■ يريد الأتراك الابتعاد عن الانغماس في ساحة العراق وسوريا وهي أزمة قد لا تحتمل الحياد كثيرا، فسياسة صفر مشاكل خارجية قد تقود إلى وضعك كصفر على الشمال في منطقة اتخذ كل طرف فيها موقفا حاسما، من إيران وحلفائها الشيعة العرب، إلى تنظيم الدولة الإسلامية ، إلى الأحزاب الكردية اليسارية التي تتبنى مشروعا قوميا معلنا وتبدو هي العقدة الأساسية لحكومة أردوغان .
خيارات المحايد هنا تبدو محدودة، وخيارات الدخول في صدامات متعددة بلا استراتيجية واضحة أيضا تبدو متشابهة النتائج مع موقف الحياد !
فان تركت التنظيمات الكردية تتمدد في خاصرتك الجنوبية، فانت تهدد أمنك ووحدة الدولة، وتستفز القوميين الأتراك، وان اصطدمت مع الأكراد شمال سوريا فهم سيحركون ويهيجون الأكراد داخل تركيا وبالتالي تهدد أيضا وحدة البـــلاد، وان تجنبت الصدام مع تنظيم الدولة لان الخطـــر الانفصالي الكردي أعمق داخليا فانت ستغضب القوميين الأكراد وكذلك القوى الدولية المصرة على دور تركي أكبر في التحالف على الإرهاب، وان اصطدمت بتنظيم الدولة أكثر وهاجمته فقد يؤدي ذلك لهجمات انتحارية انتقامية تضرب استقرار البلد الذي يعتمد على السياحة كثيرا، ولعل الأخطر هو استهداف تنظيم الدولة لقرى كردية ومنظمات يسارية هي الأخرى تقوم بمهاجمة مؤسسات الدولة والأمن الحكومي التركي قبل تنظيم الدولة! كما حصل في هجوم سوروج عندما استهدف انتحاري نشطاء أكراد يساريين لينتقم حزب الـ»بي كي كي» في اليوم اللاحق بقتل شرطيين تركيين !
تريد الحكومة التركية أيضا منطقة عازلة في الشمال السوري، لكنهم لا يملكون اتخــــاذ قــرار منفرد بهذا الشأن، لانهم مرتبطون بالتنسيق مع حليفتهم الولايات المتحدة التي تميل لجانب الأكراد بدعمهم بشكل هائل ليهجروا قرى عربية وتركمانية في المنطقة نفسها التي ينوي الأتراك انشاء منطقة عازلة فيها.
الارتباط بالأمريكيين قد يضعفك من حيث لا تدري .. يقول مراقب يقارن العلاقة بين أمريكا وإيران والسعودية وتركيا في النصف قرن الأخير ..
إيران تستطيع الدخول ومساعدة حلفائها في العراق وسوريا دون اذن أمريكي، بل ودعم نظام الأسد وحزب الله والحوثيين غير المرضي عنهم أمريكيا، لان إيران تملك قرارها المستقل في الاقليم دون العودة لأمريكا كما تضطر ان تفعل تركيا المكبلة بتناحراتها الداخلية في حكومة ديمقراطية لبلد مشلول خارجيا، لان صيغته التوافقية جعلت حكومته مكبلة بنزاعات هوياتية داخلية غير محسومة، ومع ذلك تحظى إيران بالسجاد الأحمر الأمريكي في فيينا وطاولة مفاوضات مع كبار القارة الأوروبية.
وهكذا سياسة إيران التي لا تؤمن بصفر مشاكل بل على العكس قامت على التدخلات وفرض الهيمنة في الاقليم حازت على ما تريده، ربما لان النظام الإيراني حدد مشروعا يعتمد على حلفاء عقائديين في المشرق العربي، وعمل عليه لعقود وها هو يحصد العداء والرفض للهيمنة الأمريكية وأنظمتها في المنطقة لعقود خلت لم يضعف إيران أبدا، بل على على لعكس مكنها من مد نفوذها اعتمادا على حلفائها في دول عربية اعتادت أنظمتها على ان السياسة الخارجية تعني انك ستصبح قويا إذا تحالفت مع الأمريكي، لتأتي أمريكا في النهاية وتعلمهم ان السياسة التي تجعلك قويا هي ببناء مشروعك الذاتي، ومن يفعل ذلك ويصبح لاعبا كبيرا بحلفاء نافذين نمد له كأمريكيين يدنا ونتحالف معه، أما من مد يده وظهره للأمريكيين صاغرا فلم يعد له شأن وبات مفعولا به عند النظام الذي عاند الأمريكيين !
على عكس إيران، تبدو الحكومة التركية غير قادرة على التعامل مع الخريطة الجديدة الناشئة بزخم من كيانات عرقية كردية أو طائفية سنية وشيعية، وربما لانها مع دولة تجمعها صيغة وفاق وطني في شرق أوسط انهارت فيه تماما الدولة والهوية الوطنية، بل ولعل الأخطر ان هذه الصيغة مهددة بقوة داخل تركيا التي تبدو مكوناتها تسير نحو التماهي أكثر مع القوى العرقية والطائفية الصاعدة في المشرق العربي، ان كان بالنسبة للأكراد الذين يعلنون منذ عقود ان هويتهم الكردية أولا والتركية ثانيا ويرفعون رايات كيانهم ومشروعهم القومي الكردي العابر لحدودهم الوطنية التركية بل وزعيمهم اوجلان الإرهابي الأول في سجون دولتهم، أو بالنسبة للقوميين الأتراك الذين يمقتون الأكراد القوميين بشدة والإسلاميين كذلك، أو بالنسبة للعلويين الذين يقودون حزب المعارضة الرئيسي ويرفعون في قراهم ومظاهراتهم في انطاكيا صور الرئيس السوري أكثر من صور رئيس دولتهم الوطنية التركية !
٭ كاتب فلسطيني من أسرة «القدس العربي»
وائل عصام