إيران

حجم الخط
3

فكرت طويلاً في عنوانٍ للمقال فخطرت في ذهني كلماتٌ من قبيل «إيران على الطريق» و «إيران والعالم» إلى ما شابه من عناوين تصب كلها في خانة التحقق والانتصار والوصول، لكنني قررت الاستعاضة عنها بمجرد «إيران»: حضورٌ واثقٌ قويٌ وطاغ…ففي ضوء ذلك الاتفاق الأخير مع مجموعة الخمسة زائد واحد الذي كلل ما يقارب العشرين شهراً من المباحثات والأرض التي كسبتها على مدار العقود الثلاثة السابقة لن يفي أي قدرٍ من التعبير عن الانبهار ذلك الانجاز المتراكم ولا مغزاه الخطير عن تغير توجهات وأولويات السياسة الأمريكية والغربية في سياق عالمٍ متغير، بات يبدو جلياً أننا العرب تائهون فيه.
في مقالٍ له عن الموضوع نفسه في جريدة «الحياة»، ذكر غسان شربل ما معناه أن الدكتور محمد البرادعي أشار على مبارك أثناء زيارة الأخير إلى النمسا في عام 2006 أنه يتعين على العرب الجلوس إلى طاولة المفاوضات انطلاقاً من يقينه بأن الطرفين، أي إيران والغرب، واصلان إلى اتفاقٍ لا محالة، وعلى ذلك فمن الأفضل أن يكون العرب حاضرين لكي لا يتم ذلك الاتفاق في غيابهم وربما على حسابهم. كما هو متوقع، لم تلق تلك النصيحة أذناً صاغية من مبارك ولم تغير من حساباته، فالقادة العرب لا يقتصر الأمر معهم على كونهم لا يقرأون ولا يفهمون وفق توصيف ديان الذي لا يجافي الحقيقة تماماً، وإنما لا يسمعون أيضاً. لا أستشهد بهذه الواقعة للتدليل على بعد نظر د. البرادعي وإنما للـتأكيد على حقيقة أولية بقدر ما هي بسيطة للغاية: أن المقدمات الموضوعية أدت إلى النتائج المنطقية التي كان في مقدور المتابع الجاد الوصول إليها أو إلى شيءٍ قريب منها متى توفرت الإرادة والجدية في التحليل (كلاهما غائبٌ عن أنظمتنا ومثقفينا الذين يصل أغلبهم إلى ما يرضي الأنظمة من نتائج): وصلت إيران إلى اتفاق على حساب العرب.
إلا أن ذلك لا ينفي عنصر الدهشة…ولا يقلل مطلقاً من ضرورة محاولة فهم ذلك وتفسيره على ضوء المستجدات في موازين القوى العالمية. بدايةً، وقبل أن يستخف بنا الطيش، لا بد من التقرير أن أمريكا ما زالت القوة العسكرية والاقتصاد الأكبر في العالم…إلا أنها ليست القوة الوحيدة، كما ليس بعيداً عن الدقة أن نقرر بثقة أن قوتها تتراجع نسبياً أمام مكاسب يحصلها منافسوها ولن أقول أعداءها وعلى رأسهم الصين، ذلك العملاق الاقتصادي ذو النمو المذهل الذي يوشك أن يحصل الاقتصاد الأمريكي. لعل ذلك يمثل وضعاً لا سابقة لأمريكا به حيث أن الاتحاد السوفييتي في أوج مجده لم يشكل منافساً حقيقياً للاقتصاد الأمريكي على مستوى العالم، فقط كان هناك النموذج الاجتماعي المختلف بنفوذه. ليس ذلك فحسب بل لقد زالت نشوة الانتصار وأوهام القوة التي لا لحاق بها التي أعقبت انهيار الاتحاد السوفييتي والتي وجدت صدىً لها في دعاوى «نهاية التاريخ». لقد انقشع كل ذلك، أجل قوة كبرى، ولكنها مرهقة دون شبهة مبالغة بعد أن اندفعت في مغامرات كارثية للسيطرة على مصادر الطاقة وبالتالي تكريس صدارتها وسيطرتها وانتهت جميعها بالهزيمة والخسائر المعنوية والمادية الجسيمة. على هذا المسرح يظهر الدور الإيراني المتعاظم. يقيناً لم يبدأ ذلك الدور عقب صفعة الثورة الإيرانية على وجه أمريكا وأزمة الرهائن الشهيرة وما أتبعها من مواجهة وعداء، فإيران كانت دائماً بلداً مهماً وذا ثقلٍ حضاري، وإنما أعيد صقل توجهاته ورؤيته للعالم…ولعل ذلك أخطر وأهم ما في الموضوع: النظام الإيراني يمتلك رؤيةً للعالم ولمكان بلده في محيطه الإقليمي والعالمي، رؤية تنطلق من إحساسٍ فارقٍ بالكرامة والاعتداد بالنفس وبالقيمة والموروث الحضاري، بحيث يمكننا الحديث عن مشروعٍ إيراني بصفةٍ عامة له ثوابت ويحدد أولويات النظام (التي تتخطى مجرد البقاء الغبي كما هي الحال مع الأنظمة العربية) واستراتيجيته شبه الثابتة على الرغم من تغير الوجوه والرؤساء. النظام الإيراني يتشبث باستقلالية قراره بشكلٍ شبه عُصابي، فلم يرتهن أبداً لمصالح ممالك النفط التي قضينا فترة الستينيات ونحن نعايرها بالرجعية ثم انضوينا تحت عباءتها ولم يتورط في خوض حروب أمريكا. بالطبع نستطيع مقابلة ذلك بغياب أي مشروع عربي بعد أن تفتت وتآكل مشروع القومية العربية مخلفاً وراءه ساحات من الخراب والهزائم حيث انتهى في برزخٍ بين المزحة الثقيلة والكابوس وفي صراعاتٍ مسعورة بين الأشقاء أكثرها عبثية ربما انشقاقات البعث والتي آلت إلى انضمام بعض الدول العربية إلى الحلف الأمريكي لحرب بلد رئيسي والتحالف مع إسرائيل ضد بعضهم البعض بمباركة سعودية خليجية. وصف روبرت فيسك الإيرانيين بـ»ناسجي السجاد» كنايةً عن الصبر، وأراه وصفاً دقيقاً. فبعد أن جوبهت الثورة الوليدة بكمٍ خارقٍ من العداء من أمريكا وتوابعها وحلفائها في الخليج فأطلقوا صداماً لينهش في لحمهم ككلبٍ مسعور، صبروا وتحملوا الخسائر…لقد التقطوا كل ما سقط من غيرهم وربحوا من أخطائهم، كالعراق الذي سقط في يدهم وأصبح حكمه تحت نفوذهم المباشر وغير المنازع عقب الحماقة الأمريكية- الغربية-الخليجية، غير ما اصطنعوه بدأب طيلة ثلاثة عقود من تحالفات تمتد من سوريا إلى اليمن في محيطها الإقليمي، وليس سراً أن الفضل في بقاء نظام الأسد يعود في الأساس للدعم الإيراني المباشر، المالي والعسكري والمعنوي.
لقد جلست أمريكا إلى طاولة التفاوض وهي تعلم أن إيران هي القوة الأكبر والأهم، وتقريباً الوحيدة الباقية في الإقليم وأن كل الملفات العالقة والمشتعلة تمر عبر طهران التي تمسك في يدها بأطراف كل الخيوط. جلسوا وهم يدركون دون أوهام أن العرب منهارين وتافهين ولا وزن لهم مقارنة ًمع إيران بعد أن تكفلوا مع أمريكا بإسقاط العراق، حصنهم الشرقي العتيد الذي كان، تلك هي الحقيقة الفظة. من جانبهم جلس الإيرانيون وهم يعلمون أن أمريكا المرهقة والمشغولة الآن بوضعها وتراجع مكانتها كما أسلفنا لن تقبل على مغامرة عسكرية معها وستتجنب بأي شكل حرباً معهم قد تفجر تلك المنطقة المشتعلة. لقد قرأوا الصورة جيداً وذلك في رأيي ما شكل إيقاع التفاوض. لقد رأت أمريكا أن الاعتراف بإيران ودورها أقل تكلفةً من أي بديل آخر.
في زمنٍ آخر، قرر السادات أن أمريكا تملك 99 في المئة من أوراق مشكلة الشرق الأوسط وأنه «لن يحارب أمريكا»، وهو ما اعتبر في حينه نموذجاً للواقعية والـ «Realpolitik»، أو على الأقل هذا ما تم تسويقه لنا من قبل جوقة إعلاميي النظام والغرب المصفق والذى ترجم عن نفسه في صورة تنازلات عن جميع الثوابت من الناحية الفعلية، بينما رأى آخرون غير معنيين بمجاملة السادات (كلٌ لأسبابه التي ليست بالضرورة مبدئية) بأن الرجل «لا يجيد استخدام أوراقه». الشاهد أنه في حين فقدت مصر أوراقها وثقلها ونفوذها وانتهى الرجل ركاماً من القلق والتوتر وشبه ملتاث حتى اغتيل، فإن إيران أوجدت العديد من الأوراق وأجادت استغلالها بالتوازي مع ما يمكن أن نسميه ترشيد وعقلنة الأداء بعد سني الفورة الثورية الأولى.
موسم حصاد لإيران هي الأخرى. أجل ستتنازل عن ما يقارب من ثلثي أجهزة الطرد المركزية وأغلب مخزونها من اليورانيوم المخصب، إلا أنها عملياً ستبقى المدة التي تفصلها عن إمكانية إنتاج القنبلة قرابة العام. الأهم أن ذلك اعتراف رسمي بوضعها النووي بما يمكنها من مراكمة الخبرة في ذلك المجال والإفراج عن أرصدتها المجمدة التي تقارب المئة مليار دولار، بالإضافة إلى عوائد النفط ومخزونها المهول من الغاز الطبيعي. أما الملفات الإقليمية الأخرى المفتوحة والنازفة كسوريا فربما تمت مناقشتها في الحواشي غير المعلنة، وعلينا أن ننتظر مصائرنا.
إيران الغد أقوى وأثرى…على حساب العرب، فالحمقى والمهزومون لا عزاء لهم.

٭ كاتب مصري

د يحيى مصطفى كامل

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية