د. نور الله السيّدوفّرت قضايا الاستقلال وما بعده لمعظم الأنظمة العربية ‘مسمار جحا’ الذي عَلّقت عليه كل الاستحقاقات. فالتنمية والحاكمية والدساتير والحياة السياسية والثقافية وبناء المجتمعات وغيرها بقيت مواضيع معطلة بانتظار حل هذه القضايا التي استغلتها الأنظمة لمصادرة للحريات نتج عنها إسكات الأصوات المعارضة أو إرغامها على الهجرة أو التدجّن. المعارضات السياسية صُفيّت بالنفي أو السجن أو القتل وخلت الساحة لفارسها الوحيد، فلا صوت يعلو فوق صوت المعركة. وفي هذه الأجواء، ماتت الحياة الثقافية. الحياة الثقافية التي نشطت في الخمسينيات والستينيات أعدمت رمياً بالرصاص في الثمانينيات وما تلاها لتخلو الساحة لأصحاب اللحى بتواطؤ الأنظمة نفسها، لتستخدمهم فيما بعد فزاعة تُلوّح بهم بديلاً لأنظمتها في حال سقوطها أو إسقاطها. وتركتهم، دون غيرهم، ينتظمون في أحزاب غير معلنة. وموت الحياة الثقافية يعني موت التفكير بصوت عال في الراهن وقضاياه وشجونه، وفي المستقبل، وفي الآخر وطروحاته، وفي العالم ومستجداته. وموت الحياة الثقافية قاد إلى دفن يقظة العقل العربي التي كانت في المهد. هاجر المثقفون العرب إلى مختلف أصقاع الأرض هرباً أو نفياً، ومن بقي منهم أودعوا السجون أو أغلقت أفواههم بالشمع الأحمر. وأبدعت الأنظمة العربية في إنتاج مثقفين مهرجين عهدت إليهم بإدارة الشأن الثقافي العربي الذي شهد بواراً لا مثيل له. وفي هذه المناخات انتعشت ثقافة اللحى، جهاراً أو صمتاً، مبطنة برفض كل شيء آخر لا يتماشى ومعتقداتها. وانتظمت في جماعات مدنية أو سياسية تتحيّن الفرص لتقدم نفسها كمعارضة أو كضحية. وبالمقابل حُورب كتّاب ومثقفون لآرائهم المتنورة، وليست الملحدة، وصل الأمر إلى حد القتل أو الاعتداء الجسدي دون أن يكون هناك من يستطيع الدفاع عنها فالمعارضة السياسية الحرة أصبحت حينها رميماً.ومن بين النتائج المباشرة لبؤس ما تحقق في معظم الدول العربية من تنمية اجتماعية واقتصادية وسياسية، أن تقدمت هذه الجماعات بطرح ثنائية الحاضر والماضي مستغلة المشاعر الدينية للناس وأقنعت نسبة لا بأس بها ببريق الماضي وعظمة أمجاده مقارنة مع الحاضر التعس الذي أنتجته الأنظمة الحاكمة بعلمانيتها المستوردة، وبأن عودة الماضي تكون بالعودة إلى أصول الدين الذي كان وراء كل هذا المجد التليد، ماسحة هكذا وبكل بساطة السياق التاريخي للكينونات والوجود ومختزلة الأمر في مجرد تلازم تحقيق المجد مع الالتزام بالتعاليم الدينية كما تعرفها هذه الجماعات. ومثل هذا التلازم لم يعط على مدى التاريخ الإنساني نتيجة معقولة واحدة وأقرب الأمثلة إيران. خلاصة العقود الأربعة الماضية كانت انتشار بيع الوهم.يحاول أصحاب اللحى الاستفادة من مكاسبهم التنظيمية المتحققة في أيام الأنظمة البائدة وتحقيق مشاريعهم وكأن الربيع العربي لم يكن إلا لتزهر اللحى وتزداد استرسالاً تشهد به شوارع القاهرة وتونس وبنغازي وصنعاء وشمالي سورية وريف دمشق. وأوضاع هذه الدول تسمح بمثل هذا الازدهار، فالتيارات المدنية احتجبت على مدى عقود وازدهارها يحتاج وقتاً وإبداعاً وصراعاً مع محيط معادٍ بالأحرى، ويحتاج إلى شجاعة كبيرة لمواجهة من يدعي أنه هو على حق والآخرين على باطل. شجاعة تتطلب منهم الاستعداد لمواجهة سجون الوهم والتردي وربما سجون الأقبية. يمكن للماضي السياسي القريب في دول الربيع العربي أن يتكرر، لأن إحلال أصحاب الفكر المطلق محل القادة التاريخيين الأفذاذ كمبارك وابن علي سيقود إلى النتائج نفسها وربما أسوأ. الدكتاتورية هي إقصاء الآخر. وفي طيّات الفكر المطلق يعشش إقصاء الآخر. مصر تؤكد أن الديمقراطية هي حكم الشعب، لذا تلجأ مصر المرشد إلى صناديق الاقتراع لتصويت الشعب على دستور لا يستطيع الشعب قراءته (نسبة الأمية في مصر 40′) ولا فهم نواقصه بمهلة خمسة عشر يوماً. البلد كما يقول المرشد في محنة ويجب التصويت على الدستور وتمريره بأقصى سرعة. فهذه ليست ديمقراطية وإنما ضحك على الذقون. فخاصية الديمقراطية الأساسية هي منع التسلط وبقاء متسلط في السلطة، وهو ما تصونه المحاكم الدستورية التي تحاول مصر المرشد تعطيلها. مصر المرشد اليوم تحاول إعادة إنتاج نظام مبارك بتمامه باسم الدين. وستفعل تونس الغنوشي ما تفعل مصر ولكن بنكهة تونسية، فقد بات الغنوشي يفضل نعته بـ’الشّيخ الجليل المجاهد راشد الغنّوشي’، على وزن: القائد الأب المعلم المناضل الخالد…! أما ليبيا واليمن فلا يزال الطريق طويلاً أمامهما، فعليهما مواجهة مشاكل القبلية إضافة إلى اللحى التي لا يرى المتطرف منها غضاضة بالاحتكام إلى السلاح والترهيب. لم تتضح تماماً معالم الطريق أمام سورية القادمة بعد، ولكن بذور التطرف قد تتكاثر بعد أن أجازته المعارضة السياسية كما العسكرية داعين إلى قبوله باعتباره جزءاً من المعارضة المسلحة الفاعلة على الأرض وهؤلاء المتطرفون لن يجيزوهما في الغد، إذ إن من يدعي اتّباع أمر السماء سيكون في آذانه وقْرٌ يمنعه من الإصغاء للبشر، وقْرُ يجعلهم يستعملون لغة المفخخات على الطريقة العراقية في التعبير عن آرائهم. وهم لم يشاركوا في الثورة السورية إلا لهدف في نفس يعقوب، ويريدون ثمناً لمشاركتهم يرتهنون فيه ربما سورية كلها هدفهم لا يتماشى مع الحرية والكرامة التي تظاهر من أجلهما شباب سورية فهما مفهومان نادراً ما عرفتهما الدولة الدينية على مدى تاريخها الطويل، مسلمة أم مسيحية لا فرق فهل تمثل المعارضة السياسية والمسلحة هؤلاء الشباب أم أنهما فضلتا لعب لعبة الأنظمة المخلوعة في مهادنة اللحى؟ لا يبدو أن المعارضة السورية تجيد السياسة حتى الآن فهذا أمر خطير قد يجعل كل ما دفعته سورية من دم ودمار مجرد دفعة أولى على الطريق.الجيد في الأمر أن الزمن يسير إلى المستقبل وأن الشباب العربي الذي صنع الربيع العربي الأول قادر على صنع الربيع العربي الثاني وغيره حتى تتحقق تطلعاته. ‘ اكاديمي سوري