‘إزعاج ـ سلام’ معرض للرسام الفطري عبد الرحمان برشيد: لوحاتي وحيها الشاي المغربي وليس الشمبانيا الألمانية!

حجم الخط
0

إدريس الجايهانوفر – ‘القدس العربي’ من إدريس الجاي: بعد أن يلج الإنسان مصنعا للأفرشة سابقا، والذي تم تحويله إلى فضاء للإبداع، يدخل في وهاد فسحة ملونة تسودها مسحة من الفوضى المنظمة ، المحفزة على التأمل. جداريات، مصورات، لوحات طافحات بلون زرقة البحر والسماء . على مدخل الردهات شدت شبكة صيد الأسماك وقد علقت عليها الأسلاك الشائكة، بقايا صور مثناترة، وثائق بطاقات شخصية، كرمز للهجرة السرية من شمال أفريقيا عبر البحر الأبيض المتوسط نحو الحدود الإسبانية المحاطة بسياجات عالية من الأشواك. تلك هي مقدمات المعرض، الذي نظمته جمعية اراه تحت إسم ‘إزعاج سلام’.’فبعد تدخل عدد من أصدقاء الرسام المغربي الفطري عبد الرحمان برشيد، و بدعم من ولاي’ نيدزاكسن’ (السقالبة السفلى) تمكنت هذه’الجمعية، التي تعمل في عدد من الدول الأوروبية علي مد جسر بين المهجرين وموطن إقامتهم، من إقناع المبدع ( الذي يرفض كعادته إقامة أي معرض)، بإقامة معرضه إبتداء من 11.08 ولمدة تزيد على أربعة أسابيع. لقد اصر هذا الرسام البوهيمي كشرط لإقامة هذا المعرض، على أن تكون إفتتاحيته في أجواء برشيدية شبيهة بأجواء حانته،Pupile (الحدقة)، التي يديرها منذ 28سنة. ‘القدس العربي’ عدد3891 السنة الثالثة عشرة) ‘ في معرضي لابد من حضور أجواء مشابهة على الأقل، ‘للمناخ، الذي تم فيه رسم لوحاتي ، الشاي الإخضر أغاني الوطن و زبالة ساحات المدن’. في ردهات المعرض، حيث تتصدر رسومات عبد الرحمان برشيد الجدران ، وقف المدعوون إلى حفل إفتتاح المعرض، ثلة من الوجوه، التي تمثل الثقافة في مدينة هانوفر، فنانون، مبدعون، منظمون للتظاهرات الثقافية والفنية، باحثون وأصدقاء مشجعون لأعمال الرسام. ففي الوقت، الذي تناول فيه الكلمة الخطباء وممثلون عن الجهات الداعمة و المنظمة للحديث عن المعرض، تساءل الكثير عن غياب الرسام، الذي من أجل أعماله أقيمت كل هذه الحركة الذائبة!؟ غير أنه كان يقف هناك خلف عدة الشاي المغربي، الصينية بقوالب السكر والشاي الصيني الأخضر والبراد و الكؤوس الملونة، باقة من النعناع الأخضر يعد الشاي للحاضرين. ردا عن سؤال: لماذا لا تشارك في الحفل المقام من أجلك؟ قال ما معناه: ‘ إنني لا أرسم من أجل الإمتاع ولا من أجل الرفاهية أو الشهرة، و إنما أرسم لضرورة يمليها علي شعوري الداخلي ، إحساسي بمعاناة الانسان سيان أي لون جلد يحمله، إن هؤلاء يرسمون تصوراتهم بالعبارات، و إنا أعبر عن تصوراتي بالرسومات ، أرسم ما لا أستطيع التعبيرعنه بالكلمات. فالألوان هو مدادي و الخطوط حروفي والوجوه عباراتي’. لذلك يرفض عبد الرحمان برشيد رفضا باثا أن يفتتح معرضه بالشمبانيا مثلما هي العادة في افتتاح المعارض الأخرى’، ففي الوقت الذي تشرب فيه أنخاب الشامبانيا في المعارض ويتصرف الناس بكل حرية ، كأن شيئا لم يحدث في هذا العالم، يخاطر أناس أخرون بحياتهم، أو يتعرضون للمذابح من أجل حياة حرة. الحمد لله على الشاي، الذي هو في متناول الفقير والغني.’ كإستفزاز كانت لافتات العناوين و الأثمان، التي في كثير من الأحيان يتبرع بها عبد الرحمان برشيد إلى إحدي الجمعيات الخيرية في شمال المغرب، من الورق المقوى لصناديق المعلبات، و قد كتب عليها بخطه و بالطباشير عناوين مثل السفر إلى الوراء أو ‘ تخمة السمك في مضيق جبل طارق، ولادة في عيادة القارب و غيرها من العناوين الساخرة. لقد كان افتتاح المعرض كحدث لا يعني الرسام نفسه، حيث كان كل الوقت منشغلا بتوزيع الشاي على المدعوين، كما لا أعتقد، أنه فهم الكثير من جولات وبطولات الحاضرين الكلامية عن أعماله و إبداعاته. أحيانا أصاب بوجع الرأس، حين يتحدث الآخرون عن لوحاتي ، فأندهش لما يستخرجونه منها، بينما أنا لا أدري بكل ذلك’.فهذه الفطرية والرؤية الفاضحة تمثل قوة الجاذيبة الكامنة وراء مصورات عبد الرحمان برشيد. حيث حافظ على بقائه، بعيدا عن التأثيرات النجمية، كما جاء في كلمة شهادة المبدعة والعالمة السياسية كورينا غوماني : أصليا غير مرهق، متأثر بالحياة البسيطة، دون حاجة إلى المنمنمات، لم يتعلم بعض الجمل والكلمات، خاصة، تلك، التي يصففها الناس في أحاديثهم و يدرجونها في إدارة اذهانهم و فوق الأوراق. إن مصورات برشيد توجه خطابها إلى الأحساسيس أولا قبل توجيهه إلى العين، فهي نتاج نظرة بقيت على ضفاف عيش بسيط ، متمسكة بعفوتها، بالإستجابة الفورية والتلقائية القائمة على إستعاب اللحظة ثم تحويلها، دون الدخول في متاهة التأويل أوالتحليل، إلى لغة تعبير بسيطة، لغة أحاسيس داخلية، تصيغ حروفها وجملها على شكل عبارات الألوان. هكذا تلاقينا زرقة البحر، كرمز يقف حدا فاصلا بين الإنسان الإفريقي و حلمه باليابسة الأوروبية. لقد مرعبد الرحمان برشيد في بداية رحلته مع الفرشات والأصباغ مثلما مرت هجرته إلى المانيا قبل ان حط به قدره بحانته البوبيلا، بعدة محطات. فقد تشرد و تسكع على أبواب المنعطفات مثلما على لوحات رسامين أخرين، حيث نقل حرفيا بشكل سيئ وقلد بأسلوب باهت إلى أن استقر به المقام في محطة تعبيراته الذاتية. فمن بين الأدوات ، التي تبناها للتعبير في مصوراته و التي تعيد ذاتها وبكثافة في أعماله اللون الأزق، الذي يحاصر تقريبا كل رسومات برشيد، كقدر ملازم، و الذي تقول عنه كورينا غوماني: أزرق البحر، الذي’تجري فوقه يوميا أحداث مأساوية، غلى جانب ذلك هناك الأسوار، السياجات، الأسلاك الشائكة، و رؤوس باعناق طويلة، تتطلع إلى الأعلى و إلى البعيد. و جوه بعيون واسعة يأسرها الفزع تارة وترتد إلى داخلها تارة أخرى. بيوت مهجورة، تبدو من بينها أزقة تغرف في الغياب، نوافذ بشبابيك حديدية ومن خلفها ظلال و كأنها صيحات استغاثة تخترق الجدران السميكة. للنوافذ والأبواب أقواس، لكنها من دون حركة، بدون أحداث، لا تفصح عن أثر اصيص زهور’ولا عن الزهور نفسها. فقط شبح الغياب هو المسيطر على عوالم برشيد المطلسمة ، الغارقة أحيانا في ألوان النسيان القاتمة، حيث تعلوا الوجوه طبقات من ألوان الرماد الجانحة أحيانا إلى الشفقة. إن ساعات خلاء حانة البويبلا (الحدقة) من الوافدين ، تدفعني إلى الإغراق في غياهب داخلي، إلى التوغل في ماضي وحاضري، فأرى الشواطئ و المدن كلها فراغات غير متناهية. فبعد قضائي أزيد من ربع قرن من الزمن في هذه الحانة، التي أصبحت بالنسبة لي كحوض ماء وأنا كسمكة، لا يمكنني العيش خارجه ، تبلورت بيننا علاقة التمازج فصرت أنا البوبيلا والبوبيلا أنا’. يقول برشيد. فكل الحانات من حول الحدقة جرفتها السنوات وأسرتها في حبائلها، فتغيرت ملامحها وعاد أكثرها ظلا لذاته أو أستعارت أسماء و هويات جديدة. و مع تحول الأمكنة تتحول الوجوه، تصبح وثيقة ماضيها المتواري، صور ذكرها الغابرة، باستثناء حانة عبد الرحمان برشيد و مرسمه في ذات الوقت البوبيلا، لم تتآكل بفعل الزمن، لأنها من البدأ أنشأت في عالم الماضي. فقد بقيت وصاحبها بعيدين عن التحولات، متواريان عن آفات الأيام. ظلت ( الحدقة) متوشحة بأثواب نشأتها الأولى، مسربلة في بثنايا و طبقات خلقها الأصل و طقوسها، التي تحيى من تلقائيتها. بقيت كتحفة من عالم ستينات القرن الماضي، حيث أسدلت عليها ستار السرمدية الثابت، متحاشية كل متحول. ففي الوقت ، الذي استلم عبد الرحمان برشيد (باصرار من زوجته) الجنسية الألمانية، منح حانتهبوبيلا هي الأخرى هويتها المغربية الأبدية، المتمثلة’في طريقة واسلوب حياته، الذي يعكس الكثير من الهوية المغربية. فالتغيير لا يحدث إلا خارجيا أما داخليا فهو الدهر مذابا على ليل نهار. صارت زبائن تحل وتأتي وغيرها ترحل وتمضي، إلا مكان وزمان حانة الحدقة وصاحبها فهما غير متزحزحين. فما يوحدهما معا هو أن كلاهما اصبح صورة للآخر، مرآة تعكس هوية الآخر. لقد خلق عبد الرحمان برشيد على مر هذه السنين، من مكان عمله، ورشة إبداع، مساحة لمحاورة خلجاته الداخلية، سكنا في وقت الظروف الحالكة، ‘قاعة ولائم صغيرة إستقبال الأصدقاء القريبين منه جدا، يطبخ لهم الكسكسي والطاجين. لقد اصبحت منتدى للأمسيات الموسيقية و الأديبة، فسحة قضاء وقت فراغه. لا أدري، إن كنت تزوجتني أم حانتك البوبيلا، قالت له زوجتة ذات مرة. لقد بدأ يرسم، قبل شروعه في رسم لوحاته على الورق والثوب، على مرايا الحانة أولا، على جدرانها، على بوابات مراحضها، على جلد الدفوف المعلقة على حيطانها، على الكراسي، على مدخلها وعلى بوابتها الرئيسية، بل حتى على حاويات الزبالة و على كل ما أمكنه الرسم عليه في هذه الحانة. مع الأيام تحولت البوبيلا إلى قطعة فنية ثراتية ، أثرية ، ثرية بمصوراته ذاته الغنية بفيض من الألوان أو بمصورات غيره من الفنانين، الذين عبروا من هنا وخلفوا آثارهم . فمن يتخطي العتبة الفاصلة بين شوارع شرق مدينة هانوفر و حانة برشيد، يلج في وهاد متحف فني يفيض بثراء الرسومات، آلات الموسيقية، المصابيح المغربية المتدلية من السقوف بألوانها الشرقية الفاتنة، صور لوجوه إرتبط صيتها بالنضال من أجل الحرية، عبد الكريم الخطابي، تشي غيفارا، هوشمن، إعلانات فنية، شعارات لحركات التحرير المختلفة، منظمة التحرير الفلسطينية، الألوية الحمراء، أشعار، كتابات، أسطوانات أو أقراص موسيقية كشاهد على إجلال هذا الفضاء، المتميز في مدينة تميزها رتابتها المميتة. لم تكن حانة الرسام عبد الرحمان برشيد، معرضا دائما لإبداعات الرسامين من مختلف جهات العالم فحسب، أو مساحة للقراءات الشعرية و القصصية أو ركحا لعروض اعمال مسرحية، التي شهدتها مساءات هذا الفضاء الثر بحميميته و جنونه في ذات الوقت، بل كانت مقاما عابرا لنجوم عالميين مثل موسيقي البلوز جوني غيتار واتسون، الذي ولد في هوستن، ولاية تكساس الأمريكية سنة 1935وتوفي في يوكوهاما، اليابان سنة 1996 أومقاما دائما كما هو شأن عازف البيانو جاك دوبري، الملقب بالبطل، الذي ولد في نيو أوريان سنة 1909 و توفي في مدينة هانوفر سنة1992 كصديق حميم لعبد الرحمان برشيد ولا زالت لوحاته تحتضنها البوبلا’ كشاهد على عصرها الذهبي، أو المغنية الرومانية، ذات الصوت الرعدي بيك ماما، أو الرسام وموسيقي الفلامينكو الإسباني خورخي لكوارديا، اللذين تربطهما بعبد الرحمان برشيد صداقة فريدة.فكل هذه المحطات ، الأحداث ، الشخوص و المؤثرات التي عرفتها البوبيلا ومعها صاحبها إنعكست في معرض الرسام عبد الرحمان برشيد ، حيث استعمل، في غالب الأحيان دون وعي أو اصرار مسبق، ملامح من اساليب رسامين اخرين مثل الألوان الفاتحة في لوحات الرسامين الألمانيين كلي’ أو أغسطس ماكي’ أو العيون ذات النظرات الجانبية للروسي إفان الذي كان هو الاخر من بين من مروا من البوبيلا. لقد اكد برشيد من خلال معرضه ‘إزعاج ـ سلام’ أن الإبداع لا تحده الفواصل الثقافية وأن المبدع الحقيقي هو من تحركه الهواجس التعبيرية الداخلية، وأن الشهادات الأكاديمية والأبعاد الزمانية والمكانية لا تقف حاجزا امامه.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية