كيف يجيب الإعلام على أسئلة المجتمع ؟

حجم الخط
0

التكوين الإعلامي بأقسام الإعلام العربيّة د. عبدالله الزين الحيدريالذين يسارعون إلى جلب الخبراء في مجال الإعلام المرئي من مختلف البلدان الأوروبية بالخصوص، لتطوير ‘الأداء الإعلامي ولمنحه نفسا جديدا’، لم يضعوا في اعتبارهم أنّ هذا الإعلام ينضج ويزدهر، في المقام الأوّل بالمسائل المتفرّعة عن العلوم الإنسانية والاجتماعيّة، بل ويتنفّس بواسطتها. لا شك أنّ في جلبهم فائدة معتبرة، على مستوى الانفتاح على تجارب أخرى.وحتى إن تعلّق الأمر بتطوير الشكل، والشكل مهمّ لا ريب في ذلك، لأنّ المضمون برمّته غارق في الشكل، ولا يتجلّى إلا في وجود شكل أنيق، مناسب، يعزّز من إشعاعه وقدرته على البلاغة والتأثير، فإنّ حقل الجاذبيّة في الصناعات الإعلاميّة، والثقافيّة أيضا، كامن، قبل كلّ شيء، في الفكر المنتج للمعنى. فإذا كان هذا الفكر معتلاّ، فلن يغيّر من اعتلاله تزويق الشكل وزخرفته، بل سيقوده ذلك إلى مزيد الانحراف عن وظائفه الحقيقيّة.مواطن الاعتلال في إعلامنا هيّ من طبيعة معرفيّة وثقافيّة، لا يملك الخبير أدوات تشخيصها وعلاجها، خصوصا لمّا ندرك حدّة التناقض بين الخطاب الميدياتيكي والفعل الاجتماعي بوصفهما عنصرين في بيئة واحدة. ولتوضيح هذا المشكل المركّب في ثنائيّة الشكل والمضمون المتعلّق بإنتاج المعنى في الميديا العربيّة، قمنا بدراسة فلسفة التكوين الإعلامي بأقسام الإعلام العربيّة، مهتمين في المقام الأوّل بالتكوين الأكاديمي في مجال الإعلام السّمعي المرئي (1).الرّمز والأداة وإنتاج المعنى في التلفزيون يشهد التكوين الأكاديمي في مجال التلفزيون بأقسام الإعلام العربيّة تماثلا بارزا في الخطط والأهداف، ويتجلّى ذلك بوضوح، في ما تتضمّنه الخطط الدراسيّة من مقرّرات، تعنى بتطوير مهارات الطالب في الكتابة الإخباريّة التلفزيونيّة وإنتاج البرامج التلفزيونيّة. ويكاد التكوين لا يخرج عن هذه الدائرة ‘ النموذج’ التي يستمرّ العمل بفلسفتها التقنويّة. ويجري التكوين الإعلامي عموما في أغلب أقسام الإعلام العربيّة على نحو يميّز التقنية أكثر من التركيز على كيفيّة إنتاج المضامين والمعاني التي يعتبرها هابرماس (Habermas) الحلّ الأساس لتأسيس بيئة تتحقّق في حدودها الفاعليّة التواصليّة. ويتضح من خلال الملاحظة، أنّ طالب الإعلام في أقسام الإعلام العربيّة وكلّياته، يتدرّب على كيفيّة استخدام الأداة، أكثر من تدرّبه على إنتاج المعنى، ويصرف اهتمامه بتطبيق القواعد الصّحفيّة الجاهزة أكثر من التفكير في كيفيّة صناعة المضمون من خلال الإطلاع على الأساليب البلاغيّة والبيانيّة، ومعرفة ماذا يجري في الحقل اللّساني الذي يتأسّس في وجوده المشروع الفكري الحضاري، لأنّ التقنيّة، على الرّغم من كونها أداة بلاغيّة وبيانيّة هيّ الأخرى، فإنّ وظائفها لا تتأدّى إلاّ بالعودة إلى اعتماد الحقول البلاغيّة واللّسانيّة أرضيّة صالحة لصناعة المضامين. فالتقنية مثلما يقول هابرماس هيّ ‘على الدوام مشروع اجتماعي- تاريخي’، غير منفصلة عمّا يحدث في فكر العلوم الاجتماعيّة والإنسانيّة بشكل عام. لقد أضحى السّعي إلى كسب المهارات التقنيّة في التكوين الإعلامي بالمؤسّسات الإعلاميّة العربيّة ضرورة ملحّة يمنحها أصحاب القرار أولويّة بارزة على أكثر من صعيد، إلى حدّ إقصاء مستويات التكوين التي تأخذ في الاعتبار أهميّة الدلالة في الإنتاج الإعلامي والثقافي. ويتضح من خلال معايشتنا لهذا الواقع، أنّ التحكّم في الأداة هوّ الذي يصنع الصّحفيّ الناجح. ولكن هل يمكن اعتبار الأخذ بناصية التقنية، والإلمام بمصفوفة القواعد الصّحفيّة والتحكّم في تطبيقاتها، عماد التكوين المتكامل في الإعلام وفي الإعلام التلفزيوني بالخصوص. هل يصنع مجرّد التكوين الذي يستند إلى تلقين القاعدة الصّحفيّة وتلقين التطبيقات العمليّة للأداة صحافة مزدهرة على الصّعيدين الفكري والاجتماعي. أليس الأصل في التكوين، لتأسيس إعلام يجيب على أسئلة المجتمع، كامن في المراوحة بين التقني والرّمزي، بمعنى آخر أكثر اختزالا وتبسيطا، بين التقنية والعلوم الإنسانية والاجتماعية. ولمّا بحثنا، ضمن خطط التدريس الإعلامي التلفزيوني المعتمدة في أقسام الإعلام العربيّة (2)، عمّا يحقّق معادلة متوازنة في التكوين، معادلة تقوم على اعتبارات رمزيّة وأداتيّة في الوقت ذاته، كاعتماد تحليل الخطاب مادة علميّة تخدم صلب الإنتاج الإعلامي وأغراضه، نجد أنّ العمل على استثمار مثل هذه الحقول المعرفيّة غائب عن شبكة البرامج الأكاديميّة في الإعلام. ونكاد نفهم من وراء ذلك، أنّ المسائل اللسانيّة بكلّ فروعها ومفاصلها، لا تنتسب، في منظور الخبراء، إلى مجال التكوين في أقسام الإعلام المذكورة بالصّورة التي هيّ عليها في أقسام أخرى، مثل قسم اللّغة العربيّة في العديد من كليّات الآداب والعلوم الإنسانيّة بالبلدان العربيّة، لكون تحليل الخطاب، على سبيل المثال، يعدّ من المباحث النظريّة التي لا تخدم مقرّرات الإعلام التطبيقي. ونجد هذا الفكر سائدا لدى الكثير من الإعلاميين والباحثين أيضا، الذين يصرّون على التمييز القاطع بين ما يسمّونه ‘المهارات الصّحفيّة’، وفي شكلها العامّ، المهارات الإعلاميّة، وبين المسائل اللّغويّة واللّسانيّة، بل ويجرّدون المهارات الإعلامية، من كلّ دلالة تحيل إلى الحقول التي ذكرنا.الرّموز هيّ التي تحرّك العالمإن قضيّة التكوين الإعلامي هيّ، في المقام الأوّل، قضيّة مضمون لا يجوز، في تقديرينا، عزلها عن سياقها المعرفي، في ما تحتاجه من أدوات لصناعة المضمون الإعلامي بمختلف أجناسه، وبناء مقاصده. فأيّ إنتاج يسعى الطالب إلى تحقيقه خارج نظام الدلالة والعلامة ؟ أليس من الأجدر، في تدريس الدّعاية والإعلان، والتحرير الصحفي والدراما والكتابة إلى الإذاعة والعلاقات العامّة وتحرير البرامج الإخباريّة… أن يدرك الطّالب دلالات الخطاب في النًص الإعلاني والدعائي، والإخباري ومدلولات الصّورة، البلاغيّة والإلكترونيّة والذّهنيّة، في ما يتلقّاه من معارف في العلاقات العامة والإذاعة والصّحافة، لكي يكون قادرا على صناعة صورة للمؤسّسة أو التخطيط لحملة صحفيّة أو إعداد نصوص في الإعلان والدّعاية أو بلوغ القصد في ما يقوم به من إخبار… ألا تحتاج كلّ هذه المقرّرات لرابط أساسي يمنحها البعد المعرفي الذي هوّ الأصل في الإنتاج الإعلامي وغير الإعلامي. أليست الرّموز هيّ التي تحرّك العالم مثلما يشير إلى ذلك بيرس (Charles Sanders Peirce) الذي يعتبر كلّ عناصر العالم رموزا. ثمّ إنّ العالم، كما يقول هايدغير (Martin Heidegger )، يسكن اللّغة.فإذا سلّمنا بحقيقة أنّ كل إنتاج إعلامي لا بدّ له من مقاصد يبلغها، كيف يتحقّق بلوغ القصد خارج نظام الدال والمدلول؟ على صعيد آخر، نجد أنّ التكوين في مجال الإعلام التلفزيوني لا يستند إلى أدبيات في فهم محيط الصّورة ودلالاتها على نحو يقود إلى التحكّم في آليات إنتاجها، والحال أنّ العمل التلفزيوني برمّته، يقوم على ما للصورة من مستويات فيزيائيّة ودلاليّة تحدّد طبيعتها.إنّ المهن الإعلاميّة والاتصاليّة بشكل عام، فضلا عن كونها تتحقّق بالممارسة والتعامل المباشر مع الوسط المادّي، فإنّها تحتاج إلى منطلقات سيميولوجيّة تدرس مادة التعبير ومعاني التعبير، التي هيّ عماد العمل الإعلامي والأصل في التواصل الاجتماعي. والمقصود من ذلك أنّ إنتاج المعنى كشرط من شروط الفعل الإعلامي، لا يستقلّ عن الدور الذي تقوم به الصّورة في عمليّات التفكير المركّبة، بل لا يتحقّق إلاّ في دائرة التمثّل والتصوّر والتصوير، وهي الدّائرة التي تسكنها حمولة الرّموز الثقافيّة. أدبيات الصّورة : الحلقة الغائبة في إنتاج المعنىلم نعثر في خطط التدريس بأقسام الإعلام العربيّة (3)، على مقرّرات تمكّن الطالب من فهم علم العلامات وإدراك أدوات تحليل الخطاب وسيميولوجيا الصّورة، على الرّغم من أنّ التخصّص في الإعلام عائم برمّته في قضايا الدّال والمدلول التي تتشكّل منها الوظائف الاتصاليّة، كما بيّن ذلك البعض من السّيميائيين مثل مونان (George Mounin) ومارتينيه (Andre Martinet) . فبناء المضامين الإعلاميّة وإحداث التأثير وتعديل الرّسائل الموجّهة للجمهور وصناعة الرّأي وضبط السّلوك، كلّها أفعال مشروطة بـ : ‘القصد’، وطالما هيّ ‘قصديّة’، فهي تتحقّق بالتحكّم في نظام العلامات والرّموز.إنّ ظهور التلفزيون، في البلدان العربيّة، احتضنه خطاب السلطة السّياسيّة وظلّ يرافقه إلى حاضرنا هذا، على الرّغم من تبدّل المشهد الإعلامي بحلول الفضائيات، والتلفزيون الرّقمي الأرضي، وباتساع دوائر منظومة الإعلام الجديد. وهو، في واقع الأمر، ظهور لنظام من الوسائط التقنيّة الناقلة لخطاب القوى السّياسيّة المهيمنة في المجتمع، مثلما ذهب إلى ذلك روّاد النظريّات النقديّة. ونجد أنّ السّؤال الاستراتيجي الذي يحرّك عمل الإعلام المرئي الرّسمي برمّته في البلدان العربيّة هوّ : كيف ينبغي أن ينقل التلفزيون خطاب السلطة، ويضاعف ترسيخ صورتها في المجتمع.لم يكن ظهور التلفزيون في البلدان العربيّة مهيّئا لصناعة حاضر المجتمع ومستقبله، ولذلك لا نجده مهيّئا لاستيعاب ما يجري في أقسام اللّغة من تكوين في المسائل اللسانيّة، وما يتفرع عنها من تخصصات تهتمّ بالخطاب والدلالة، بل كان غارقا برمّته في المسألة التقنيّة التي تلوح للكثير من المكوّنين صلب صناعة الرّسالة الإعلاميّة، و نراه اليوم لا يستوعب بالقدر المطلوب، ما يجري في مجال الملتيميديا من أعمال رائدة في صناعات المضمون.موضوع التعليم والتكوين الإعلامي، ينبغي،في نظرنا،إعادة هيكلته انطلاقا من التفكير في إحداث التزاوج بين الرّمز والأداة، وقصدُنا، هوّ أن ينخرط الفاعلون في الإعلام والاتصال، في ممارسة التناهج بين العلوم، وزيارة الحقول اللّسانيّة، ذلك لأنّ بصيرة الصّحفي هيّ وليدة ذخائره المعرفيّة المستمدّة من هذا الحقل بالخصوص، ليظلّ الخطاب الإعلامي صناعة مبنيّة، ومشروعا اجتماعيّا يجيب على أسئلة المجتمع، ويخدم قضاياه.*أستاذ علوم الإعلام والاتصالالهوامش1) عبد الله الزين الحيدري، الرّمز والأداة في مجتمع المعلومات، مجلّة العلوم الإنسانيّة، العدد 22 ، كليّة الآداب جامعة البحرين، 2012 .2) اعتمدنا في دراستنا لهذا الموضوع على عيّنة من خطط التكوين المتخصّص في الإذاعة السّمعيّة المرئيّة بكلّ من تونس ومصر والسعودية والكويت. انظر :عبد الله الزين الحيدري، الرّمز والأداة في مجتمع المعلومات، مرجع سابق.3 ) مرجع سابق

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية