العلم والفن: فتنة المجهول

حجم الخط
1

 

حين أخذ العلم، في القرن التاسع عشر، يتقدم بخطى جبارة، وأخذت الصناعة تستفيد من تطبيقاته على نطاق واسع، وتؤدي إلى نتائج باهرة، طغى على كل شيء سواه، واستأثر بإكبار الناس من دون غيره من أنواع النشاط الإنساني. وكأنما خجل الفن من نفسه فأخذ يلملم أذياله لينسحب إلى ركن بعيد، وكأنما لحقت به فلول أنصاره تعزيه وتعزي نفسها، وكأنما راودها شك في قيمة نفسها، وصارت تستحي أن تستعلن للناس، فأصبحت كلمة «الفنان» تثير في خيال جمهرة الناس، من أتباع الحاكم الجديد، أو قلْ من عبدة الإله الجديد، صورة الرجل الساذج المتعلق بالأوهام، المفتون بالأحلام، حتى قال رينان: «سيأتي يوم يكون فيه الفنان شيئاً بالياً غير ذي جدوى، أما العالِم فقيمته تزداد يوماً بعد يوم»، بل إن رينان نفسه ليأسف على أن لم يكن عالماً.
غير أن هذه النظرة الجديدة إلى الفن ليست الشيء الجوهري في الأمر، فالقضية في نظر بعضهم ليست قضية تنافس بين العلم والفن انتصر فيه الأول على الثاني في حقبة من الزمن، ثم يكون في وسع الآخر أن يحشد قواه ويكسب الأنصار، ويدخل المعركة من جديد. فالأمر أعمق من هذا. إن العلم والفن في رأي بعضهم لا يمكن أن يوجدا معاً. فالأول ينفي الثاني ويمنع عنه الحياة، لأنه، بالنور الذي سلطه على الكون، قد بدد الضباب الذي يعيش الفن من غموضه، وأزال الأسرار التي يستمد منها الفن غذاءه. إن الشعر الحق لا يكون من غير أسرار، كما يقول الألمان على لسان شلنغ وشتراوس وفاغنر، ولا يعيش بدون أوهام، كما يقول غوته. لا غنى للخيال الشعري عن شيء من الوهم، فما تُفسّر الوقائع بأسبابها الباردة، ولا غنى له عن شيء من الضباب يغشى الأشياء فيكسبها روعة السرّ وفتنة المجهول. أي شعر في الطريق الواسع الرحب الذي لا ثنايا فيه ولا منعطفات، تنصب عليه الشمس فتنيره كله، فما نرى فيه أثراً لظلّ، نلج أوله ونحن نرى آخره، فما يفاجئنا في أثناء سيرنا أي شيء لا نتوقعه. أما الجمال الشعري ففي الآجام والغياض، وفي زوايا الظل وكل ما لا تراه الأعين من أول لحظة.
أنت لا يستهويك السهل العاري لأنه يخبئ عنك شيئاً، ولا تحب الطريق المستقيم لأنك بنظرة واحدة ترى كل ما فيه. ما كان المساء جميلاً إلا لأنه يسدل على الأشياء غشاء رقيقاً، وما كان ضوء القمر الشاحب بأجمل من نور الشمس الساطع، إلا لأنه نور خفيف فما يفضح الأشياء التي ينصب عليها، بل يخبئها بغشاوة ناعمة، ويحيطها بشيء من الغموض الهادئ. والمرأة التي حجبت جسدها بغلالة شفافة أكثر فتنة من امرأة كشفت جسدها وتبدت عارية. كان موسيه يضرع إلى ربه أن يحطم قبة السماوات، ويرفع حجب الكون، ويظهر له… ولكن، تُرى لو استجاب الله لدعوته، أكان يظل إلهاً، وكنا نظل نعبده؟ كذلك تساءل أحدهم يوماً، هل يميّز السماء عن الأرض التي نطؤها بالأقدام، إلا حين ننظر إليها لا نرى شيئاً واضحاً؟ ماذا يبقى من جمال النجوم، هذه الأزهار المعلقة في السماء، أو هذه المصابيح التي زيّن الله بها السماء، إذا كنا حين ننظر إليها لا نذكر من أمرها غير أنها كتل هائلة من صخر ومعدن ونار؟ ماذا يبقى من جمال اللحن، إذا كنا حين نستمع إليه لا نذكر من أمره إلا أنه اهتزازات في الهواء تجري وفقاً لتوازن معين؟ ماذا يبقى من جمال الزهرة إذا كنا حين نلقي عليها البصر لا نذكر إلا أنها، وغيرها من سائر الأزهار وكافة الموجودات الحية، مركبات شتى من آزوت وفحم وماء؟
إن العلم باكتشافه قوانين الطبيعة يجعلك تطل عليها من فوق، فترى آليتها بوضوح، وتتنبأ بما سيجري فيها، وبهذا تقتل الفن، لأنك تقضي على المفاجأة، وجمال المفاجأة كل الجمال. فعالم الفن يجب أن يكون عالم ضباب، يحجب عنك الآفاق، إلا ما وقع منك على خطوات، فكلما خطوت خطوة ودّعت شيئاً لتستقبل شيئاً آخر. فما تفارقك لذة إلا اكتشاف لحظة، وتكون دنياك متجددة باستمرار. أما الجو الصاحي المشمس، فإنه يطلعك على كل ما ستلقاه أمامك بنظرة واحدة، فتسير وتسير من غير أن تجد في سيرك ما يلفت انتباهك. أسعد منك النملة ترقى حصى او تتسلق ورقة، لكي تطل على مشهد لا يتجاوز نصف القدم! إنها تميز الكثير من الأشياء الرائعة التي لا تراها أنت. إن ممرها المحصب، وعشبها القليل، وقشرة الساق التي تتسلقها، لشعراً نجهله كل الجهل، وسرعان ما يتبدد هذا الشعر إذا وُسّع أفقها، وانبسطت أمامها الأرجاء. إنها تعيش في مثل الضباب: في كل خطوة تخطوها تنسى شيئاً لترى شيئاً آخر، أما نحن فبالعلم نطل على العالم من فوق، فنراه رؤية إجمالية: تزول التفصيلات الدقيقة واللوينات الناعمة، وتُردم الفجوات الصغيرة التي يتغلغل فيها الفكر، وتستقيم المنعطفات التي تثير فينا حب الاطلاع، فإذا المشهد عار، عام، ليس فيه ظلال ولا تعاكس أضواء، ولا تداخل أنوار: نور ساطع متجانس، منصبّ على سهل لاحب. منظر بليد.

مقدّمة «علم النفس والأدب»، 1972

«شيخ كار» الترجمة

يستحقّ الأديب والمترجم والدبلوماسي السوري (1921 ـ 1976) لقب «شيخ كار» المترجمين في بلده سوريا، وربما على امتداد الوطن العربي؛ إنْ لم يكن بسبب ترجمته الرائدة، عن الفرنسية، لأعمال الروائي الروسي الكبير دستويفسكي ـ الكاملة، في 18 مجلداً وأكثر من 11 الف صفحة ـ فعلى الأقلّ لأنه استكمل ترجمة أعمال أخرى شامخة في الأدب الروسي الحديث: بوشكين، تولستوي (خمسة مجلدات)، ليرمنتوف، وكورولنكو؛ أو، في ميدان الأدب دائماً، أعمال إيفو أندريتش، ماشادو دي أسيس، ومحمد ديب. في الفلسفة وعلم النفس، ترجم الدروبي عدداً من أمهات المؤلفات، لأمثال جان بول سارتر، بندتو كروتشه، هنري برغسون، فرانتز فانون، وموريس دوفرجيه؛ بمشاركة، أحياناً، من جمال الأتاسي وعبد الله عبد الدايم. لكن انكبابه على الترجمة لم يمنعه من إتمام مؤلفاته الشخصية، وبينها «علم النفس ونتائجه التربوية»، بالاشتراك مع حافظ الجمالي؛ و»الموجز في علم النفس»، مع عبد الدايم؛ و»علم النفس والأدب: معرفة الإنسان بين بحوث علم النفس وبصيرة الأديب والفنان»، «علم الطباع: المدرسة الفرنسية»، و»الرواية في الأدب الروسي».
درس الدروبي في حمص، مسقط رأسه، ثمّ دمشق، فالقاهرة، وباريس، التي عاد منها في سنة 1952 حاملاً شهادة الدكتوراه في التربية وعلم النفس. وعلى المستوى المهني، مارس الدروبي التعليم في مراحله الابتدائية والثانوية والجامعية، كما شغل وظائف دبلوماسية مختلفة في البرازيل والمغرب ويوغوسلافيا والجامعة العربية، وتولى وزارة التربية في سنة 1963.
اعتاد الدروبي كتابة مقدمات معمقة لبعض ترجماته؛ وفي تقديم المجلد الأول من أعمال دستويفسكي، كتب التالي: «إن روسيا كلها تحزن لموت الإنسان الكبير الذي ظل مجهولاً مدة طويلة، والذي تنكرت له الأقدار ذلك التنكر. إن نعشه يسير نحو اللحد تحت غابة كثيفة من الرايات، أمراء ورهبان وعمال وضباط ومتسولون، يحيطون بالنعش المهيب عابرين به المدينة. وأمام القبر المفتوح يتناوب الكلام كتّاب صالحت بينهم الفجيعة، فإذا هم يتحدثون عن دستويفسكي حديثهم عن شهيد. وينفض المشيعون، فتعود المقبرة التي يغطيها الثلج إلى الصمت، وتبدأ في تلك اللحظة حياة دستويفسكي الجديدة، لا بجسمه على الأرض بل بمؤلفاته الخالدة، فوق الزمان وفوق المكان، في قلوب الذين يقرأونه فيغوص بهم إلى أعماق النفس، بل إلى أعماق الوجود».

سامي الدروبي

اشترك في قائمتنا البريدية