تقع منطقة سبأ في القسم الأوسط من اليمن الحالي أي إلى الجنوب من نجران فقد قامت هناك دولة قوية بين القرنين الثامن والثاني قبل الميلاد. أما قبل ذلك فقد قامت في اليمن دولة قوية أخرى هي الدولة المعينية فتعايشت معها دولة سبأ بعض الوقت ثم ورثتها وعندما جاء الاسلام كانت دولة سبأ قد دالت وقامت مكانها الدولة الحميرية وعاصمتها ظفار ومن هنا جاء المثل المشهور من دخل ظفاري حمّر اي تكلم الحميرية.
اعتمدت مملكة سبأ على التجارة والزراعة ولم تكن دولة حرب فلم يكن لها جيش بالمعنى المتعارف عليه ونجد ان السبئيين هم اول من تحضر فعلا من الاقوام العربية في التاريخ ومن هنا جاءت عبارة بلاد اليمن السعيد ولا ننسى ان كلمة يمن مشتقة من اليمُن اي كثرة الخيرات وبحبوحة العيش فقد عاش أهل سبأ عيشة دعة ورخاء وكانت تجارتهم تعتمد على العطور والبخور والتوابل ولهذا اشتهرت بانها مصدر الطيب وجاء في مسرحية شكسبير ان ليدي ماكبث تقول ( حتى عطور بلاد العرب لا تزيل رائحة الدم عن يدي ) والعوامل التي اوجدت ذلك الرخاء في المملكة السبئية كثرة الامطار وقربها من البحر ومركزها الجغرافي ألمهم على خط اتصال القوافل البرية والبحرية بالهند والحبشة وبلاد الشام ومصر. وكان يردها اللؤلؤ من منطقة الخليج والانسجة والسيوف من الهند والحرير من الصين والعاج وريش النعام والذهب من الحبشة وكانت جميعها تجد طريقها بواسطة التجار السبئيين إلى بلاد حوض البحر المتوسط ومنها إلى اوروبا.
كانت عاصمة مملكة سبأ مدينة مأرب وهي تبعد حوالي ستين ميلا إلى الشرق من صنعاء وتقوم مأرب على علو 2900 قدم فوق سطح البحر ولا شك ان البناء الذي أكسب المدينة شهرتها هو سدها العظيم ( سد مأرب ) فقد كان من عجائب الفن المعماري وكان فيه كما في غيره من مباني سبأ العامة من الرقي الهندسي ما ينم عن مجتمع محب للسلام وعريق في الحضارة ثم كما يقولون ( تفرق القوم أيدي سبأ ) عندما جاء سيل العرم فغمر البلاد وكان ذلك في حوالي عام 542 قبل الميلاد فنزح من اليمن بنو غسان وتنوخ إلى سوريا والعراق وبنو لخم إلى الحيرة كما نزحت قبائل عديدة اخرى منها طي وكندة إلى الحجاز والأوس والخزرج إلى المدينة المنورة.
وكانت للسبئيين أبجدية تتألف من 29حرفا تسمى بالحرف المسند وكان القائم على أمور الدولة هو (الم كرب ) أي المقرب من الآلهة لهذا فقد كان يجمع بين رئاسة الدين والحكومة فقد اشتهر من هؤلاء المكربين اثنان هما (يثعمر وكربئيل ) وكان إله سبأ القومي هو المقه أي القمر فقد كانوا يعبدون الكواكب والنجوم واهمها القمر والشمس وكانت شرائع السبئيين تتصف بالنضج السياسي وتدل على نظام دولة راقية وتلوح من خلاله أوضاع الحكم النيابي وربما لم يكن لدى اي شعب آخر في ذلك الحين ما يدانيه من حيث النضوج والرقي السياسي.
وقصة الزيارة التي قامت بها ملكة سبأ إلى النبي سليمان واردة في التوراة وفي القرآن الكريم وقد وردت في المكانين المذكورين كحدث تاريخي ولكن مع الزمن أخذت تضاف اليها إضافات عديدة فمثلا لم يرد في اي من المكانين المذكورين أسم الملكة الزائرة غير ان المفسرين والمؤرخين وأهل الاخبار عامة قد ذكروا ان الاسم هو بلقيس وانها من بنات التبابعة ملوك اليمن وهي ابنة الهدهاد ابن شرحبيل.
والمفروض ان تكون هذه الحادثة قد جرت في عام 950 قبل الميلاد وكانت بلاد سبأ في ذلك الحين في قمة ازدهارها الاقتصادي ولا شك أن من أسباب تلك الزيارة توثيق العلاقات التجارية فقد كانت سبأ تصدر اللبان والعطور والتوابل وكان بناء سد مأرب يدل على وجود مجتمع زراعي راق ومقدرة هندسية عالية كما انه من المعروف انه كان لبلقيس ثلاثة قصور هي غمدان وسلحين وبينون ولعل لهذه الاسماء معاني خاصة باللغة الحميرية. وقد أدهشت هذه الملكة السبئية سليمان حين جاءت مع قافلة كبيرة من الجمال تحمل الهدايا الثمينة بمقياس ذلك العهد أما الأحباش فانهم تناولوا هذه القصة وأضافوا اليها من عندهم وقد وردت هذه القصة مفصلة في كتاب (كبرا نجشت) أي مجد الملوك الذي يحفظونه حتى الآن في كاتدرائيتهم بمدينة أكسيوم وفيه ان النبي سليمان تزوج ملكة سبأ وأنجب منها (منليك) الأول ولهذا فان ملوك الحبشة ينتسبون إلى أقدم عائلة مالكة في العالم. أما ابن خلدون فيقول ان اسم ملكة سبأ ليس بلقيس بل (يلمقة) ومعناه نجمة الزهرة لأن نجمة الزهرة كانت أحدى معبودات السبئيين.
والعرب تفتخر حتى في العصور الاسلامية بالأصل اليماني لأنها معروفة ببلاد الحضارة والرقي ويعتبر المؤرخون ان عرب اليمن من قحطان وعرب الحجاز من عدنان أو قيسية ومن الطريف ان نجد حتى اليوم في فلسطين قرى قيسية وأخرى يمنية. اما السبب الرئيسي لتأخر التجارة السبئية هو اتصال الرومان بالبحر الأحمر اذ بدأت مراكبهم التجارية تحل محل المراكب السبئية وما لبثت ان حلت محلها في التجارة وهكذا زال المصدر الرئيسي لخيرات البلاد وبدأت البلاد في التأخر الاقتصادي إلى ان جاء الاسلام فدخل القوم في الدين الجديد من دون مقاومة وأصبح جند اليمن يشكلون القسم الأكبر من الجيش الاسلامي.
د. فـؤاد حــداد