لندن ـ «القدس العربي»: قبل أيام نشر موقع معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى مقالا لديفيد شينكر، مدير برنامج السياسة العربية تحدث فيه عن أثر الاتفاق النووي الذي وقعته الدول الكبرى مع إيران بشأن مشروعها النووي وأثره على شيعة لبنان وبالتحديد «حزب الله». وقال إن الاتفاق يمثل تطورا مهما من الناحية «الجيوسياسية» ولصالح الشيعة في المنطقة إلا شيعة لبنان الذين يقول إنهم منشغلون بالهموم المحلية النابعة من أثر الحرب الأهلية السورية عليهم والتهديد الذي يمثله تنظيم الدولة وجبهة النصرة.
ويرى الكاتب أن المخاوف هذه تحمل وجاهة لأن «حزب الله» المدعوم من إيران يعتبر جزءا من الحرب الدائرة اليوم في سوريا، حيث يشارك فيها منذ اندلاعها في عام 2011 إلى جانب النظام السوري لبشار الأسد. وهو في النهاية طرف في الحرب التي قتلت أكثر من 300.000 سوري معظمهم من السنة منذ بداية الإنتفاضة عام 2011. ومن هنا ردت الجماعات الجهادية باستهداف الشيعة في لبنان.
استطلاع
وينقل شينكر ما جاء في نتائج استطلاع أعدته منظمة «هيا بنا» حيث وجدت أن 80% من شيعة لبنان ينظرون بإيجابية لمشاركة «حزب الله» العسكرية في لبنان وهي من أجل حمايتهم. والمشاركة هذه مهمة جدا لدرجة ترى نسبة 47% أن تحرير مزارع شبعا من الاحتلال الإسرائيلي لم تعد مهمة بدرجة كبيرة. ويكشف الاستطلاع أن مغامرات «حزب الله» الجديدة في العراق وسوريا لم تؤد لتغير في مواقف القاعدة الشعبية التي تدعمه رغم تأكيد زعيم الحزب حسن نصر الله على أن مهمة الحزب الرئيسية هي مقاومة إسرائيل. ولكنه يرى اليوم في التهديد «التكفيري» وهو المصطلح الذي يستخدمه في خطاباته بشكل مستمر خطر على «محور المقاومة». ولكن الاستطلاع لا يخفي بالضرورة الثمن الذي يدفعه الشيعة في لبنان والمخاوف المتزايدة بينهم من التحول في أولويات الحزب من مواجهة إسرائيل للدفاع عن المصالح الإيرانية في المنطقة. فقد خسر الحزب منذ دخوله في أتون الحرب الأهلية أكثر من 1000 من مقاتليه وعددا من قادته الميدانيين. ويشير الاستطلاع لهذه الظاهرة حيث قالت نسبة 50% من المستطلعين أنهم يعرفون شخصا قتل في الحرب.
جنازات وفساد
وكما يقول شينكر إن الجنازات التي تعقد للقتلى شبه يومية، فيما قتل عدد آخر وهم يقومون بـ»أداء الواجب الجهادي» في مناطق أخرى. صحيح أن هناك ثقافة تمجد الشهادة إلا أن تزايد أعداد القتلى بدأت تترك آثارها على القاعدة الشعبية للحزب. وبدا القلق من تساقط المقاتلين في محاولة نصر الله التخفيف من حدة الوضع عندما قال في خطاب متلفز ان عدد القتلى في حملة الزبداني بمنطقة جبال القلمون لم يتجاوز سوى 13 مقاتلا رغم أن تقارير المعارضة السورية تقول إنه أعلى. كما وجد تحقيق لصحيفة «النهار» اللبنانية أن نصر الله لم يشر إلا لنصف عدد القتلى. وهناك بعد آخر تتركه الحرب السورية على الحزب وعلاقته بالقاعدة الشعبية هي محاولته إسكات منتقديه. فمن خلال صحيفة «الأخبار» الموالية له بات يطلق على منتقديه لقب «شيعة السفارة الأمريكية». ومع كل هذا فالأمين العام للحزب نصر الله لم يفقد بريقه بعد بين شيعة لبنان، ولكن الكاتب يرصد قدرا من التذمر وهذا نابع من اتهامات المحسوبية داخل الحزب التي كشف عنها وتتعلق بطريقة توزيع المناصب.
ويقول شينكر إن الاتهامات متعلقة بدور عائلة القائد العسكري جهاد مغنية الذي قتل بسيارة مفخخة في دمشق في شباط (فبراير) 2008 وفي كانون الثاني (يناير) 2015 قتلت غارة إسرائيلية نجله جهاد (26 عاما) مع مسؤولين عسكريين قرب الجولان في جنوب سوريا.
وتساءل الكثيرون عن سبب وجود عنصر شاب غير مجرب مع قادة عسكريين إيرانيين، ليكشف لاحقا أن جهاد عين كقائد لجبهة الجولان. وبعد فترة وجيزة عين شقيقه مصطفى (28 عاما) محله، ويقال إن نصر الله هو الذي اختاره. وعموما تظل هذه «المحسوبية» أقل وقعا من فضائح تعرض لها الحزب وهي مالية الطابع مثل الاحتيال الذي مارسه أحد ممولي الحزب ويدعى صلاح عز الدين على 10 آلاف لبناني وأخذ منهم 300 مليون دولار. ولم تشكل هذه الفضيحة إلا إزعاجا بسيطا للحزب وكانت مناسبة للتركيز على مشكلة الفساد حيث اقتبس إبراهيم الأمين مدير تحرير الأخبار عبارات لأوري لوبراني الذي عمل مستشار وزير الدفاع الإسرائيلي لشؤون لبنان، حيث تكهن أن هزيمة «حزب الله» لن تحدث إلا عندما يصاب الحزب بعدوى منظمة التحرير.
وعلى العموم فحالة الأمان التي يشعر بها شيعة لبنان بسبب المشاركة في الحرب في سوريا لم تجلب لهم أمانا داخليا، فيشير الاستطلاع إلى اعتراف نسبة بالأثر السلبي الذي تركته المغامرة على العلاقة مع السنة في لبنان. كما يعترف الشيعة بأن المغامرة السورية كانت سببا في جلب التهديد الجهادي عليهم. وهو ما دعا نسبة 60% من المشاركين للقول إنهم يرغبون برؤية الجيش اللبناني الجهة الوحيدة المسلحة في لبنان وهو تطور مهم، خاصة أن نصر الله اعتبر نزع سلاح حزبه محرما وهدد بقطع رأسه ويده واستلال روحه. لكن هذا لا يعني التخلي عن الحزب ففي ظل الحرب الطائفية المشتعلة في المنطقة ولجوء الكل لطائفته طلبا للحماية، فالشيعة في لبنان سيواصلون دعمهم للحزب وثقتهم بنصر الله (70% قالت إنها تثق فيه) وعليه فسيبقى «حزب الله» وسيظل نقاده.
غيرته الحرب
لكن هذا لا يخفي في الحقيقة أن سوريا وحربها غيرت الحزب كما يقول تقرير نشره موقع «فورين أفيرز» وجاء في بدايته «غيرت الحرب في سوريا «حزب الله» بشكل دراماتيكي، فقد كان في الماضي مقيدا في التنافس على السلطة السياسية في لبنان وقتال إسرائيل وأصبحت الجماعة اليوم لاعبا إقليميا يشارك في عمليات بعيدا عن مناطقه التاريخية/التقليدية وبالتعاون مع إيران» وبناء على التحول الإستراتيجي هذا نقل الحزب جنوده الذين كانوا يرابطون في العادة قرب الحدود اللبنانية مع إسرائيل إلى مواقع القيادة الجديدة التي أنشأها حديثا في سوريا ولمناطق أبعد في العراق واليمن.
ويقول التقرير إن «حزب الله» قاوم في البداية إرسال قواته إلى سوريا رغم المطالب المتكررة من القادة الإيرانيين خاصة من قائد فيلق القدس، الجنرال قاسم سليماني. فقد خشي نصر الله كبقية قادة الحزب من أن تؤثر المشاركة في دعم نظام قمعي يقتل السنة في سوريا على موقف الحزب في لبنان. ولكن نصر الله رضخ للأمر في النهاية بعد طلب من المرشد الأعلى للثورة الإيرانية آية الله علي خامنئي الذي توقع من «حزب الله» المشاركة وتقديم السند للأسد وبقائه في السلطة. وأدى هذا لتحول في طبيعة ومهمة «حزب الله» من جماعة محلية تتنافس على السلطة المحلية إلى قوة طائفية إقليمية تدافع عن مصالح إيران في المنطقة. ويرى التقرير أن مظاهر التحول في طبيعة ودور الحزب ظهرت على بنيته القيادية. فمنذ عام 2013 أنشأ الحزب قيادتين عسكريتين جديدتين، الأولى قرب الحدود اللبنانية – السورية والثانية في داخل سوريا إضافة لقياداته العسكرية الموجودة في جنوب وشرق لبنان. مما يدل على التزام الحزب بالمشاركة في الحرب الأهلية السورية بعيدا عن قواعده التقليدية. ومن هنا قام الحزب بنقل عدد من مقاتليه في جنوب لبنان إلى سوريا. ففي عام 2012 بدأ مصطفى بدر الدين، مسؤول العمليات الخارجية في الحزب بتنسيق النشاطات العسكرية للحزب في سوريا. وتتهم الولايات المتحدة بالمساهمة في الهجوم على جنود المارينز عام 1983 في بيروت وتنفيذ هجمات إرهابية في الكويت وورد اسمه في لائحة المتهمين باغتيال رفيق الحريري عام 2005.
ويرى التقرير أن تكليف بدر الدين هو إشارة قوية عن التزام الحزب بالمشاركة في الحرب الأهلية السورية. كما نقل الحزب أبو علي الطبطبائي، أحد قادة الحزب العسكريين من قاعدته في جنوب لبنان إلى قيادة «حزب الله» داخل سوريا. وعمل بالتنسيق مع بدر الدين وأشرف على المقاتلين الذي نقلوا من قاعدته في لبنان للمشاركة في الحرب السورية. ويقترح التقرير أن انخراط الحزب في الحرب لا يقتصر على القادة الميدانيين بل على رأس الحزب. فقد وجه نصر الله عمليات الحزب في سوريا منذ إيلول (سبتمبر) 2011 حيث بدأ بلقاء بشار الأسد في دمشق لتنسيق مشاركة «حزب الله» في الحرب. ويقدر عدد مقاتلي «حزب الله» اليوم في سوريا بما بين 6.000 – 8.000 مقاتل. ويرى التقرير أن مشاركة الحزب في سوريا كان وراء وضع الخارجية الأمريكية اسمه على قائمة المنظمات الإرهابية السوداء. ولم تأت مشاركة التنظيم بدون خسائر، حيث قتل عدد من قادته في لبنان وسوريا مثل حسن اللقيس، مسؤول تأمين شراء الأسلحة الذي اغتيل في بيروت في كانون الأول (ديسمبر) 2013، وربط مقتله بجهاديين سنة أرادوا توجيه ضربة للحزب بسبب دوره في سوريا مع أن المتهم الرئيسي يظل إسرائيل. إضافة لفوزي أيوب، من الفرع الخارجي للحزب والذي قتل في سوريا. ويرى التقرير أن «حزب الله» عانى من خسائر كبيرة منذ بداية العام الحالي خاصة في منطقة القلمون وبمعدل 60-80 مقاتلا. ويعتقد كاتب التقرير أن حجم الخسائر وموقع القادة الذين قتلوا يظهر جدية الحزب للدفاع عن نظام الأسد. كما أن تحمل الحزب الخسائر هذه يشير لنظرته للحرب السورية بكونها حربا تمس وجوده سواء على الصعيد المحلي وللدفاع عن الشيعة في سوريا.
اليمن والعراق
وفي الوقت الذي يعمق الحزب تورطه في سوريا فإنه يقوم بإرسال أعداد قليلة من مقاتليه إلى العراق للمشاركة في مواجهة تنظيم الدولة. وأشار التقرير لدور ثلاثة من رجال أعمال لبنانيين فرضت وزارة الخزانة الأمريكية عقوبات عليهم وشركاتهم لاتهامهم بالانتماء لشبكة تدعم «حزب الله» اللبناني. ووضعت الوزارة على لائحتها السوداء، رجل الأعمال أدهم طباجة وشركة الإنماء للأعمال السياحية التي يملكها مع توابعها وتعمل في لبنان والعراق، وكذلك رجل الأعمال اللبناني قاسم حجيج، الذي يدعم أنشطة الحزب المالية في لبنان والعراق ويقوم بالتنسيق المالي وفتح حسابات مصرفية لعملاء الحزب، وحسين علي فاعور وشركته.
وكما هو الوضع في العراق أرسل الحزب مجموعة قليلة إلى اليمن لتدريب المقاتلين الحوثيين. ولكن اختياره للعناصر يظهر اهتمام الحزب بمسار الحرب، فخليل حرب، مستشار نصر الله، هو الذي يقوم بالإشراف على النشاطات العسكرية في اليمن. ويقوم بإدارة المساعدات هناك ويتنقل بين صنعاء وطهران لتنسيق نشاط «حزب الله». وكان نصر الله قد أرسل في ربيع عام 2015 أبو علي الطبطبائي من أجل تطوير برنامج الحزب لتدريب المتمردين الحوثيين. ويرى مسؤول إسرائيلي أن إرسال مسؤول مثل الطبطبائي يؤشر لالتزام الحزب الطويل في اليمن.
ويعتقد كاتب تقرير «فورين أفيرز» أن التزام الحزب في مناطق خارج وجوده التقليدي يتداخل ويتأثر بالحرب الطائفية والصراع السعودي – الإيراني على المنطقة. فالحرب السورية ليست فقط بين نظام ديكتاتوري ومعارضة بل بين سنة وشيعة ودول إقليمية كل يدعم وكيله في المنطقة، سواء كانت في سوريا أو العراق أو اليمن. ومن هنا فمشاركة «حزب الله» ربما بدأت للدفاع عن نظام الأسد، ولكنها تطورت لتصبح جزءا من الصراع على مستقبل المنطقة وموقع الحزب فيها. ومن هنا فسيواصل الحزب عملياته في الخارج من أجل الدفاع عما يقول المجتمعات الشيعية والمصالح الإيرانية أيضا. والمخاطر التي يواجهها الحزب على المدى البعيد أنه يتحول وبفعل الحرب السورية إلى ذراع من أذرع إيران في الخارج، خاصة أنه يعمل مع فيلق القدس للدفاع عن المصالح التي تهم الجمهورية الإسلامية. فالحزب لم يعد حزبا بل فيلقا دوليا كما نقلت صحيفة «فايننشال تايمز» عن أحد قادته الذي وصف حزبه بالمدرسة التي تدافع عن المستضعفين أينما وجدوا.
qal
إبراهيم درويش