لم تمنع العرائض الاحتجاجية والتظاهرات ووفود الاعتراض على بناء السدود في الجنوب الشرقي التركي، وخصوصا تلك التظاهرات الحاشدة التي انطلقت من بلدة حصن الكهف «حسان كييف» من منع الاستمرار في بناء تلك السدود. كما إن عرائض الاحتجاج أرسلت إلى منظمات دولية، اعتراضا على بناء السدود ومطالبة تلك المنظمات بسحب تمويلها لبعض تلك السدود.
وفي ما يتعلق ببلدة حصن الكهف، فإن هذه البلدة العريقة التي تزخر بآثار حضارات متعددة، والقائمة على تل منقور بالصخر، أي أن بيوتها كانت منقورة ومجهزة في كهوف وصخور تلك التلة، والتي تقع مباشرة على التواء حاد، لتدفق المياه الغزيرة من مياه نهر الفرات على حواف بيوت البلدة، وكانت في منتصف الثمانينات قد أخليت من سكانها، وذلك تمهيدا لبناء سدود للمياه ومحطات لتوليد الكهرباء، ليتشرد سكانها ويأخذون في البحث عن أماكن لإيوائهم، والتي اتجهت السلطات التركية لبناء بعضها. وكان بعض سكان تلك المنطقة في نحو منتصف ثمانينات القرن الماضي، يتجمعون في أماكن قريبة من بلدتهم يطالبون بتوفير مساكن مناسبة لهم، وكان ذلك من المشاهد التي تكرر انتشارها في الجنوب الشرقي التركي، حيث أغلبية سكان تلك المنطقة هم من الأكراد.
صحيح إن المنطقة بحاجة إلى تنمية وإلى استصلاح للأراضي وإلى توفير شبكات من المياه العذبة والكهرباء، إلا أن ذلك يجب أن يتساوق ويسير جنبا إلى جنب مع توفير مساكن وبيئات اجتماعية حاضنة للسكان، وتوفير الأعمال المناسبة لهم ، والتي تتوافق مع مهاراتهم وتوجهاتهم الحياتية، وهم الذين يتم اقتلاعهم من بيوتهم وأراضيهم ومصالحهم. وهذا ما يحتج عليه ويرفضه الأكراد، فهل ينجح حزب العمال الكردستاني الذي عقد هدنة هشة مع الحكومة التركية في العام 2013 من منع استكمال بناء السدود الضخمة، التي تنوي السلطات التركية استكمال بناءها (نحو 24 سدا)؟ خصوصا وأن الحزب هدد بتعطيل تلك المشاريع، وباشر عمليا بتنفيذ عمليات إنذارية في بعض المواقع والمناطق، كنسف بعض سيارات النقل وقطع بعض الطرقات، بحسب ما ورد في بعض أجهزة الإعلام في 11/7/2015، أم أن مصير الاحتجاجات والعمليات العسكرية المحدودة ستضاف إلى تراكمات من الاحتجاجات السابقة؟
متضررون
المعروف أن سد أتاتورك هو الأضخم والأكبر، من بين السدود التي تم إنجازها في نهاية ثمانينيات القرن الماضي، وهو أحد مشاريع منطقة الغاب الذي حرم سوريا والعراق من المياه المتدفقة من نهر الفرات، نتيجة حجز المياه لملأ السد وخزاناته وبحيرته في العام 1990 في الفترة من 13/1 حتى 13/2 1990. وبحسب ما جاء في كتاب «النهر الدولي» للدكتور صبحي العادلي الصادر من مركز دراسات الوحدة العربية في بيروت في العام 2007، فإن السدود التركية حجزت نحو 60 ٪ من مياه نهر الفرات عن سوريا والعراق، فما الملابسات والتعقيدات التي مرت وتمر بها مشاريع المياه في المنطقة؟
لا شك إن الوقت الحالي الذي تسود فيه انتفاضات واشتباكات واضطرابات في سوريا والعراق، هو من أنسب الأوقات التي تستكمل فيه تركيا بناء سدودها في الجنوب الشرقي، حيث إن الحكومتين السورية والعراقية منشغلتان بحروبهما مع التنظيمات الإرهابية، وإذا ما احتجت الدولتان على استكمال بناء السدود التركية، فإنها ستكون من أضعف الاحتجاجات المعوّل عليها في التعطيل، ويشار هنا إلى أن حزب العمال الكردستاني قد باشر بتنفيذ عمليات عسكرية ضد المشاريع الإنشائية الجديدة، وأصدر بيانا جاء فيه «إن مشاريع المياه تهدد وجود الأكراد في تلك المناطق كسعرت وديار بكر وغيرها». والمعروف أن بلدة عين العرب (كوباني) السورية، تقع على باب دخول نهر الفرات إلى سوريا من تركيا، ولذلك فإن معركة السيطرة على هذه البلدة كانت من أشرس المعارك التي شهدتها المنطقة، وما زالت، لأن مشاريع مائية وغير مائية تنتظر سكون معارك الكر والفر فيها.
لمحة تاريخية
المعروف أن نهر الفرات ينبع من الهضبة الأرمينية في تركيا، ويسير نحو 1000 كيلومتر في الأراضي التركية، ويتابع جريانه في الأراضي السورية، ويقطع نحو 680 كيلومترا فيها، ثم يتابع تدفقه ليدخل الأراضي العراقية، ويسير فيها نحو 1200 كيلومتر حيث يلتقي بنهر دجلة، ليكونا نهرا واحدا هو نهر شط العرب، وقد أقيمت مشاريع السدود المائية وتوليد الكهرباء في البلدان الثلاثة على هذين النهرين الكبيرين، كما ونشير إلى أن السلطات التركية أقامت سدا كبيرا على نهر دجلة اعتبارا من العام 2007، ومن المفترض أنها انتهت من بنائه في العام 2014، وهو يبعد عن الحدود السورية والعراقية بنحو 50 كيلومترا.
وتشير التقديرات إلى أنه وبعد انتهاء بناء مشاريع المياه والكهرباء في تركيا، فإنها ستحول نحو ثلث الأراضي في العراق وسوريا إلى صحارى بلا ماء. حيث يمكن الإشارة هنا إلى أن السلطات التركية المتعاقبة، اعتبرت أن مياه دجلة والفرات لا تنطبق عليهما صفة الأنهار الدولية المتعاقبة الجريان، بل تعتبر مياههما من المياه الخاصة التي ترتب لها الاستفادة من مياههما، بحسب ما ترتئيه مصلحتها، بدون مراعاة مصلحة بلدان المجرى والمصب، أي سوريا والعراق؛ وهذا يخالف كل القوانين الدولية المتعلقة بالمياه. كما إنه يخالف الاتفاقات التي وقعتها تركيا مع اليونان وبلغاريا والجنوب الروسي. لذلك فإن سوريا والعراق مقبلتان على كوارث تعطل كل مشاريع التنمية فيهما، وتشرد ملايين السكان من دورهم وأراضيهم، وهذا ما يتم حاليا بالنسبة لسكان الجنوب التركي من الأكراد.
صحيح إن هناك إنجازات تنموية في الجنوب التركي، إلا أن ذلك لا يتم من خلال مراعاة الجوانب الإنسانية والحياتية، في ضرورة تلازم بين ما هو تنموي، ويراعي تمسك الناس بأراضيهم، واستمرار حياتهم وبيئاتهم الثقافية والاجتماعية التي درجوا على تسطير تفاصيلها منذ مئات السنين.
كذلك وبالإضافة إلى كل هذا، فالجانب الإيراني تعامل مع موضوع المياه الواردة من أراضيه ومتابعة جريانها – من قبل – لتصب في مجرى نهر دجلة (الكرخ والقارون والوفد) وغيرها وعدة جداول أخرى، وحول مياهها إلى أراضيه ومنع جريانها إلى مجراها الطبيعي من قبل، أي إنه تعامل مع موضوع المياه بأنها من المياه الخاصة به فقط، وليس من المياه الدولية العابرة للحدود والمتتابعة في جريانها، تماما كما هو الأمر مع تصريحات وأفعال الجانب التركي.
سليمان الشّيخ