أحمد بنميمون1 ـ نيويورك: جهنم الأرضهل كان هناك أخيراً من مناسبة لتذكر مدينة عظيمة مثل نيويورك غير إعصار ساندي الذي شكل حدثها الطبيعي قبل شهرين، فأغرق جزئيا بعض أحيائها؟ما أكثر تلك المناسبات، لكن ما أثارني لكتابة هذه الكلمات كان ما كتبه عباس بيضون في تحية كتاب ظهر عن نيويورك بعنوان (مدينة في السماء) لـعيسى مخلوف، حيث اهتم بذكر ما كتبه أدونيس ولوركا وغينسبرغ. وتتبع صورة هذه المدينة في أشعار هؤلاء وكأن تاريخ الكتابة يبدأ منهم ناسياً نماذج رائعة في الأدب العربي عكست صورة نيويورك محبوبة وملعونة، وقبل ذلك كانت صورتها في أدب شعراء مهجريين رأوا أن من يستحق أن يرفع إلى السماء هو الوطن الأم، ألم يقل إيليا أبو ماضي :(لكن لبنان ليس أرضاً، ولا بلادا، ولكن سماءُ)فها هو ذا أمين الريحاني يهتف بها: (أحبك يا نيويورك، على ما فيك من حركة وضجيج (…) أحبك، وإن كنت لا تحفلين بما يحمله شعراؤك من جميل الأحلام،بل أحبك من أجل جسرك العظيم) فمن ‘على جسر بروكلين’ فيها سيسجل مشاهدات لينتهي إلى مخاطبة مدينة غربته، وقد سرح نظره في مرفئها الواسع المستدير الجميل، وقد رأى كيف ترفع الحرية رأسها لتضيء العالم الجديد، لكنه يردف قائلاً:متى تحولين وجهك نحو الشرق أيتها الحرية (…) أيتأتى أن يرى المستقبل تمثالاً للحرية إلى جانب الأهرام؟ أيمكن أن نرى لك في بحر الروم مثيلاً؟ أيمكن أن يولد لك أخوات في الدردنيل وفي بحر الهند وفي خليج الصين؟ أيتها الحرية متى تدورين مع البدر، حول الأرض لتنيري ظلمات الشعوب المقيدة و الأمم المستعبدة؟)أما مشهد المدينة اللعينة فقد رسمته يراعة الأديب الخالد: ميخائيل نعيمة الذي سمَّى النظام الرأسمالي بـ (تنين البحر والبر) ليسمّي نيويورك بسبب ذلك (جهنم الأرض) وقد اختنقت أجواؤها، وأخرست أطيارها، فـ (بين أوراق الأشجار أسرابٌ من عصافير’الدوري’ تسمع لها ثرثرة متقطِّعة،ليس في الأشجار غصنٌ يميل ولا ورقة تتحرَّك، ولو أن حديقة ‘مديسن سكوير’ حلَفت في هذه الساعة أن ليس في الأرض ما يدعونه نسيماً لكان حَلِفُها صادقاً أمام الأرض والسماء!). بل إن نعيمة حين يصف قوافل العجلات المسيَّرة فيها بكل أنواع الطاقة يقول إن الهواء لينوء بأنفاسها التي تتصاعد في الأجواء:(ترفعها الأرض بكل قواها إلى فوق فتشمئز منها السماء وتضغط بها إلى أسفل، فتبقى عالقة بين الأرض والسماء)، حافظة من الشمس حرارتها، خانقة من النسيم أنفاسه، ضاغطة بصفائح من حديد مَحْميَّةٍ في نار جهنم، على صدر التنين المتمدِّدِ بين نهرين، الفاغر فاهُ ليشرب البحْرَ ويبتلعَ البَرَّ دون أن يرتوي يوما أو يشبعَ) هذه جهنم الأرض فعلاً والتي لا يزال شارع المال فيها يلتهم خيرات الدنيا ولا يحس شِبعا ولا رِِيا !أفتستحق أن يقال عن مدينة بأوصافها هذه إنها’مدينة في السماء’؟ ثم ما دلالة هذا الولع باستعراض الأسماء الأجنبية من إسبانية وإنجليزية وأخرى لا نعرفها، لنتناسى أن في أدبنا العربي (اللبناني للأسف!) نماذج رائعة وصفت نيويورك بجوانبها الرمزية والمادية، فتركت فيها أسوأها، وأخذت منها أحسن ما فيها: تمثال الحرية الغريب عنها.ومع ذلك فكل التحية للكاتب المبدع عيسى مخلوف، فليس ما أبديته هنا اعتراضاً على رؤيته إلى نيويورك /المدينة، ولكنه اعتراض على نوع من النقد لا ينظر إلى الأدب وإلى الإبداع عامة، إلا برؤية ذات مرجعية غربية، إن في النقد أو في الذوق، وهذا مما ينبغي التنبيه إليه، حتى لا نُضطـرََّ إلى ‘ماكدونالد أدبي’ يقدم لنا شرائح همبرغر،إخبارية أو إنجازية، يجبرنا على ابتلاعها بين دفات كتب، ورقية كانت أم رقمية. 2 ـ الشعر ومافيا ‘نثر الشعر’أين يذهب الرفاق الحائرون: التلامذة المقلدون؟ففي البداية قال محمد الماغوط لا يهمني جنس ما أكتب أن يكون شعراً أم نثراً، واليوم هاهو ذا، تصريح عباس بيضون الذي لم يعد يكتب شعراً في المرحلة الأخيرة (منذ عامين على الأقل!!!): ‘إن قصيدة النثر لا علاقة لها بالشعر بالضرورة،’ في حديثه إلى مجلة (بيت الشعر) الإماراتية في عددها لشهر نوفمبر 2012 الجاري.فإلى أية ضفة سيلجأ الأتباع من مقلدي هؤلاء الكتاب المجددين؟منذ زمان بعيد قلنا لهم : لا ينبغي التعصب لشكل شعري أو جنس شعري أو نوع من الشعر ضد الأشكال والأجناس والأنواع الشعرية الأخرى، وقد قال مثل هذا بول شاوول في حديث سابق متهما من يقول بانتهاء هذا الشكل أو ذاك من الكتابة الشعرية بـ’الأصولية ‘، التي تجعل الصواب معها وتخطِّيءُ الآخرين: وقلنا لهم: لنكتب بجميع الإمكانيات المتاحة .لكنهم كانوا يصرون على أن نظام الشطرين هو نظام عمود الشعر نفسه، وفي هذا خطأ تاريخي وفني كبير، وأن المعركة يحب أن تبدأ ضد القصيدة متينة البنيان لإعلان وفاتها في أقرب وقت، فإن قصيدة التفعيلة فقدت قدراتها وإمكاناتها الفنية، رغم إعجابهم بشعر محمود درويش الذي يقف في وجوههم كالعملاق، يكاد يكون فوق النقد، إن لم يكن غير قابل لأي نقد، والذي كان يسميهم (مافيا نثر القصيدة) فلن ننسى صرخته التي أطلقها منذ نحو من ثلاثين سنة (أنقذونا من هذا النوع من الشعر)، ورغم التفافهم في الوقت الراهن بالشاعر سعدي يوسف الذي لا يكف عن التجريب، وانظر قصيدته الأخيرة بعدد (3/11/2012) من ‘القدس العربي’، تجد نوعاً من الشعر العربي الموزون، ولكنه ليس على نظام الشطرين ولا على نظام التفعيلة، بل على وزن بحر البسيط المدوَّر، بما لم يدوِّره به الأقدمون.فماذا تراكم فاعلون؟أم أن هناك من سيقول: إن مستلزمات واقع الكتابة اليوم تجاوزت مثل هذه الأمور، وأن جماليات الكتابة أصبحت تنظر إلى الشعر من حيث هو لغة في اللغة، وقد تجاوز الناس النظر إلى الشعر كإيقاع خارجي، تفقده القصيدة العربية إذا هي نُقلت إلى اللغات الأخرى، فلا تعود هناك إلا رؤيا، لا ينبغي أن يقف في وجهها أي عائق يمنعها من التعبير عن ذات نفسها بكل حريةٍ وانطلاق، وبساطة؟أجل، نعم لبساطة من نوع ما نجده في شعر الماغوط التي تدل على أن وراءها شاعراً يحترق بكامل ذاته، ومن نوع بساطة سركون بولس التي تدل على أن صاحبها تجاوز الإيقاع الخارجي ليغوص إلى أعماق مكنته من خلق إيقاعاته الخاصة، لكن هناك شعراء ساخت أقدامهم في وحل النثر، فلم يعودوا منه بشيء، بل لم يعودوا منه بالمرة. إنني لا آسَى إلا على مواهب شعرية حقيقية ضيَّعها التجريب، فيما لا ينفع الشعر أو غيره من الفنون.3 ـ عن آليات التهميش:قدم شهيد الحركة التقدمية المغربية والعالمية الأخ المهدي بن بركة سنة 1962 تقريره المسمى’ الاختيار الثوري’ أمام مؤتمر الحزب، وفيه عدَّدَ الأخطاء العشر القاتلة، في إطار الشفافية والنقد الذاتي الثوري الرائد، لكن لا أحد عمل بنصائح المهدي المخلصة، بل دُفع بهذا المناضل ليختار المنفى، ومن ثم بعد ذلك ليسهل اغتياله، وإبعاده بمنطق تفكيره وعمله الثوري عن الساحة السياسية في المغرب، تلك الساحة التي خلت للانتهازية كما نظر لها المفكر المناضل الدكتور محمد كسوس، عبْر مجموعة من الممارسات رسمها في إحدى محاضراته القيمة حول الانتهازية، محللاً جذورها في السلوك الاجتماعي في الوسط المغربي، من البيت إلى المدرسة، إلى مجال العمل، ولا تزال هذه الرؤية الثاقبة والتقديرات الصائبة، إلى يومنا لم تفقد مصداقيتها، مثل كثير من أفكار وطروحات عالم الاجتماع المغربي الكبير محمد كسوس، وسيبقى قانون الإقصاء والتهميش يلاحق كل الشرفاء في كل التنظيمات والجمعيات سياسية وثقافية ،في المغرب المعاصر، و التي نخرتها سوسة الانتهازية حتى أتت عليها من قواعدها إلى قممها.ذات مرة، في عهد السادات طرح أحد الظرفاء ـ الخبثاء، في مكر سياسيٍّ واضح هذا السؤال: ـ هو المدعي الاشتراكي لسه اشتراكي؟وكان يقصد بذلك النائب العام المصري الذي كان يسمى هكذا أيام عبد الناصر والسادات، واليوم نجد أنفسنا مضطرين إلى طرح السؤال نفسه، ولكن عن حزب القوات الشعبية في المغرب :أو لا يزال الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية في المغرب اشتراكيا؟للأسف يستطيع أبسط الناس ثقافة ًسياسية ًووعياً، أن يجيب بالنفي..دون أن يخاف في ذلك لوما ولا تثريبا.*شاعر من المغرب