‘القدس العربي’ ـ من سمير ناصيف: صدر مؤخرا كتاب بعنوان ‘أنا منكم’ تضمن سردا تاريخيا وتحليليا (مرفقا بعدد كبير من الصور) لسيرة ومواقف الرئيس اللبناني الراحل الياس سركيس، الذي حكم لبنان في احدى ادق مراحل حرب لبنان الاهلية، وهي مرحلة ما بين عامي1976 و1982.نشرت الكتاب مؤسسة الياس سركيس في لبنان واُعد الملف في كتاب باخراج جان عون واشراف جورج غانم.وتضمن الكتاب بعض الخطابات الرئيسية التي القاها سركيس، بالاضافة الى تفاصيل عن المراحل الدقيقة والمفصلية خلال حكمه، وبعض الاسرار التي تنشر للمرة الاولى عنها.ويعلق محقق الكتاب في مستهله قائلا:’خرج الياس سركيس من الرئاسة كبيرا، كما دخلها كبيرا. اعطى امثولة في الحكم وفي كيفية ان يكون المرء رئيسا وان يبقى متواضعا في حياته’.ويشير لاحقا الى ان بذور صعوده الى المنصب الرئاسي زُرعت عندما تعرف في العام 1956، لدى عمله مستشارا قضائيا في ديوان المحاسبة الى الرئيس اللواء فؤاد شهاب، الذي كان يومها قائدا للجيش ووزيرا للدفاع. ولاحظ شهاب ان سركيس كان يرد ملفات واوامر لمصلحة الجيش عندما كان يتأكد من عدم مطابقتها الاصول القانونية. ووقف شهاب الى جانبه ووثق به رغم تذمر كبار ضباط الجيش. وتحول سركيس من مستشار في ديوان المحاسبة الى مستشار للواء فؤاد شهاب والى مدير عام قصر الجمهورية في عهد شهاب بعد ذلك، علما بان الرئيس شهاب كان الرجل الاقوى في لبنان ما بين 1958 و1970، رغم ان ولايته الرئاسية انتهت في عام 1964 بقرار شخصي منه.ويقول الكاتب انه ‘على غرار الرئيس فؤاد شهاب، كان سركيس يفضل العمل الصامت ولا يحب الظهور، وكان شهابيا بنكهة خاصة’، اذ لم يتحدر من عالم السياسة ولم يصعد الى منصبه من صفوف العسكر.وكان سركيس صاحب نكهة خاصة، لان رؤساء لبنان قبله وبعده كانوا اما عسكريين كالرئيس شهاب والرئيس اميل لحود والرئيس ميشال سليمان، او من عائلات سياسية كالرؤساء كميل شمعون وشارل حلو وسليمان فرنجية والياس الهراوي وامين الجميل.وربما كان الفارق بين خلفية سركيس والرؤساء الآخرين الحلقة المفقودة لكي يتمكن سركيس الاداري النزيه والمتواضع من مجابهة العملاقين السوري والاسرائيلي، اللذين فرضا نفسيهما ومصالحهما على لبنان في فترة رئاسته، بموافقة ضمنية امريكية ودولية واقليمية وساهما في اشعال نار الحرب الاهلية فيه.ويشير الكتاب، وإن بطريقة مبطنة، الى ان الياس سركيس أدرك هذه الحقيقة في نهاية حكمه، واصبح يؤيد انتقال منصب الرئاسة منه (في نهاية ولايته) الى القائد العسكري الكتائبي بشير الجميل، الذي ينتمي الى عائلة سياسية معروفة، بعد ان فقد الامل في السيطرة على البلد، فرفض كل العروض التي قُدمت اليه من اجل تمديد ولايته، ولو لعامين فقط، ومنها طلب من السفير الامريكي في لبنان آنذاك ان يبقى في منصبه، وان امريكا تتكفل بالحل وان ذهابه يعني دخول لبنان في المجهول.ولم يصدق سركيس هذه الوعود، لان وعودا امريكية قدمت لغيره في الماضي، وما زالت تقدم في الحاضر، ولكن من دون الخطوات الفاعلة لفرض الحلول الناجعة على الارض، بل على العكس، فانها تفتح الآمال من دون اي تبدلات واقعية.وبقي سركيس في منصبه حتى نهاية ولايته خشية من ان تركه الرئاسة سيؤدي الى طلب الجبهة اللبنانية الحماية الاسرائيلية الى درجة اكبر، وان يقع التقسيم اللبناني، حسبما اشار اليه الكتاب. وجرى لقاء عاصف بين سركيس والرئيس السوري حافظ الاسد عندما استمر الجيش السوري بقصف المناطق الشرقية من بيروت. كما حاول الطلب لعقد مؤتمر قمة عربي ورفضت القيادة السورية هذا الطلب.ولعل الامر الاهم الذي فشل سركيس في تثبيته كان استقلالية القرار اللبناني والعسكري، فكان يتصرف في بعض مراحل رئاسته وكأنه مكبل في ارتهانة للجبهة العربية التي دعمت وصوله الى رئاسة الجمهورية. وهذا امر تجاوزه معلمه وعرابه الرئيس فؤاد شهاب في علاقته بالرئيس المصري جمال عبد الناصر خلال رئاسته، ربما بسبب خلفيته العسكرية والسياسية القوية اللتي لم يمتلكها سركيس، او بسبب اختلاف الاوضاع والقيادات الاقليمية في مرحلة سركيس واطماعها في لبنان والضوء الاخضر الذي كانت تملكه من القيادات الدولية والدول العالمية القوية.ومما لا شك فيه ان سركيس عاد الى الرئاسة في عام 1976 (بعد ان خسرها بصوت واحد فقط امام الرئيس سليمان فرنجية في عام 1970) بمساعدة النظام السوري بقيادة الرئيس الراحل حافظ الاسد، الذي كان جيشه دخل لبنان بموافقة القيادات اللبنانية المسيحية تحت مظلة قوات الردع العربية، وان هذه القيادات ايدت انتخاب سركيس للرئاسة لانها رأت فيه الخيار الواقعي الوحيد المتبقي.ويورد الكتاب تفاصيل مهمة عن الوضع في لبنان والعالم العربي خلال تولي سركيس سدة الرئاسة، وبعد وفاة الرئيس فؤاد شهاب عام 1973، ومن قبله الرئيس المصري جمال عبد الناصر وبروز قيادتين عربيتين اساسيتين على الساحتين العربية واللبنانية، هما الرئيس السوري حافظ الاسد والرئيس الفلسطيني ياسر عرفات اللذان لعبا دورا اساسيا في الحرب الاهلية اللبنانية (1975 ـ 1990).سركيس وكمال جنبلاط وحافظ الاسدويشير الكتاب الى انه مع دخول القوات السورية الى لبنان في حزيران (يونيو) 1976، في حرب مفتوحة ضد القوات المشتركة اليسارية والفلسطينية، حاول الرئيس سركيس اقناع قائد الحركة الوطنية الراحل كمال جنبلاط بتخفيف حدة معارضته للدور السوري الذي وافقت عليه القيادات المسيحية اللبنانية، ولكن كمال جنبلاط اصر على موقفه، وكان يراهن على تدخل مصري وفرنسي يحقق التوازن مع التدخل السوري، فيما كان الرئيس المصري آنذاك انور السادات منشغلا في عملية السلام مع اسرائيل، ومناورا في مسألة ارسال الجيش المصري الى لبنان.ويوضح الكتاب ان سركيس حاول تنبيه القائد كمال جنبلاط لهذا الواقع، ولكن جنبلاط استمر في الرهان على الحوار مع بشير الجميل لمواجهة التدخل السوري في لبنان، فيما كان الوقت تجاوز مثل هذا الرهان، حسب الكتاب.ويؤكد الكتاب انه بسيطرة الجيش السوري في لبنان، اصبح الرئيس السوري حافظ الاسد الحاكم الفعلي للبنان، وصار الرئيس ياسر عرفات زعيما مهزوما من دون ان يفقد كل اوراقه، واهمها ورقته الاساسية عبر حليفه الصلب كمال جنبلاط، واستمرار رفض جنبلاط المشاركة في النظام الجديد تحت مظلة حافظالاسد. (وفي المقابل، رفض الرئيس حافظ الاسد مشاركة كمال جنبلاط في الحكم بقيادة سركيس، بعد ان بحث وزير الخارجية اللبناني فؤاد بطرس آنذاك هذا الامر مع الرئيس الاسد، وكان جواب الاسد (حسب الكتاب) حازما وجازما، حيث قال: ‘جنبلاط انتهى، ويجب ان ينتهي’.وكان جواب نائب الرئيس السوري (آنذاك) عبد الحليم خدام مشابها حيث قال: ‘ان كمال جنبلاط اهان الرئيس الاسد وحاول قلب الحكم في سورية. لقد هُزم ويجب ان يُعامل على هذا الاساس’.وبعد ذلك، اغتيل القائد كمال جنبلاط في 16 آذار (مارس) 1977 بعد اصراره على الاستمرار في موقفه المعارض للهيمنة السورية على لبنان، وتعرضت الجمهورية اللبنانية لاكبر هزة امنية بعد هذا الاغتيال. وبدا الرئيس سركيس عاجزا عن منع مثل هذا العمل والمجازر التي ارتكبت نتيجته.وبالتالي، شعر الرئيس سركيس ان مسيرة الحكم تعثرت وانه لم يعد يحكم بل يدير ازمة اكبر منه، وانه يتحول تدريجيا الى لاعب صغير محدود الدور. ولم يستسلم، حسب الكتاب. وبدأ باتخاذ المواقف المناهضة للقصف السوري للمناطق المسيحية، وبدأت عينه تتجه نحو عملية تحرير لبنان من الاحتلال، ولكن عبر قوى لبنانية اكثر فاعلية منه على الصعيد العسكري.بيد ان الخطأ الذي ارتكبه بنظر البعض كان ركونه الى ميليشيا القوات اللبنانية بقيادة بشير الجميل، بدلا من خيار الجيش اللبناني الموحد وطنيا الذي كان سيختاره على الارجح، معلمه الرئيس فؤاد شهاب.ومما لا شك فيه ان دور رئيس الجمهورية اللبناني وسلطاته عموما تغيرا، بعد توقيع اتفاق الطائف، ولكن مشكلة رؤساء الجمهورية اللبنانيين بعد توقيع اتفاق الطائف وخلال التسعينات مع اللاعبين الداخليين والاقليميين والدوليين استمرت، بحيث اصبحت القيادات الداخلية اقوى من السابق وتزايدت قوة القوى الاقليمية واضيف الى دوري سورية واسرائيل دورا ايران والدول الخليجية وصراعهما وصراع من يقف وراءهما.ولهذا فان هذا الكتاب عن الياس سركيس والمشاكل التي واجهها داخليا واقليميا ودوليا يشكل وثيقة تشمل دروسا عديدة يمكن للرؤساء الحاليين، وفي المستقبل، الاستفادة منها. ومن هذه الدروس ان تحقيق الوفاق والسلام الداخلي في لبنان اصبح يشكل شبه معجزة مهما كانت هوية الرئيس.اعتبارا من عام 1980، بدأت مرحلة التقارب بين الياس سركيس والشيخ بشير الجميل.وتُطرح التساؤلات هنا عما اذا كان الرئيس الراحل فؤاد شهاب سيتخذ مثل هذا القرار، او كان سيصر على بقاء الجيش اللبناني الموحد طائفيا ووطنيا صاحب السلطة العسكرية الاولى الداعمة للرئيس، مما يؤمن دعم القيادات اللبنانية الاسلامية رئيس الجمهورية، كما فعلت لاحقا لدى مشاركتها في انتخاب الرئيس امين الجميل ودعمه بعد انتخابه رئيسا على اثر اغتيال اخيه بشير، ورفضها السابق لدعم بشير بسبب استمرار ارتباط ميليشياته باسرائيل، مع انه حاول تجاوز هذا الامر بعد انتخابه رئيسا للجمهورية في مطلع صيف عام 1982.وتميزت الفترة الاخيرة في رئاسة الياس سركيس، حسب الكتاب، في محاولته تعويم ودعم بشير الجميل كخليفة له سوريا وعربيا، فاشرف على جمعه بقيادات سورية وعربية خليجية، ولكنه فشل في تسويق التأييد الشعبي الاسلامي له، رغم انه شارك في تحضير معركته الانتخابية الرئاسية، وكان حريصا على الا ينزلق بشير في الحرب الاسرائيلية على لبنان، املا في فتح الابواب العربية امامه وازالة المعارضة الاسلامية اللبنانية لانتخابه. فزار بشير السعودية والتقى مسؤولين سعوديين، واجتمع بالمسؤول السوري محمد الخولي، ولكن رفضه التخلي عن استمرار علاقته باسرائيل، حسب الكتاب، وعدم امتثاله في الوقت عينه لمشروع اسرائيل في لبنان، مهدا لاغتياله ولنجاح شقيقه امين في تجاوز مثل هذه الصعوبات، والاستمرار في منصب الرئاسة حتى نهاية عهده.وتوفي الرئيس الياس سركيس في 26 حزيران (يونيو) 1985 بعد اصابته بمرض عضال، ربما كان نتيجة للصعوبات الكبيرة التي واجهها في فترة رئاسته، بسبب عدم قدرته على الخروج من الوحل السياسي اللبناني، وليس بسبب عدم تمتعه بالنزاهة والكفاءة الادارية والعقل المتزن والذكاء.واعتبر منجزو الكتاب ان سركيس ‘عاش بصمت ومات بصمت’، كمعلمه الرئيس فؤاد شهاب. ولكن صمت شهاب، حسب معظم مراقبي الوضع اللبناني، كان اكثر فعالية لقدراته العسكرية والسياسية الفذة كمؤسس للجيش اللبناني وحليف صادق للرئيس المصري جمال عبد الناصر، وقدرته على ضبط الامن في لبنان من دون التخلي عن المواقف العروبية الصادقة.