في منطقة الشرق الأوسط. لكن ماذا تفعل هذه الشعوب ؟ !!!. وبعد وصول التيار الإسلامي المعتدل، إلى السلطة في تركيا، بدأ اختراق الحواجز، إذ شرع رئيس الوزراء التركي أردوغان في التقرب إلى العالم العربي. ومن مظاهر تجلي هذا التقارب، حضوره المؤتمرات المتعددة في القمم العربية، رغم كونه ليس عربيا. ولم يكتف أردوغان بهذا، بل أدخل مادة اللغة العربية في المدارس الابتدائية، وسمح لخريجي الثانوية العامة بالالتحاق بكلية الإلهيات، التي تضم في سنواتها الدراسية الصف التحضيري، المتخصص في دراسة اللغة العربية وحدها. والأكثر من ذلك، استعانته بأساتذة عرب لتدريس مادة اللغة العربية في كليات الإلهيات، على مستوى الجامعات التركية. وتعد هذه سابقة في القطر الشقيق تركيا. وكل هذا إشارة منه وإيعاذ إلى الحكام العرب، ليدركوا مدى الأهمية، في فتح القنوات المختلفة بين بلادهم وتركيا. لكن لا حياة لمن تنادي. ولما يئست تركيا من الحكام العرب، وتخاذلهم أمام القضايا الإسلامية في المنطقة، شرعت ـ بمفرها – في اتخاذ مواقف إيجابية تجاه هذه القضايا، وعلى رأسها القضية الفلسطينية، حتى وصل الأمر إلى التعدي على أسطولها البحري، الذي كان يحمل معونات إلى الفلسطينيين في غزة. لكن، لماذا تلجأ تركيا للأسطول البحري، ومن المفروض أن مصر هي الجارة والمفتاح والمعبر الوحيد والمهم إلى غزة؟. والإجابة معروفة، لا تحتاج، ولا تستحق أن تأخذ وقتا في الحديث عنها؛ لأنها مخزية. وما إن اندلع الربيع العربي، وبدأت خفافيش الظلام في التواري عن الساحة السياسية، في بعض الأقطار العربية، بعد أن أنهكوا شعوبهم، وأوردوها في خضم المهالك على المستويات شتى، حتى ألفى المارد التركي بغيته، وبدأ يشرئب إلى تحقيق طموحاته، في إقامة علاقات جيدة مع الدول العربية، تصب في النهاية في مصلحة المنطقة كلها، قبل انصبابها في بوتقة المصالح الفردية. وفي هذا السياق، كان الرئيس التركي عبد الله غول، من أوائل الرؤساء الذين زاروا مصر، بُعيد ثورتها المباركة، بوصفها أولى الأقطار العربية استقرارا، والقلب النابض للعالم العربي كله. وتابعه في ذلك رئيس الوزراء رجب طيب أردوغان. ومن هنا، بدأت الذكريات الخيالية تقترب من الحقيقة. وبدأ الحديث عن النموذج التركي في انتخاباته الحرة النزيه، ونجاحاته المتعددة المستمرة، في إنعاش الاقتصاد، وفي غيره من المجالات المختلفة، يدور على ألسنة المصريين. وقد زاد من تحقيق هذا الحلم، ما آلت إليه السلطة في مصر، إذ قدَّر المولى عز وجل لها من الرجال، مَنْ يُتَوَسَّمُ فيه الخير كل الخير. وكانت النتيجة، أن شرع الرئيس المصري المنتخب الدكتور محمد مرسي في زيارة تركيا. وعلى الفور تجلى الكرم التركي، في إعطاء تركيا لمصر قرضا، مُقَدَّرا بمليار دولار أمريكي. وهنا يمكن القول: إن الانتخابات المصرية النزيهة والحرة، دفعت الرياح أن تأتي بما تشتهي السفن. ومواصلة لهذا الدرب، يزور رئيس الوزراء التركي أردوغان مصر، في السابع عشر من الشهر الجاري، ليزداد التوطيد توطيدا والحب حبا والعز عزا. وإذا كانت العلاقات التركية المصرية في طريق وصولها إلى ذروة السنام، فإن تركيا لم تنس مساندة الشعب السوري في محنته، وهو ما يفهم مما ورد على لسان أردوغان يوم الثلاثاء 13 من نوفمبر في الكلمة التي ألقاها أمام الكتلة البرلمانية لحزبه، والذي أكد فيها بكل جرأة، أن تركيا تعمل على رحيل الأسد عن سدة الحكم في القطر الشقيق سوريا. وهكذا تسير العلاقات التركية العربية بالتوازي، في تقوية العلاقات مع الدول المستقرة من ناحية، ومساندة الدول التي لم تستقر بعد من ناحية أخرى. ويهدف كل هذا إلى عودة التوازن الاستراتيجي في منطقة الشرق الأوسط، أبَى مَنْ أبَى، وتضرر من تضرر، وتذمر من تذمر. وهنا، يمكن طرح بعض الأسئلة المهمة : هل ستجد تركيا في العالم العربي الجديد، بخريطته المنتظرة، وبرؤسائه الذين أفرزتهم الانتخابات الحرة، وبموارده التي لا يمتلك العالم الغربي حتى ربعها، بديلا في المجالات شتى، عن الاتحاد الأوروبي التي ترغب في الانضمام إليه؟ وعلى الجانب الآخر، هل يمكن للعالم العربي، بساساته الجدد، الذين يمثلون ضمائر شعوبهم، أن يجدوا في المارد التركي بديلا عن الارتماء في أحضان المعسكر الغربي والمعسكر الشرقي؟ وإجمالا، هل يمكن أن يُلَمْلَمَ الشمل مرة أخرى، ليس بإقامة علاقات تركية عربية فحسب، بل بإقامة علاقات إسلامية إسلامية، من خلال النمور الاقتصادية والعلمية والعسكرية… التي يكتظ بها العالم الإسلامي؟ أتمنى هذا، بل ويتمناه كل مخلص. ‘ كاتب من مصر

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية