فاطمة عطفةابو ظبي ـ من فاطمة عطفة: يكفي أن نتذكر أن تغريد البلبل أو هديل الحمام يختلف عن نعيق الغراب في دلالته وتأثيره، ومن هنا تأتي أهمية الموسيقى التعبيرية كعنصر فني وجمالي مندمج ومنسجم ومكمل للعناصر الأخرى الداخلة في بناء المشهد السينمائي، وخاصة في لحظات الصمت والترقب والمفاجأة. وربما يشعر المشاهد ببرودة العمل الفني إذا كان بلا موسيقى، سواء في المسرح أو السينما أو التلفزيون وحتى في الاستماع لأمسية شعرية. والموسيقار خالد مزنر مؤلف موسيقى تعبيرية للعديد من الأفلام، وخاصة أفلام المخرجة السينمائية المتميزة نادين لبكي. وأترك الفنان خالد ليحدث قراء ‘القدس العربي’ عن دور الموسيقى وأهميتها في السينما. الموسيقى التعبيرية المناسبة لسيناريو الفيلم أو الأعمال الدرامية، لها دور مؤثر واضح على المشاهد، كيف تقوم باختيار اللحن: من خلال قراءتك للسيناريو أو بالتشاور مع المخرج؟ وكيف يتم التوافق عليه؟ ‘المؤلف الموسيقي في فيلم أو أي عمل درامي يضع نفسه تحت تصرف الفيلم، فهو لا يؤلف الموسيقى لنفسه بل هو يؤلف موسيقى لعمل فنان آخر هو المخرج. أول شيء يجب أن يتعرف على عالم المخرج، على عالمه الفني وعالمه الوجداني وعلى رؤيته للعمل، وبعد هذا التعرف العميق، أقرأ السيناريو فأبدأ بكتابة الموسيقى من خلال قراءتي للسيناريو. في الحقيقة، هناك الكثير من المؤلفين يحبون أن يكتبوا الموسيقى المعبرة عن الصورة، أما بالنسبة لي فأنا أشعر أن الصورة تحد من خيالي لأن الصورة لها إيقاعها وموسيقاها الخاصة، لأن النص المجرد يستطيع أن يأخذني إلى أماكن حتى المخرج ربما لم يكن يفكر بها. وكوني أكتب الموسيقى على النص، أستطيع أن أعطيها للمخرج قبل التصوير، وربما المخرج تأتيه أفكار أخرى من خلال الموسيقى التي كتبتها من وحي النص، وفي النهاية يصبح العمل متكاملا. لأجل ذلك في تاريخ السينما تجدين هناك الكثير من المخرجين والمؤلفين تعاونوا مع بعضهم في عدة أفلام، لأنه يغدو هناك تعارف عميق فني بينهم. فمثلا، لديك هتشكوك وهرمن صنعوا عشرات الأفلام مع بعض، وكذلك نينوروتا وفيليني أيضا عملوا عشرات الأفلام مع بعض، فالمخرج يرتبط بمؤلف موسيقي معين ولا يستطيع العمل من دون هذا الموسيقي والعكس صحيح’. هل يحتاج الموسيقي في أعماله الإبداعية للثقافة السينمائية والأدبية كي يتولد لديه رابط مع النص ودلالاته؟ ‘أكيد يحتاج الموسيقى إلى ثقافة سينمائية كي يكون عمله متميزا، ولكن قبل الثقافة يجب أن يوجد الحس البديهي عند الفنان، وبعد ذلك تأتي الثقافة والعلم. ربما الحس البديهي لا يوصلك إلى أماكن بعيدة، بل يكمله العلم والثقافة، لكن الحس البديهي هو الذي اتكلت عليه طوال فترة عملي. أما الثقافة والعلم والمعرفة، أكيد تجعلك لا تكررين نفسك ولا تكررين أعمال قمت بعملها من قبل. إن كل واحد منا يبني ألحانه على قصص بني عليها من مئات السنين. وهناك مؤلفون كبار عملوا موسيقاهم قبلنا، فأنا لن آتي وأخترع من الصفر فالفن الموسيقي كغيره من الفنون هو تراكم أعمال، وهكذا يتم تطور البشرية بالتراكم’. أنت تعمل مع النجمة العالمية نادين لبكي كموسيقار وكزوج، هل تشعر عندما يكون هناك عمل بينكما أن هذه العلاقة الخاصة منفصلة وتكون علاقتك معها كمخرجة غريبة وكأي عمل وأنت كموسيقي؟ ‘تماما فنحن نضع الأولية للعمل الفني بجماله ورسالته الفنية ونضع حياتنا الشخصية على جنب. ربما يكون هناك كثير من التصادمات أو المشاركات وكثير من التفكير والتشاور، لكن الشيء الوحيد الذي يفرق إن أردت، هو أنك عندما تكونين تعيشين مع شخص فلا يمكن أن تأخذي العمل الفني معكما ليل نهار، فلكل عمل وقته وجوه. ولكن نادين وأنا، ولحسن الحظ، أنه لدينا النضج الجيد لكي نضع حياتنا الشخصية على جنب، وأفهم من المناقشات التي تحدث، بعيدا عن التصاادمات، هو أن هاجسها هو الفن من وجهة نظر إخراجية شاملة، وهاجسي أنا هو الفن من جهة التعبير الموسيقي، وهكذا يأخذ العمل السينمائي صيغته الفنية المتكاملة’. بالتأكيد تشكل هذه الأعمال أعباء لكم كعائلة بسبب ضرورة السفر والبعد عن بعضكما، هل يمكن أن يتولد عن هذا بعض الحساسيات والاحتكاك المزعج أم أنكما تقدران هذه الأعباء، وما أثر هذا الغياب للزوج أو الزوجة بسبب العمل؟ ‘هذا لا يولد احتكاكا مزعجا أبدا بل يولد شوقا، روتين الحياة اليومية هو الذي يولد الاحتكاك. وأظن أنه شيء صحي في الحياة الزوجية أن يكون لكل طرف مشروعه الخاص، وأن يكون الآخر فقط هو مصدر الفرح والكمال في الحياة، فالزوجة مصدر كمالها هو عملها واندفاعها في الحياة وكذلك الزوج. نحن ليس بيننا من هذه الناحية أي مشكلة، فأنا حين أشعر أن زوجتي تكمل نفسها بحياتها هي فإنها تولد الفرح لنا جميعا، والفرح يولد الفرح في البيت كله. وعلى العكس، الإنسان الذي ليس لديه عمل في حياته يكون كئيبا، وهذه الكآبة يدخلها إلى منزله، وهنا تخلق المشاكل. أما الأشخاص الذين يعملون ويحققون ذاتهم بذاتهم تكون حياتهم الزوجية وعلاقتهم مع الآخر سعيدة ومرتاحة أكثر’. الموسيقى التعبيرية التي شاركت بها، برأيك كم أعطت من القيمة في نجاح أعمال نادين، أقصد دورها في هذا النجاح؟ ‘لحسن حظي أن نادين من المخرجين الذين يحبون الموسيقى، وهي تحب أن تدخل الموسيقى في أفلامها، بينما نرى أن هناك مخرجين لا يحبون الموسيقى في الأفلام، وهناك أفلام من دون موسيقى. نادين أعطتني مجالا أن تكون الموسيقى الخاصة بي لها وجود في الأفلام بطريقة واضحة، وهناك مشاهد كثيرة نادين تكتم الكلام وتدع الموسيقى هي التي تتحدث لوحدها. ولذلك أرى أن الموسيقى لها دورها التعبيري المؤثر وهي تأخذ هذه الأهمية في أفلامها، وأيضا نادين آتية من ثقافة تحب الموسيقى وتحب المشاهد الراقصة والمغناة، فهي تعطي المجال الفني المناسب للألحان الخاصة بي، كما أن هذه الموسيقى لها حياة أخرى خارج الفيلم، فالناس تستمع لها من خلال التسجيلات، فهذه الجدلية بين الموسيقى ومشاهد الفيلم لها دور مؤثر وضروري، واللحن أداة من الأدوات التعبيرية المتكاملة في الرؤية الإخراجية لنادين. وأنا أيضا أحب تعيش الموسيقى مع أحداث الفيلم وبعد الفيلم، لأنها تجعل الناس يذكرون الفيلم من خلال سماع تلك الموسيقى. وأنا من الأشخاص الذين يحبون سماع موسيقى الأفلام، فأعود وأرى صور الفيلم من دون أن أشاهده، لكن ليس مقبولا أن تكون الموسيقى موجودة من دون الفيلم لأن المؤلف الموسيقي هو تحت تصرف قصة العمل الدرامية ورسالته، ولا يجب أن تكون موسيقاه أقوى من المشهد، فهناك معيار دقيق للانسجام والتكامل. وهنا أيضا يجد الموسيقي نفسه مكبلا ولا يستطيع أن يعطي كل ما لديه لأنه لا يريد أن يأكل الصورة أو يخرج بعيدا عن دلالاتها في التعبير، فالموسيقى هي عضو من لجنة هذا الفيلم وليست لوحدها’. هل من الممكن أن تكون في يوم ما ناقدا لأعمال نادين وتعطي رأيك بالسيناريو أو بالإخراج، وهل نادين تتقبل؟ ‘طبعا أعطي رأيي ومنذ ولادة الفيلم وبجميع أفكاره نتناقش بها ونتكلم بها، وهي تتقبل أحيانا رأيي وأحيانا لا.. كما أن لها رأيها في تأليفي لألحان الفيلم. لكل واحد منا.. ولكل إنسان ذائقته الفنية وحسه الجمالي، ومن هنا تأتي روعة العمل وتكامله’. ما هو جديدك الآن؟ ‘هناك عمل موسيقي خاص ليس له علاقة بالأفلام، ولدي العديد من السيناريوهات أقرأها ولكن لم أصل إلى اختيار شيء بعد، لأنني عندما أعمل على موسيقى فيلم، فهو يأخذ معي ستة أشهر تقريبا. إن كان النص لا يخاطب وجداني، فلا أستطيع أن أعمل به، فأنا لا أستطيع أن أدخل في تأليف اللحن لمجرد أن أعمل موسيقى كيفما اتفق، فأنا أدخل إلى عمق العمل وأستغرق فيه، فهو سيكون جزءا من حياتي لمدة لا تقل عن ستة أشهر، لهذا أتروى قبل أن أقبل أي عمل’.