إسطنبول ـ «القدس العربي»: شنت الطائرات الحربية التركية فجر الجمعة، غارات جوية على مواقع لتنظيم الدولة الإسلامية «داعش» في سوريا، بالتزامن مع حملة أمنية ضخمة أدت إلى اعتقال المئات من المنتسبين للتنظيم وأعضاء في الحزب العمال الكردستاني وجماعات يسارية مسلحة، فيما يشبه الحرب على هذه الجماعات المسلحة، وذلك بعد أيام من توتر أمني غير مسبوق تشهده البلاد.
فجر الجمعة، استهدفت طائرات تركية من طراز إف 16، ثلاثة مواقع لداعش داخل الأراضي السورية، بحسب ما أكده بيان المنسقية العامة لرئاسة الوزراء التركية. التي أوضحت أن العملية العسكرية تأتي في إطار تطبيق ما تمخض عنه الاجتماع الأمني الخاص الذي عقد الخميس، برئاسة رئيس الوزراء «أحمد داود أوغلو».
وذكرت المنسقية العامة أن «الطائرات الحربية التركية أطلقت 4 قذائف موجهة نحو مقرين ومكان تجمع تابعة لتنظيم الدولة الإرهابي، داخل الأراضي السورية». وذلك بعد ساعات من ترأس داود أوغلو اجتماعًا أمنيًا طارئًا، في العاصمة أنقرة، «تناول الهجمات التي تعرضت لها البلاد في الأيام الأخيرة، من قبل تنظيمي «الدولة»، وبي كا كا الإرهابيين، بكافة أبعادها، وجرى خلاله إعادة النظر في التدابير المتخذة حيال الهجمات الشنيعة، التي تسببت في مقتل عدد كبير من مواطنينا المدنيين، واستشهاد عناصر أمنية».
وفي عملية أمنية هي الأضخم منذ سنوات، أعلنت رئاسة الوزراء التركية، إلقاء القبض على 251 مشتبهًا بالانتماء لمنظمات إرهابية (في 13 ولاية) يعتقد بتورطهم في اعتداءات مسلحة ضد مواطنين وقوات الأمن والتخطيط لتنفيذ اعتداءات جديدة، بحسب بيان مركز التنسيق التابعة لرئاسة الوزراء.
وشدد البيان «تصميم تركيا على تحقيق حملات مكافحة شاملة ضد منظمتي «تنظيم الدولة» و»بي كا كا» وبقية التنظيمات الإرهابية الدولية»، منوها بأنه يجري اتخاذ كافة التدابير من أجل ضمان أمن الشعب.
وفي تطوير لاحق، ألقت فرق الأمن التركية، القبض على «خالص بايانجوك» الملقب بـ»أبو حنظلة»، المشتبه بترأس مجموعة تنتمي لـ»تنظيم الدولة» في إسطنبول، بحسب ما نقلت وكالة الأناضول عن مصادر أمنية تركية.
وأوضحت المصادر أن عدد الموقوفين في اسطنبول ارتفع إلى 103 أشخاص، في إطار العملية الواسعة التي شهدتها المدينة بالتزامن مع عمليات مماثلة، في مدن أخرى، مشيرة إلى أن من بين الموقوفين زوجة بايانجوك، الذي سبق وأن اعتقلته السلطات في عملية مداهمة ضد تنظيم القاعدة عام 2014 ثم أطلقت سبيله.
ويُتهم بايانجوك بالعمل على تجنيد عناصر لصالح «تنظيم الدولة»، فضلا عن كتابته مقالات في بعض وسائل الإعلام التابعة للتنظيم. وضبطت فرق الأمن خلال عملياتها في اسطنبول، 5 مسدسات، و5 بنادق رشاشة، وكمية كبيرة من الذخيرة، وجهاز صاعق، ومنظار.
كما أصدر القضاء التركي، أمرا بحجب بعض المواقع الالكترونية، على خلفية اتهامها بالدعاية لتنظيم «الدولة».
في السباق ذاته، ألقت قوات الأمن التركية القبض، على تسعة أشخاص، من كادر شبيبة منظمة «بي كاكا»، الجناح المسلح لحزب العمال الكردستاني، في عملية دهم نفذتها في ولاية بورصة غربي تركيا.
وأفاد مصدر أمني تركي أن قوات الشرطة ألقت القبض على التسعة المذكورين بتهم قطع الطرقات، وإلقاء الحجارة على الشرطة، وتحريض المتظاهرين، وتشجيع الأطفال على المشاركة في مظاهرات نُظمت في بورصة عقب الهجوم الذي وقع الاثنين الماضي في بلدة «سوروج» بولاية شانلي أورفا جنوبي البلاد مسفرا عن مصرع 32 شخصا.
وفي تصريحات صحافية له، الجمعة، قال الرئيس التركي رجب طيب أردوغان: «الدولة التركية وحكومتنا وقواتنا الأمنية عازمة على اتخاذ كافة الخطوات اللازمة ضد جميع المنظمات الإرهابية سواء كانت عائدة لتنظيم الدولة، أو بي كاكا أو حزب الجبهة الشعبية الثورية، أو أي منظمة إرهابية أخرى».
في حين، قال رئيس الوزراء التركي أحمد داود أوغلو إن قوات الجيش التركي قصفت صباح الجمعة، وعلى ضوء التعليمات الصادرة اليها، أهدافا لتنظيم الدولة يحتمل تهديدها لتركيا على الحدود السورية، مؤكدا على أنها نجحت في تدميرها بشكل تام وإصابتها ٪100.
وفي معرض إجابته على أسئلة الصحافيين عقب لقائه مع رئيس المحكمة الإدارية العليا في أنقرة شدد داود أوغلو على أن «الجيش التركي سيرد فوراً على أي تهديد يأتي من أي منظمة إرهابية على حدود الجمهورية التركية و دون الحاجة إلى صدور أمر من الحكومة بالخصوص».
وأَضاف: «عملياتنا ضد تنظيم الدولة حققت أهدفها، ولن تتوقف، إننا نراقب التحركات باستمرار في سوريا، والمناطق القربية من الحدود، وسنرد بشدة على أصغر تحرك يشكل تهديدا لتركيا. وستتواصل تدابيرنا حيال أي تهديد لحدودنا، أو محاولة إعتداء داخل البلاد».
وتابع داود أوغلو قائلا: «تم إلقاء القبض على 35 شخصا على خلفية استشهاد شرطيين في جيلان بينار، و19 آخرين يشتبه بضلوعهم في استشهاد شرطي بديار بكر»، منوها إلى أن «تركيا دولة تسود فيها الحريات الديمقراطية، لكنها لن تكون دولة يهتز فيها النظام العام، في أي وقت، وأن ضمان الحريات سيكون بموازاة الضمان الأمني».
واعتبر أوغلو أن «العمليات لا تهدف إلى حماية أمن الجمهورية التركية فحسب بل هي عملية سلام من أجل حماية الديمقراطية التركية». وذلك بعد يوم واحد من موافقة أنقرة على استخدام الولايات المتحدة لقاعدة إنجيرليك الجوية في تنفيذ طلعات ضد تنظيم «الدولة» في سوريا، بعد أشهر طويلة من الرفض.
وفي سياق التعاون التركي ـ الامريكي ضد التنظيمات المتطرفة لا يعرف حتى الآن إن كانت أمريكا قد وافقت على الشرط التركي السابق والمتمثل في السماح بإقامة منطقة عازلة داخل الحدود السورية، لكن القوات التركية ما زالت تواصل حشد عدد غير مسبوق من المدرعات والآليات على جميع المحاور الحدودية مع سوريا.
وذكرت صحيفة تركية الجمعة ان الاتفاق بين تركيا والولايات المتحدة بالسماح للطائرات الأمريكية باستخدام قاعدة تركية لشن هجمات على تنظيم الدولة الإسلامية في سوريا، يتضمن ايضا اقامة منطقة حظر طيران على اجزاء من سوريا الواقعة بمحاذاة الحدود مع تركيا.
وذكرت صحيفة «حرييت» ان الاتفاق الذي يسمح للطائرات الأمريكية باستخدام قاعدة انجرليك في جنوب تركيا يتضمن اقامة منطقة حظر طيران من 90 كلم بين مدينتي مارع وجرابلس السوريتين.
وستقدم منطقة حظر الطيران الدعم لمنطقة آمنة مقررة على الارض يمكن ان تمتد حتى 50 كلم في عمق سوريا.
وقالت الصحيفة ان طائرات النظام السوري لن تتمكن من التحليق في منطقة حظر الطيران وسيتم استهدافها في حال فعلت ذلك. والمنطقة الامنة ستعمل على منع تسلل الجهاديين والتخفيف من تدفق المزيد من اللاجئين إلى تركيا.
وجاء الاتفاق بعد اشهر من المفاوضات بين انقرة واشنطن.
وزاد الاستياء لدى المسؤولين الأمريكيين بعد تمنع تركيا عن لعب دور كامل في التحالف ضد تنظيم الدولة الإسلامية بما في ذلك استخدام انجرليك.
غير ان تفجيرا انتحاريا داميا في بلدة حدودية تركية نسب إلى تنظيم الدولة الإسلامية تبعته اشتباكات حدودية، جعل سياسة انقرة اكثر تشددا.
ولا يتضمن الاتفاق وصول اي قوات برية أمريكية إلى تركيا لكن سيسمح لكتيبة يصل عددها إلى 50 موظفا عسكريا أمريكيا بالدخول لتقديم الدعم التقني.
والاتفاق يتعلق فقط باستخدام قاعدة انجرليك الجوية القريبة من مدينة اضنة على مقربة من الحدود السورية.
غير ان الطائرات الحربية الأمريكية ستتمكن من استخدام قواعد باتمان وديار بكر وملاتيا في شرق تركيا في حالات الطوارئ.
وبدون تحديد موعد دقيق قالت حرييت ان قاعدة انجرليك ستفتح «في وقت قريب جدا» امام القوات الأمريكية للاستخدام في شن غارات في سوريا.
إسماعيل جمال