■ من أكثر التهم شيوعا التي وجهت عبر التاريخ وماتزال توجه حتى اليوم الى المختلف (دينيا، طائفيا، اجتماعيا وسياسيا) هي تهمة الإباحية الجنسية، وبشكل يكاد يكون واحدا في كل مرة، وهو اقامة حفلات الجنس الجماعي، فما هو السبب وراء هذه الاسطورة وما هو جذرها التاريخي ولماذا ماتزال محافظة على اهميتها في المخيال الشعبي؟
ولفهم الجذر التاريخي لاسطورة الاباحية الجنسية، لابد ان نعلم ان للجنس ارتباطا وثيقا بالدين، ودارسو التاريخ والانثروبولوجيا والاديان المقارنة يعرفون جيدا ما عرف بطقوس الخصب وطقوس الحياة، أو دورة الحياة في تاريخ العديد من الأديان في العالم، عالم الاثار صموئيل كريمر يشير في كتابه «طقوس الجنس المقدس عند السومريين» إلى طقوس دينية كان يتم الاحتفال عبرها بعيد الخصب، حيث تتم هذه الطقوس في معبد آلهة الحب، وهو ما عرف لاحقا لدى الدارسين بطقس (البغاء المقدس)، الذي كان يمارس في معابد آلهة الحب في كل الشرق تقريباً، حيث كان بحسب كريمر: تجلس النساء في هيكل عشتار، في عيد الخصب وتزدحم الممرات في الهيكل بالغاديات والرائحات في خطوط مستقيمة وفي كل الاتجاهات، ثم يمر بهنّ الغرباء ليختاروا من يرغبون، ويضاجعونهنّ مقابل قطعة نقدية، وعليهنّ ألا يعدن إلى منازلهنّ حتّى يمارسن الحب. كما يشير المؤرخ اليوناني هيرودوت الى أن من كانت من النساء ذات جمال وتناسب في الأعضاء لا تلبث أن تعود إلى دارها. أمّا قليلات الجمال فيبقين في الهيكل زمناً طويلاً، وذلك لعجزهن عن الوفاء بما يفرضه عليهنّ القانون. وإلى جانب هذا النوع من الممارسات الجنسية كان في معابد عشتار كاهناتها (القاديشتو) أي القديسات، النساء المقدسات أو الطاهرات، وكانت كبيرة الكاهنات تلعب دورا تمثيليا تؤدي فيه دور آلهة الخصب (عشتار) بينما يلعب الملك، أو الكاهن الأكبر دور الإله تموز (دموزي)، وعبر ممارسة جنسية احتفالية يختلط فيها الطقوسي والديني بالدنيوي لتحل بركة الالهة على البشر والأرض والزرع والحيوانات ليــتم النماء ويعم الخير.
وكما نعلم اليوم أن الأسطورة مثل المياه الجوفية تنتقل عبر الشعوب والحضارات بطرق ومسالك مخفية، فتبرز هنا وتختفي هناك، أو تظهر وقد ارتدت معطيات ثقافية جديدة تناسب المكان الجديد، وقد انتقلت طقوس الاحتفال بآلهة الحب والخصب الى اليونان، بما عرف بالديانة الديونيسيوسية، ولعلّ عبادة دينيسوس هي من أكثر العبادات الكلاسيكية التي تركّز على الطقس الجنسي. وقد مثّلت الطقوس الديونيسية السريّة شكلاً من أشكال التصوّف، الذي يصل فيه المتعبّد إلى الاتحاد بالقوة الإلهية لدينيسوس، روح الخصب الكونية، عبر الخمر والجنس الجماعي ، وانتقلت هذه الطقوس الى الرومان بعد ان تغير الاله دينيسوس الى الاله باخوس، وبقيت اثار الديانات الانثوية (عبادة آلهة الخصب) موجودة ومؤثرة في الشرق، بحيث يشير البعض الى تأثير ديانات الشرق في اليهودية ويشيرون الى ما ورد في نشيد الانشاد في العهد القديم على أنه دليل على ذلك، وبقيت الاحتفالات الجنسية موجودة حتى بدايات القرن الرابع الميلادي، كما يذكر كاتب ولاهوتي عاش في تلك الفترة هو لوقيانوس الانطاكي (240 م – 312 م) في كتابه «الآلهة السورية» حيث يشير الى احتفالات جنسية بآلهة الخصب في معابد أفروديت في أفقا في بلاد الشام خلال القرن الثالث الميلادي، وكذلك الحال مع المنطقة المحيطة بالهلال الخصيب مثل الحجاز، ففي مكة قبل الاسلام كان هنالك عدد من الآلهة التي يحتفل بها بطقوس جنسية تشبه الطقوس المشار لها سابقا ومثال ذلك ما هو معروف عن اسطورة اساف ونائلة، وممارستهما الجنس في الحرم المكي، وقصة مسخهما الى حجر، لكن المعروف عن الحقبة السابقة للاسلام ان العرب كانت تحتفي بهما كرمزين للخصب والحب، كما أن الكثير من طقوس الحج الجاهلي كانت فيها سمات جنسية لا مجال هنا لتفصيلها.
اما في تاريخنا العربي والاسلامي فقد ظهر الاتهام بالإباحية مع ما عرف بكتب «الملل والنحل» التي كتبها كتاب موسوعيون مثل ابن النديم وابن حزم والمسعودي والبيروني وياقوت الحموي وغيرهم، عندما كتبوا عن العقائد السابقة للاسلام، والملاحظ على اكثر هذه الكتابات عدم تحريها الدقة، واعتمادها النقل من دون تمحيص، فألقوا بتهمة الإباحية على مختلف الطوائف، وقد اطلقوا على الاحتفال الطقسي عددا من المسميات، ربما كان أشهرها ليلة الماشوش، وقد الصقها بعض المؤرخين والبلدانيين، مثل ياقوت الحموي، بالنصارى في بلاد الشام باعتبارها عيدا تمارس فيه الاباحية الجنسية، وقد كتب الكاتب الموسوعي العراقي انستاس ماري الكرملي (1866م – 1947) في مجلته «لغة العرب» عام 1930 مدافعا ونافيا التهمة عن المسيحيين ونراه يتتبع الموضوع بنوع من العلمية والموضوعية فيقول؛ على أننا لا ننكر أن كلمة (الحاشوش) وردت في جميع الكتب العربية، التي نقلت اسم هذه الجمعة بميم في الأول بدلاً من الحاء، وقد وردت في بعض النسخ الماسوس بميم وسينين ونسبوا إلى معناها تأويلاً قبيحاً ولم يكتفوا بذلك بل نقلوا اليوم إلى يوم آخر غير جمعة الآلام. وممن ذكر ذلك ياقوت في معجمه في مادة «دير الخوات»، وفعل فعله صاحب «مراصد الاطلاع» في المادة المذكورة وكلاهما نقل كلام الشابشتي، وقد صرح ياقوت باسم الشابشتي صاحب «مراصد الاطلاع» في معجمه البلداني في المادة التي ذكرناها (دير الخوات… وعيده الأحد الأول من الصوم يجتمع إليه كل من قرب من النصارى. قال الشابشتي: وفي هذا العيد ليلة الماشوش وهي ليلة يختلط فيها الرجال والنساء فلا يرد أحد يده عن شيء)، وبعد ان يستعرض الكرملي في مقاله اغلب الفرق التي اتهمت بالاباحية، ويدقق الاراء التي قيلت يصل الى حكم علمي مفاده؛ على أننا لا نصدق أن مثل هذه الليلة وجدت عند قوم أو عند اليهود أو النصارى. أما المسلمون الذين في سورية ولبنان فانهم ينسبون مثل هذه الليلة إلى الدروز، ومنهم من ينسبونها إلى النصيرية الذين يسمون أنفسهم علوية، أما أهل العراق والجزيرة من مسلمين ونصارى أو يهود فينسبون مثل هذه الليلة إلى الإيزيدية والشبك والكاكائية وغيرهم من الفرق أو المذاهب الخفية. ومنهم من ينسبها أيضا إلى صابئة البطائح المعروفين اليوم عند العراقيين باسم الصبة. ونحن نقول: إن كل هذه الأمور المنسوبة إلى أولئك الأقوام من سورية وعراقية لا نصيب لها من الصدق، إنما توارثها الناس الناسبون هذه المنكرات إلى الأقوام المخالفة لهم في المعتقد من الآراء التي كانت شائعة شيوعا صادقاً لانتسابها حقيقة إلى الرومان واليونانيين، فإنه كانت عندهم مواسم يطلقون فيها لنفوسهم أعنة الشهوات ويستحلون فيها كل محرم واسمها عندهم الباخوسيات، لكن الاستاذ شكري محمود احمد يكتب مقالا في مجلة «الرسالة القاهرية» عام 1947 ويرد ما قاله الكرملي ويؤكد التهم فيقول فيه وقد نسبت هذه الليلة إلى النصارى، كما نسبت إلى بعض أصحاب البدع من المسلمين، فمن هذه الملل والنحل: النصارى والفرس والساسانية والقرامطة والبابكية والصفاة والمازرية والقلم حاجية والصابئة والإيزيدية والشبك والنصيرية والكاكائية، وربما نسبت إلى غير هؤلاء. وسميت عند النصارى وبعض فرق المسلمين بليلة الماشوش، وعرفت عند غيرهم بليلة الكفشة. وربما كانت هذه الليلة في الأصل فارسية ثم انتقلت إلى غيرهم من الأقوام والمذاهب.
ومن ذلك يتضح ان كل الفرق المخالفة قد اتهمت بالاتهام نفسه وبالاسم نفسه، والمفارقة اننا اليوم مانزال نجد العديد ممن يحسبون على النخب يردد نفس الاتهامات بالاباحية تجاه المختلف، فلماذا اذن رسخت هذه التهمة؟ نحن نعتقد ان ذلك متأت من سطوة الديانات الابراهيمية الثلاثة في منطقتنا وطهرانيتها السلوكية التي فرضت نمطا سلوكيا يشمئز من الاباحية الجنسية، لذلك كانت هذه التهمة من اشنع التهم في حق من يتهم بها، بينما نجد الامر في ديانات الشرق الاقصى في الهند واليابان وجنوب شرق اسيا مختلفا نسبيا، اذ ماتزال تحتفل هذه الشعوب باعياد طقوسية تمجد فيها الخصب والحب والجنس، وان اختلف شكل الاحتفال عن جذره الاسطوري بسبب تغير المعطيات الحياتية.
وفي ظل الظرف المتفجر الذي نعيشه اليوم، نجد التهمة وقد ارتدت قناعا سياسيا حيث امتزجت الاباحية الجنسية بالعنف، فعلى سبيل المثال نجد كل حركات التمرد التي شهدها العالم العربي، في ما عرف بالربيع العربي قد اتهمتها حكوماتها بانها تمارس الاباحية الجنسية في الخفاء، مثال ذلك ماوجه من اتهامات الى الثوار في ليبيا ومصر وسورية والبحرين واليمن، وفي الوقت نفسه، رد المتمردون التهمة الى السلطات بالطريقة نفسها، كما حصل عندما اتهم الثوار كتائب القذافي في محكمة العدل الدولية بانهم كانوا يتعاطون حبوب الهلوسة والمنشطات الجنسية، ما أدى الى حدوث المئات من جرائم الاغتصاب بحق المواطنين، وبالطريقة نفسها يوجه الاتهام الى الحركات الراديكالية الاسلامية مثل «داعش» و»النصرة» بان اعضاءها يمارسون ماعرف بـ(جهاد النكاح)، وهذه الحركات تتهم بدورها الانظمة التي تقاتلها بانها رافضية كافرة تمارس الاباحية الجنسية والواجب قتالها وتدميرها لتنقية المجتمع من شرورها وفسادها، وهكذا تبقى تهمة الاباحية تتقاذفها مختلف الجهات ككرة نار، من دون ان يتخلص من شرورها احد.
٭ كاتب عراقي
صادق الطائي