الاتحاد المغاربي: أي تحولات لأي مستقبل؟

حجم الخط
0

إن ما يعرفه العالم اليوم من تحولات سياسية واقتصادية، من شأنها إحداث قطيعة مع الحدود الجغرافية التي ميزت هذه الدولة أو تلك، خصوصا في القارتين الأسيوية والأفريقية، باعتبارهما بؤر توتر مستدام، تتجدد باستمرار بالنظر إلى العوامل التي تدفع لذلك. منها ماهو مرتبط بالسيطرة على مصادر الطاقة أو منافذ للعبور أو معابر للنفوذ أو للمواقع الاستراتيجية، وإن كانت هذه العوامل مجتمعة تمثل سببا مباشرا لإبقاء هاتين القارتين في ظلمة الدماء والرماد.
وإذا كانت شرارة حراك الشعوب العربية قد انطلقت من المغرب العربي ثم انتقلت إلى الدول الشرق أوسطية، فإن معالم الحدود السياسية أصبحت تتحدد في هاته الأخيرة، لتتجسد بشكل جلي في الميادين التي اندلعت منها سابقا ثورات/انتفاضات الشعوب (المغرب العربي). لأجل ذلك فإن الخريطة المغاربية مقبلة على تغييرات كبيرة في حدودها الجغرافية والسياسية على حد سواء، من شأنها التأثير في صناعة القرار السياسي، الاقتصادي، والأمني في القارات المحاذية لها.

أولا: معايير الخريطة السياسية

تشكل التحركات السياسية والدبلوماسية المكوكية التي تعرفها منطقة المغرب العربي لحل الأزمات السياسية والأمنية التي تتخبط فيها معظم الدول المشكلة له، أحد أوجه حضورها السياسي والاقتصادي في نظر الفاعلين الدوليين، الذي من شأنه أن يجعل منها فاعلا في صناعة القرار الدولي مستقبلا.
وإن كان التقسيم الجغرافي وتوزيع الحصص السياسي، يعد أحد الحلول المطروحة في هذه المرحلة لتجاوز الخلافات بين الأطراف السياسية والتكتلات الحزبية والتجمعات العرقية والدينية، إلا أنها لا تمثل في عمقها منهجية للبحث عن حلول حقيقية لتجاوز هذا الواقع، بقدر سعي من يشرفون على هذه العملية أساسا إلى التحضير لتبني مقاربة تعمد إلى تفتيت وحدة الحدود السياسية وتوزيع مناطقها الجغرافية بما يتوافق مع خصوصياتها الثقافية والدينية والعرقية. ويجد هذا المقترب أساسه في البحث عن ضمانة جغرافية وسياسية تأوي وتحمي الأقليات العرقية والدينية من حكم وبطش الأغلبية.
ويرتبط هذا التقسيم بمعظم الدول المشكلة للاتحاد المغاربي باستثناء «تونس» التي ستحافظ على سلامة حدودها السياسية والجغرافية من أي مس به، نظرا للضمانات التي منحت لها مقابل منح حيز جغرافي لإنشاء قاعدة عسكرية للولايات المتحدة الأمريكية على ترابها، بينما ستتوزع باقي الدول إلى جزأين على الأقل أحدهما يحفظ لحكم النظام السياسي الأصلي والآخر للنواة المعارضة له، حتى تُضمن مصالح الفاعلين الدوليين وحلفائهم في المنطقة من خلال اللعب على وتر التجاذبات بين الأطراف، فتحقق مآربهم تارة في هذا البلد وتارة في الآخر حسب طبيعة المرحلة.
فعلى سبيل المثال ستُحدث «جمهورية للريف» على طول الحدود الشمالية الشرقية للمغرب، ودولة للأمازيغ على طول الحدود الجنوبية للجزائر لتتوغل في الحدود الشمالية لمالي والنيجر والحدود الغربية والجنوبية لليبيا، كما ستعرف موريتانيا تقسيم حدودها إلى جزأين تحاذي حدود إحداهما الشمالية الصحراء الغربية، أما ليبيا فهي الأخرى ستتوزع حدودها بين ثلاثة أطراف أحدهما يشمل الحدود الشمالية الشرقية والآخر يضم الحدود الجنوبية الغربية بينما يمثل الطرف الثالث الوسط الليبي بأسماء ترتبط غالبا بخصوصيات الموقع وبجغرافيا المكان.

ثانيا: مستقبل التوافق السياسي

من بين أهم المنطلقات التي تضبط الممارسات السياسية أن أي توافق سياسي يوازيه بالضرورة تكامل تنموي، في حين يشكل التباين وغياب رؤية سياسية موحدة أحد أهم مظاهر غياب التنمية وانعدام الاستقرار الأمني. وإن كانت المرحلة الماضية عرفت طغيان نزعة الخلافات بين دول الاتحاد المغاربي، فإن المرحلة المقبلة بتركيبتها السياسية الجديدة وبدولها المستحدثة (ستصبح أحدى عشرة دولة بدل خمس حاليا) ستعرف الانخراط في توافق بين الكيانات السياسية ترافقه نهضة تنموية مستدامة، من خلال الاستثمار الأمثل لمصادر الطاقة وللموارد الطبيعية والطاقات المتجددة التي تزخر بها المنطقة المغاربية، التي لم يتم لحد الساعة استغلال معظمها بالشكل المطلوب نظرا لعدم حل بؤرة التوتر في المنطقة (الصحراء الغربية) التي رُهن بفعل نزاعها مستقبل أجيال المنطقة، ومن شأن عدم التعجيل في إيجاد حل لهذه القضية يتماشى وفق مقررات الاتحاد الأفريقي وقرارات الأمم المتحدة القاضية «باعتماد حل يضمن تقرير مصير شعب الصحراء الغربية» أن يؤثر في بلوغ الرهان التنموي حسب الزمن السياسي المطلوب، خاصة أمام تباعد أطروحتي أطراف النزاع «المملكة المغربية/جبهة البوليساريو»، حيث تتشبث الأولى بمقترح الحكم الذاتي للإقليم تحت السيادة المغربية (المقدم للأمم المتحدة سنة 2007)، في حين يتمسك الطرف الثاني بمقترح تقرير مصير عن طريق آلية الاستفتاء التأكيدي (المقدم للأمم المتحدة سنة 2007).
وإن كان الصراع على قطبية الاتحاد المغاربي بين المملكة المغربية والجزائر، الذي يتخذ تارة طابع الجهر وتارة الضرب الصامت، وتارة أخرى التوافق الاستراتيجي المحصور فقط في الشق الأمني وحماية الحدود، دون أن يلمس ذلك الخطوط الحمراء (فتح الحدود/ انفراج الأزمة السياسية/التعاون الاقتصادي) التي تتمنى الشعوب المغاربية بلوغها ونقاشها، لأجل إيجاد حلول تضمن التعاون الجاد والتوافق الأمثل لتخطي المخاطر وتحقيق آمال النماء والتقدم بالاتحاد إلى مستوى آمال الشعوب ورهاناتها، يشكل هو الآخر أحد الاكراهات الأساسية التي تحد من فرص إيجاد حل لتسوية النزاع القائم وإغلاق ملفه الشائك، الذي أغلقت بفعله قنوات الاتصال والتواصل التنموي بين دول الاتحاد واتسعت بفعله فجوة الخلاف بدل التوافق.
وتجد مقاربة التعاون التنموي البناء والاستراتيجي خلال المرحلة المقبلة أساسها في كون هذا التوافق بين الكيانات المغاربية سيوازيه توقيع اتفاقيات للتعاون الاقتصادي والتبادل التجاري الحر والحماية الأمنية المشتركة للحدود بين الدول المغاربية، كما هو الحال بين العديد من التكتلات الإقليمية الحالية (الاتحاد الأوروبي/دول مجلس التعاون الخليجي). وما يدعم هذا التوجه هو البحث الجاد عن تقوية الاتحاد وجعله تكتلا هاما يربط افريقيا ببقية العالم، فهو يخدم الجانب الأمني بالنسبة لأوروبا، والجانب الاقتصادي لافريقيا، والعسكري لروسيا، والتجاري للشرق الأوسط، والسياسي للولايات المتحدة الأمريكية.

٭ باحث مغاربي

العربي بجيجة

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية