أعلنت الحكومة العراقية الأسبوع الماضي بدء حملة عسكرية لاستعادة مدينة الفلوجة، ثاني أكبر مدن محافظة الأنبار، والتي يسيطر عليها تنظيم الدولة الإسلامية منذ كانون الثاني/يناير 2014، وتعد أحد أبرز معاقل «الجهاديين» في العراق، والمعقل الرئيسي لتنظيم الدولة الإسلامية.
لكن الأمور لم تجر كما خططت لها الحكومة. فقد تعرضت القوات المهاجمة، والمتكونة من ميليشيا الحشد الشعبي، والجيش الحكومي، ومقاتلي الصحوات، لخسائر فادحة في الساعات الأولى لبدء المعركة أثناء محاولتها التقدم باتجاه أطراف مدينة الفلوجة، الأمر الذي أجبر القيادة الأمريكية للتصريح بأن معارك استعادة الرمادي والفلوجة لا تسير بشكل مشجع».
في حديث خاص لـ «القدس العربي»، قال ضابط في الجيش العراقي مشارك في حملة استعادة الفلوجة، رفض الكشف عن اسمه: «أن الأوامر صدرت بتنفيذ هجوم سريع وعنيف على مناطق شمال الفلوجة، وجنوبها، وفي الصقلاوية، والنعيمية تحديدا، ويكون الهجوم من محورين في الوقت نفسه، إذ يهاجم الحشد الشعبي مسنودا بالجيش والشرطة من شمال وجنوب المدينة، بدعم من طائرات القوة الجوية العراقية والتحالف الدولي، وبعد اجتماع للقيادة ودراسة الخطة، وبإقرار أغلب الضباط أن نسبة فشلها كبيرة، طلبنا تأجيل الهجوم لوضع خطة تناسب المعركة ووضع الفلوجة. وكالعادة قوبل طلبنا بالمعارضة من قبل الحشد الشعبي، وخصوصا ميليشيا بدر، وتم ترويج كلام عن أن الجيش لا يريد المشاركة، ويريد فقط القيادة معتمدا على الحشد في بدء الهجوم».
وأضاف: «حذرنا من محرقة تنتظر القوات المهاجمة، لان حملة القصف التي استهدفت مواقع التنظيم أنذرت ببدء الحملة، كما أن التصريحات الرسمية منحت التنظيم إنذارا بموعد الهجوم فوق حذره وترقبه».
ويضيف الضابط في الجيش العراقي لـ «القدس العربي»: «لا يمكن للطيران مساعدتنا على التقدم في معركة كمعركة الفلوجة، إلا إن كانت هناك خطة مدروسة ومحسوبة، ولو أوكل الأمر للجيش لكان الأمر مختلفا».
ويواصل: «هذا الهجوم جلب نتائج عكسية حيث كانت ردة فعل التنظيم عنيفة، فتقدم لمواقع في شرق الفلوجة، وسيطر على عدة ثكنات. وكانت طائرات التنظيم المسيرة تحدد مواقعنا ونتعرض للقصف المستمر، مما اضطر أغلب القطعات للتراجع، وبسبب تسرع الحشد واندفاعه غير المحسوب بدل أن نتقدم تراجعنا في أغلب المحاور في المعركة التي تعتبرها وزارة الدفاع أهم معركة مع التنظيم في الأنبار».
وعن المدة الزمنية المتوقعة لمعركة الفلوجة يقول الضابط العراقي:»إلى الآن الحملة لا تسير كما نريد، لكن إن تُركت قيادة المعركة للضباط ستكون نتائج مختلفة. وأغلب المعارك لم تحقق أهدافها بسبب قلة الخبرة، وكثرة القيادات من الحشد، ومحاولة كسب نصر، ولو إعلامي، على حساب المعركة.»
وفي حديث خاص بـ «القدس العربي» قال مصدر مقرب من تنظيم الدولة «إن سكان الأنبار عموماً، عانوا كثيرا من ممارسات الحكومة، مما أدى لشعور سكان الفلوجة بقيمة المجاهدين الذين وبمجرد سيطرتهم على المدينة وفروا الخدمات للناس، وأنشأوا قضاءً عادلاً وعاملوا الناس بإحسان. وعلى الرغم من أن المدينة محاصرة استطاع المجاهدون توفير جميع السلع الغذائية للناس، وبأسعار أقل بكثير من التي كانت في السابق».
وأضاف المصدر المقرب من التنظيم: «صمود الفلوجة لا شك أن الفضل فيه يعود لله سبحانه وتعالى، ثم لالتفاف سكانها حول أبنائهم، فأهل الفلوجة يعلمون أن دخول القوات الحكومية، والميليشيات الشيعية، سيعني كارثة لأهل المدينة، خصوصا بعد التصعيد الإعلامي الذي أظهر حقد الحكومة، وميلشياتها، على المدينة، وحتى في حملتهم أشاروا بوضوح لتغيير اسم المدينة، الأمر الذي جعل الأمر يصبح مسألة وجود أو عدمه بالنسبة لأهالي المدينة، كما ساهم محيط مدينة الفلوجة بصمودها أمام هذه الهجمات المتكررة. فمدينة الفلوجة محاطة بمناطق عشائرية كثيفة، وسكان تلك المناطق يشعرون بالانتماء لها، ويعتبرونها عاصمتهم. وانتصارات الفلوجة المتكررة نابعة من تلاحم محيطها معها، ولم تبخل عشائر الفلوجة بأبنائها دفاعا عن المدينة، إضافة إلى أن الدولة الإسلامية تعامل أهل الفلوجة أفضل معاملة، وتُشعرهم انهم الأقرب لها، وان الدولة مستعدة لخسارة كل جنودها دفاعا عن المدينة، وأهلها، وهذا الأمر زاد من التفاف سكان الفلوجة حول الدولة الإسلامية، ولا ننسى أن أهل الفلوجة أول من احتضن نواة الدولة، جماعة التوحيد والجهاد، بقيادة الزرقاوي، كما أن الحكومة العراقية والحزب الإسلامي إبان سيطرتهم على المدينة نكلوا بأهلها وكان أهل الفلوجة وعلى مدار سنوات يعيشون تحت تضييق أمني رهيب، وملاحقات واعتقالات، فقد تم اعتقال العشرات من رجال وشباب الفلوجة تحت فقرة أربعة إرهاب، كل هذه الأسباب تعتبر أساسية في صمود الفلوجة، إضافة إلى خبرة الدولة الإسلامية العسكرية، وحنكتها في الدفاع عن المدن، ونصب الكمائن، وزرع الخوف لدى العدو».
في المقابل ظلت ناحيتي عامرية الفلوجة والخالدية، صامدتين أمام هجمات التنظيم حتى هذه اللحظة، ولم يتمكن التنظيم من اقتحامهما، وفي حديث خاص لـ «القدس العربي» قال القيادي في صحوات البو عيسى أبو علي العيساوي «أن التنظيم نجح في محاصرة قوات العشائر، والحشد الشعبي، إضافة إلى الشرطة المحلية، وقطعات الجيش في ناحية عامرية الفلوجة، رغم علمنا كقادة ميدانيين، أن التنظيم قادر على التقدم، وحسب تقديري إن خطته نجحت، وأصبحنا مدافعين فقط، وجعل شيوخنا وقادتنا يظنون انهم بحفاظهم على العامرية حققوا نصراً، وهو خطأ كبير، وهذا ما أبلغناه لقادتنا، لكنهم فضلوا الاستمرار بهذا الوضع الدفاعي الذي سيكون نهايته اقتحام التنظيم للناحية، وهو تحصيل حاصل، وهو الأمر الذي سيؤدي إلى وقوع كارثة بالسكان لانهم سيضطرون للنزوح».
أما في ما يخص مشاركة الحشد الشعبي فقد قال العيساوي: «لم نكن بحاجة لمشاركة الحشد الشعبي، لكن بعض شيوخ العشائر جاؤوا بهم لتقوية نفوذهم، رغم معرفتهم أن السكان لا يرحبون بالحشد، ورفضوا دخوله للناحية، لسببين الأول أن دخولهم سيكون سبباً آخرا للتنظيم لتكثيف القصف، والثاني سمعة الحشد الشعبي السيئة».
وأضاف: «عند دخول الحشد، اعتدى عناصره على موظفي منشأة النحاس، وحاولوا فرض سيطرتهم وأنفسهم كقادة، وهذا ما رفضناه، بل هدد بعض وجهاء وشيوخ المنطقة، بان الحشد إن تولى القيادة، سيتوجهون لعقد صلح مع تنظيم الدولة».
ويضيف العيساوي: «أحد أهم أسباب صمود التنظيم، وقوته في الفلوجة، هو جعل آخر قوة تقف ضده في المنطقة بموضع دفاعي، وتحت حصار يضيق كل يوم، وسنكون لقمة سائغة له متى ما قرر اقتحام المنطقة بشكل جدي».
أما عن وضع الخالدية، فقال المحلل العسكري محمد الأنباري في حديثه مع «القدس العربي»، «إن الوضع فيها يكاد يكون مشابها لعامرية الفلوجة حيث حصار التنظيم المستمر، وتقدمه الذي يقلق الصحوات، خصوصا بعد انسحاب مقاتلي الحشد الشعبي أمام الهجوم التجريبي لتنظيم الدولة قبل أقل من أسبوعين».
من جانبه قال أبو سالم الدليمي، مسؤول احدى المفارز التابعة للصحوات في منطقة أبو فليس، في حديث خاص مع «القدس العربي»: «هجوم التنظيم الأخير كشف ضعف قدرات الحشد الشعبي الذي اعتقدنا انه سيشكل زخما عسكريا باستطاعته صد هجمات التنظيم، والمحافظة على ناحية الخالدية، إلاَّ أن الهجوم الذي شنه التنظيم لم يؤثر كثيرا من الناحية العملية بقدر ما أثار مخاوفنا من هجوم أقوى ربما تنهار فيه الصفوف، بسبب انسحاب الحشد الشعبي، كما حصل في المرة السابقة، فتواجدهم في الخطوط الأمامية أصبح يشكل عبئا علينا».
ويضيف الدليمي: «فرض الحشد نفسه كقيادة في كل المناطق، وتجاوزاتهم، كانت سببا لمغادرة العشرات من عوائل الخالدية، ولولا وجود سلاحنا بيدنا لما كنا ندري لأي وضع ستكون الأمور، فالحشد يتعامل مع بقية القوى على أنها تابعة له، وانه صاحب الحق في القيادة، وتحديد المصير، وهذا غير مقبول».
وقال الشيخ علي المحلاوي أحد وجهاء منطقة أبو فليس والخالدية، والمقيم في كردستان، لـ «القدس العربي»: «إن سكان الخالدية، وقراها، مغلوب على أمرهم، وزادت مخاوفهم حين دخل الحشد الشعبي قبل أكثر من شهرين. لذلك فضلنا ترك مناطقنا والتوجه إلى كردستان، فالبقاء في منطقة أبو فليس، والخالدية، خطر جدا لأن التنظيم سيتعامل مع الخالدية بشكل مختلف، خصوصا بوجود الحشد الشعبي».
ويختم المحلاوي حديثه بالقول: « الأخبار الواردة من مناطق سيطرة التنظيم، والتي تبين الحالة الجيدة التي يعيش فيها الناس تحت حكم التنظيم، حولت توجس الناس من سيطرة الدولة الإسلامية على مناطقهم إلى رغبة في قدوم مقاتلي الدولة، أو على الأقل، عدم الاكتراث بمن يسيطر ما دام يوفر الخدمات، أو الأمن، كما يفعل تنظيم الدولة، ولن نسمح لأي جهة أن تحسب سكان الخالدية عليها، خصوصا الحشد الشعبي، أما صحوات الخالدية، فحين سمحوا لأنفسهم أن يكونوا تابعين للحشد الشعبي رغم ما فعله بأهلنا في مناطق أخرى، فهم بهذا خسروا وبإرادتهم دعم أهالي المنطقة. وحسب علمي بالأمور، وقدرات الدفاع لدى المقاتلين في الخالدية، فانها بنهاية المطاف ستكون في قبضة تنظيم الدولة بلا شك، وأن سيطرة التنظيم عليها مسألة وقت فقط «على حد قوله.
عبيدة الدليمي