مصر ليست تونس واليمن ليست مصر وليبيا ليست اليمن وسورية لا تشبه احدالندن ـ ‘القدس العربي’: ودع السوريون عام 2012 بالاف من الضحايا وعشرات الالاف من المعتقلين والمدن المدمرة، التي تذكر بمدن الحرب العالمية الثانية، ويستقبلون العام الحالي 2013 بتحذيرات من ان اكثر من 100 الف شخص اكثر سيقتلون في الحرب الاهلية التي تتخذ طابعا طائفيا في كل يوم.سورية عام 2012 هي اخطر بقعة في العالم، فقد حلت محل العراق بعد الغزو، وهذا البلد لم تتوقف فيه الحرب الاهلية واحيانا يقتل فيه اعداد اكثر مما يقتل في سورية، لكنه بعيد عن اضواء الاعلام، ومثل العراق تحولت سورية الى مقبرة للصحافيين حيث قتل فيها 35 صحافيا حسب احصائية الفدرالية الدولية للصحافيين التي قالت ان المثير للخوف ان الصحافيين يستهدفون عمدا من الحكومة والجماعات المتقاتلة من اجل اسكاتهم.وما ميز العام الماضي هو لجوء النظام الى استخدام اقسى انواع العقاب على المدنيين، حيث تحول من الاعتماد على الدبابات بعدما خسر المبادرة في الميدان الى الجو، حيث قصفت طائراته الميغ والمقاتلة المدن والبلدات السورية، ولم تفرق القنابل بين المدنيين والمقاتلين. وفي مناطق اخرى قرب دمشق قام النظام بتجريف احياء سكنية شعبية بسبب عدم حصول الابنية فيها على تراخيص بناء، وكان الهدف الحقيقي من وراء هذه الخطوات هي معقابة الاحياء هذه لتعاطفها مع الجيش السوري الحر. تقدم بطيءبدأ العام بتقدم بطيء لقوات الجيش الحر، وسيطرة على مناطق الشمال، واحتلال مناطق كان الجيش السوري يستعيد المبادرة فيها، وانتهى بمعظم المناطق الريفية تحت سيطرة الجيش الحر. كانت الحرب في بداية الانتفاضة تعتبر لاهالي دمشق وكأنها تحدث في ارض بعيدة وانتهت والمقاتلون يقفون على ابوابها، ويتحدثون عن ساعة الحسم القريبة.كان عدد القتلى في بداية السنة الاولى من الانتفاضة التي تحولت الى حرب اهلية لا يتجاوز العشرة الاف او يزيد، وقفز العدد الان وحسب جماعات ترصد الاعداد الى اكثر من 40 الفا مع ان من يعيش داخل سورية يعرف ان العدد اكبر.كما تميز العام الماضي بالمذابح التي قامت بها جماعات الشبيحة من ‘الحولة’ الى ‘القبير، وبالمعارك الشرسة التي اندلعت في حمص اولا وحماة ثم ادلب والآن في حلب المقسمة الى امارات، ووصلت الحرب فيها الى حالة من الجمود منذ ان دخلها المقاتلون في تموز (يوليو) الماضي، اما دمشق فقد خسر النظام المناطق الريفية فيما تقدم المقاتلون في بعض الاحياء.كما جر النظام المخيمات الفلسطينية للحرب كما حدث في مخيم اليرموك الشهر الماضي، حيث شرد سكانه للمرة الثالثة ورحلوا الى المخيمات الفلسطينية في بيروت او الى الاردن الذي لا يرغب باعداد جديدة منهم.دم ولاجئون فمن بابا عمرو والحولة الى حلب ودمشق اتسم العام الماضي باستمرار نزيف الدم السوري، فيما استمر تدفق اللاجئين السوريين للدول المجاورة لتركيا والاردن ولبنان، وشردت الحرب مليونين داخل بلادهم يعيشون تحت رحمة البرد والجوع ويواجهون احيانا عصابات تستغل عجزهم وجوعهم. وعلى الرغم من محاولات توحيد فصائل الجيش الحر والاعلان عن هيئات تنسيقية ومجالس عسكرية موحدة الا ان طابع الانقسام وعدم التنسيق بين الفصائل ظل طابع العمل العسكري من جهة المعارضة المسلحة وبدا هذا واضحا في معارك حلب الاخيرة.ولعل العامل المهم في الانقسام هذا عائد الى التمويل الاجنبي الذي يحابي جهة على اخرى، اضافة للعامل الايديولوجي حيث تلعب الجماعات السلفية والجهادية الدور الاهم في الانتفاضة، فكتائب مثل لواء التوحيد واحرار الشام وجبهة النصرة لاهل الشام، تعتبر من اهم فصائل العمل العسكري في الانتفاضة وقد ادى هذا الى تبرير عدد من الدول الداعمة او المتعاطفة مع القضية السورية عدم تسليحها للجيش الحر بخوفها من وقوع الاسلحة في يد الجهاديين، بل ان امريكا التي دعمت الائتلاف الوطني الذي ولد ولادة قيصرية في العاصمة القطرية الدوحة ـ شهر تشرين الثاني (نوفمبر) واعترفت به اكدت انها لن تدعم الجيش الحر عسكريا. زلة لسان عن الاسلحة الكيماويةوالمزاج العام في اوروبا والغرب لا يدعم تدخلا عسكريا، كما في استطلاع للرأي اجري لصالح صحيفة ‘اندبندنت’ البريطانية، حيث اظهر ان نسبة 48 بالمئة من المشاركين تعارض تسليح المعارضة السورية. ولوحظ ان الاعتراف الامريكي بالمعارضة كممثل للسوريين، قرن بتصنيف فصيل جهادي فاعل في الانتفاضة كحركة ارهابية، وبالاضافة للخوف من الجهاديين فتح موضوع السلاح الكيماوي السوري، حيث اعترف النظام وبزلة لسان من المتحدث باسم الخارجية، جهاد مقدسي، الذي قال ان الاسلحة لن تستخدم الا في حالة تعرض البلاد لعدوان خارجي. ومع ان الخارجية عادت وقالت ان كلامه اخرج عن السياق، الا ان الدول الغربية اخذت تتحدث عن السلاح الكيماوي، وحذر باراك اوباما سورية بأن الاسلحة هذه ‘خط احمر’، وانتشرت تقارير وتكهنات حول قيام سورية بنقل بعض الاسلحة من مواقعها، وما قيل ان الاستخبارات الامريكية والغربية عن تحركات غير عادية حول بعض المواقع قد رصدت، كما استخدمت المعارضة الموضوع في حربها الدعائية على النظام في هذا السياق، وارسلت الدول الغربية فرقا استخبارية للعمل من الدول الجارة لسورية لمراقبة تدفق الاسلحة للمقاتلين ومراقبة التحركات حول المواقع التي تخزن فيها الاسلحة الكيماوية، ثم عادت الولايات المتحدة وقالت انه لا توجد اشارات جديدة عن امكانية استخدام هذه الاسلحة، لان النظام وحسب ليون بانيتا وزير الدفاع الامريكي قد فهم الرسالة الامريكية. انشقاقات مستمرة دفع النظام في العام الماضي ثمنا فادحا للحرب، حيث يخسر الالاف من جنوده في المعارك، وبسبب الهروب والانضمام للمعارضة، مع ان الانشقاقات لم تكن جماعية وعلى قاعدة واسعة ولم تشهد المؤسسة العسكرية والامنية انشقاقات على مستوى النخبة سوى العميد مناف طلاس احد قيادات الحرس الجمهوري، واخيرا قائد الشرطة العسكرية عبدالعزيز جاسم الشلال، اما على مستوى القيادة السياسة فقد انشق رياض حجاب، رئيس الوزراء لاشهر فقط، ونواف الفارس، الذي كان سفيرا في بغداد، ولا يزال خروج جهاد مقدسي من سورية محل جدل، ان كان انشقاقا او اجازة كما تقول السلطات السورية، مع ان صحيفة ‘الغارديان’ قالت ان الاستخبارات الامريكية (سي اي ايه) ساعدت في خروجه، وقد نفت الخارجية الامريكية وجوده على الاراضي الامريكية.وانتشرت شائعات عن انشقاق فاروق الشرع، نائب الرئيس التي سرعان ما بددت. وفي مقابلة مع صحيفة لبنانية الشهر الماضي دعا الشرع الجميع للتوصل لتسوية تاريخية تنقذ الوطن.ماذا نفعل بالاسدهذه التسوية غائبة الان في ظل تعنت الطرفين، ولهذا فشلت خطة كوفي عنان الذي اعترف بفشله واستقال ويحاول المبعوث الجديد الاخضر الابراهيمي التوصل لتسوية من خلال اقناع الطرفين وتجنيب البلاد حربا اصبح تأخذ طابعا طائفيا.ولعل مكمن الخلاف يدور حول دور بشار الاسد في سورية في اي حل، فالمبادرات التي تقدمت بها روسيا، الحليف القوي له، لم تشر الى مصيره، ولكن المعارضة مصرة على رحيله. ولكن كيف ومتى والى اين سيرحل الاسد، هذه اسئلة ظلت محل تكهنات وتقديرات امنية وتسريبات، حيث قيل ان ساعة الاسد اقتربت وانه راحل لا محالة، واعطى تقدم المعارضة لاطراف دمشق زخما لها، حيث قيل ان الاسد لن يبقى سوى اسابيع او اشهر في الحكم، وقيل ان معركة دمشق قد تسفر عن مقتله او رحيله لمناطق اجداده العلويين واعلان دولة هناك، وقيل ان فيصل مقداد طاف دولا في امريكا اللاتينية وكوبا حيث حمل رسائل ومحاولات استكشاف لاستقبال الاسد.وفي الوقت الذي برزت ملامح تغير على داعمي الاسد، خاصة روسيا التي اعلن رئيسها فلاديمير بوتين ان موسكو ليست معنية ببقاء الاسد ولكن ما يعنيها هو مستقبل سورية، الا ان روسيا لم تعلن عن تخل واضح عن الاسد، فيما تحاول ايران التي تزود النظام بالسلاح والمستشارين العسكريين الحفاظ على النظام، وهذه هي الاخرى تحاول قراءة المشهد للمرحلة القادمة وتريد ان يبقى الاسد حتى نهاية ولايته عام 2014.وعلى العموم فقد انتهى عام 2012 والاسد يستعصي على التكهنات، رغم ما قيل انه معزول وسجين نفسه وان القرارات لم تصدر عنه بل عن مجموعة من القيادات العسكرية ‘العنيدة’ التي ورثها عن نظام والده، حافظ الاسد. ومهما يكن فبنية النظام لا تزال قوية مع انها تلقت ضربة قوية بتدمير مجلس الامن القومي، الذي قتل فيه داوود راجحة وزير الدفاع وآصف شوكت، نائبه وصهر الرئيس، وحسن تركماني رئيس خلية العمليات، وهشام بختيار رئيس مكتب الامن القومي واصيب اخرون في 18 تموز (يوليو) حيث اعتبر التفجير التي لم تعرف تفاصيله ضربة قوية تلقاها النظام ولكنه تعافى منه واستمر في حربه على المعارضة. ميدان حروب بالوكالةفي نهاية عام 2012 تبدو سورية كأخطر بقعة على وجه الارض، حيث تحولت الى ساحة للتجاذب الاقليمي والدولي، حروب بالوكالة بين اللاعبين الاقليميين، السعودية وايران وتركيا، وتغذيها دول خليجية واثرياء يختارون الجماعة التي يتبرعون لها، اما دوليا فبين روسيا والولايات المتحدة وحلفائها.كل هذا في ظل فشل المعارضة الاتفاق على اجندة موحدة وتوحيد للصفوف بين الداخل والخارج. في نهاية عام 2012 وعلى الرغم من التقدم الذي حققته المعارضة الا ان الازمة السورية دخلت مرحلة من الجمود، لا يمكن لاي طرف فيها تحقيق الانتصار عسكريا على الطرف الاخر ولا بد من الحل السياسي. وحتى الآن لا امل في الافق مع ان وائل الحلقي رئيس مجلس الوزراء السوري قال ان الحكومة سترد ايجابيا على اية مبادرة تنهي الازمة المستمرة منذ 21 شهرا. في النهاية فالوضع السوري لا يزال عصيا على التكهن، والمؤكد ان النهاية ليست قريبة لان مقولة الربيع العربي هي’ مصر ليست تونس واليمن ليست مصر وليبيا ليست اليمن وسورية ليست ليبيا’.qarqpt