التضليل الإعلامي، حروبنا التي نخوضها منذ سقطت بغداد تحت العدسات قبل فوهات الدبابات.
وهكذا نخوض حروبنا ولا نزال، في فضائياتنا الإخبارية التي طورت «المربد» و»سوق عكاظ» لتصبح البيانات الإنشائية مرفقة بالصورة و»الغرافيك» المتقن، فنقف كالبلهاء نتلقى الفكرة الكاذبة كحقيقة واقعة.
«تحرير عدن»!! الذي كان انتصارا على التمدد الإيراني في المنطقة لم يكن أكثر من «تحرير صور» على الشاشة و»تحرير نص إخباري» في غرف الأخبار، بينما على أرض الواقع لا تزال عدن تحت خطر المد الإيراني ولا يزال اليمن كله ميدان صراع ضحيته الأبرياء المدنيون أمام أطماع وحشية عابرة للقارات والحدود.
ومثل صناعة الترفيه، أو أي صناعة تلفزيونية أخرى، فإن الأخبار صناعة، لها أصولها المهنية، وأولها بل وأهمها تقديم الخدمة الخبرية للمشاهد..
في فضائياتنا العربية عموما، فإن الخدمة المقدمة ليست أكثر من خدمة «أمنيات وأوهام» بعيدة عن واقع الحال.
إبكِ فأنت في «الكاميرا الخفية»
برامج الترفيه، صناعة ضخمة ومحترفة في الغرب. والترفيه الكوميدي الذي يحاول استخراج الضحكة من المتلقي، أكثر قطاع في صناعة الترفيه التلفزيوني صعوبة وكذلك رواجا ومواسم وإدرارا للربح.
الأفكار الخلاقة أساس تلك الصناعة، وفكرة الكاميرا الخفية كانت ابتكارا أمريكيا لشخص اسمه ألان فونت، لكنه لم يكن ليعمل وحده دون فريق عمل متكامل يدرس الفكرة قبل تنفيذها من كل جوانبها للخروج بالنتيجة المثالية.. وبالتالي الوصول للترفيه.
انتشرت الفكرة حول العالم، وصارت محطات التلفزيون تنتج نسخها المحلية من هذا البرنامج الذي يحاول التقاط رد فعل الضحية على مقلب ما، أو مفارقة غير معقولة وتصويره بدون علمه، ثم كشف المقلب وطبعا استئذانه بالعرض على الشاشة.
ومع تفاوت بين النجاح والفشل في تلك النسخ، كان البرنامج يتطور بأفكاره، وصار في العالم العربي طقسا رمضانيا على الأغلب، وربما كانت هناك تجارب مصرية ناجحة في سنوات ما قبل الفضائيات، وكذلك تجربة سورية مماثلة في التسعينات.
أواخر عام 2000، وعند أكثر شعوب العالم هدوءا ورزانة وربما جدية، في كندا، وفي مقاطعة كويبك الفرنسية، ظهر برنامج (just for laugh: Gags)، «من أجل الضحك فقط»! وهو برنامج كاميرا خفية لا حوار فيه أبدا، إلا صوت المؤثرات والموسيقى في الخلفية، ومقالب خفيفة لطيفة ذات انتاج عالي التكلفة، للوصول إلى المتلقي بترفيه يليق باستخراج الضحكة منه.
نجح البرنامج وصار عالميا، وفي كل رحلة على أي شركة طيران تجده في قائمة المحطات المشاهدة على الطائرة، وتم بثه على أغلب محطات العالم، وربما أن الأداء الصامت بدون حوار ساهم في عولمته، لتصبح الضحكة لغة موحدة عالمية.
شاهدت تقريرا عن البرنامج مؤخرا، وهالني حجم الجهد المبذول لا في الإنتاج وحسب، بل في الاعدادات المسبقة على الورق قبل أي تنفيذ، وولادة الفكرة كسطر واحد يشرحها ثم تطويرها بإشراف علماء نفس وسلوكيات اجتماعية ومحامين وأطباء لحماية كل من في المشهد وعلى كل المستويات.
هذا اسمه احترام.. للذات، وللمتلقي.
أترك لكم تقييم برامج المقالب العربية التي شهدناها اخيرا!! ماذا تسمي برنامج رامز جلال مثلا؟
مسرحيات العيد قديمة
وها قد أتى العيد بموسمه التلفزيوني المكرر بعد موسم رمضان البرامجي- الدرامي.
وكالعادة، تكرر بعض المحطات فكرة العيد التلفزيونية بإعادة بث بعض المسرحيات والبرامج والمسلسلات والأفلام القديمة (الكوميدية) كأنها لازمة عيد.
لعل أطرف ما قرأت من تعليقات عن التلفزيون الأردني مثلا، حين كتب صاحب التعليق ليلة تحري هلال العيد، إن كان التلفزيون قد جهز شريط مسرحية «العيال كبرت» أم لا!!
في ملاحظة تنطبق على كثير من المحطات العربية أيضا التي ترى في دورة برامج العيد، حالة ترفيه نوستالجية..كفواصل يشاهدها المواطن العربي بين استقبال ضيف وتوديع آخر، وبما يتناسب مع كميات الكعك التي يلتهمها في تلك الفواصل الاجتماعية.
طبعا، أغنية «أهلا أهلا بالعيد» صارت لازمة مملة، تكشف لك مدى العجز عن ابتكار شيء جديد في العالم العربي، ناهيك عن الاستديو المفتوح الذي يتبادل فيه المذيعون مزاحا لا علاقة للمشاهد به، وملامح فرح مصطنع وزائف في ظل واقع عربي دموي ومخز.
دوما كنت أتساءل عن سر العودة لكل الأرشيف القديم أيام العيد، حتى نبهني صديق أن الأمر يعود ربما إلى أن العيد وعطلته تشمل موظفي التلفزيون، لذا فإن تشغيل شريط قديم في الأرشيف أقل كلفة وجهدا للعاملين!
شخصيا، في نهارات العيد الطويلة، أتابع فضائية السودان الشقيق، وهي الأكثر قدرة بكل برامجها في العيد وغير العيد على إرسالي في غيبوبة نوم عميق ولذيذ!! ودوما في فضائية السودان هناك برنامج حواري ممل ومضجر، قادر على قتل أي حالة أرق لديك.
في العيد أيضا، ودوما هناك فقرة عن كيفية صنع كعك العيد!!
طوال ثلاثين سنة وأكثر، هناك دوما فقرة جديدة عن صناعة كعك العيد، وسيدة فاضلة في منتصف العمر، في مطبخها مع المذيعة، تشرح طريقة صنع كعك العيد!!
أتساءل دوما، ما الذي يمكن أن يكون قد تطور في عملية صناعة كعك العيد خلال ثلاثين عاما؟
هذه الفقرة تحديدا، برأيي تلخص حال الإعلام العربي كثيرا.
فما الذي تطور؟
كاتب أردني يقيم في بروكسل
مالك العثامنة