لسان العربية وعيون غربية

حجم الخط
0

نتوه فيها كثيرا، ونكتب عنها قليلا، وتكون شريك القلم، ولا نذكرها بالنعم، كاسمي لا انطقه، وينطقه كل من يعرفني، حروفها من ذهب، أنارت طريق المعرفة منذ الأزل. فجاء القرآن بلسان عربي يخاطب كل مسلم في بقاع الأرض، لتسمى لغة القرآن، وامتداد لحضارات سامية من اصل شبه الجزيرة العربية إلى أصقاع المعمورة، وعززت دورها في وسط العالم، لتكون حلقة وصل بين أسيا وإفريقيا وباقي القارات. هذه اللغة التي ينطق بها أكثر من 420 مليون نسمة حول الارض، احتوت على 80 الف مفردة حسب معجم لسان العرب لابن منظور في القرن الثالث عشر ميلادي، بالمقابل فان أول قاموس لغة انجليزية لصموئيل جونسون في القرن الثامن عشر، ذكر 40 الف مفردة وهي بذلك أغزر اللغات من حيث المادة اللغوية. ولو تحدثنا عن سبب تراجع انتشارها، بالتأكيد سنخوض في تاريخ العالم، سنجد ان الحملات والاستعمار والاحتلال على مر العصور ساهم بشكل كبير في تقليص انتشار هذه اللغة، التي امتدت إلى أوروبا الشرقية واسبانيا والبرتغال وشرق أسيا وإفريقيا وعديد من الدول التي اعتنقت الإسلام، وكان لدخول المغول العراق وإسقاط الدولة العباسية وإحراق معاجم وامهات الكتب العربية بالغ الأثر في وقف الامتداد والانتشار في زمن اللاتكنولوجيا – التي سرعت في عملية طباعة ونشر اللغة حول العالم، فكانت مخطوطات اليد هي الوسيلة و أساس لنشر العلم العربي والمعارف ومختلف العلوم التي أثرت في الغرب وتركت بصمتها في مختلف مجالات الحياة، وملهمة المفكرين الغرب في التاريخ المعاصر نحو اكتشافات صنعت المجد من الرياضيات والعلوم الإنسانية والطب حتى الطيران وعلم الفلك. وجاء الاستعمار المعاصر للدول العربية ليساهم في الحد من هذا الانتشار، كان أطوله استعمار الجزائر الذي دام 130 عام، ومحاولة فرنسة اللغة، فقال الفرنسي جاك بيرك، إن أقوى’القوى التي قاومت الاستعمار الفرنسي في المغرب العربي هي اللغة العربية، بل’اللغة العربية الكلاسيكية الفصحى بالذات، فهي التي حالت دون ذوبان المغرب في فرنسا، إن الكلاسيكية العربية هي التي بلورت الأصالة الجزائرية، وقد كانت هذه الكلاسيكية العربية عاملاً قوياً في بقاء الشعوب العربية في مقابل الفرانكفونية التي تحاول صقلها فرنسا للمستعمرات الإفريقية لفرنستها، أما الانجليزية فحافظت على الانتشار باعتبارها قوى عظمى آنذاك استطاعت أن تفرضها على باقي المستعمرات بعد ان اعتبرت اللغة الأولى في أوروبا والجامعة بين تلك الدول. وقد تأثر المستشرقون باللغة العربية كانبهارهم بحضارات الشرق، وكانت أساس لاكتشاف خبايا هذه الحضارات والإلمام باللغة العربية التي جمعت بينهم بل وأدت إلى ترابط قومي كان أقوى من الحدود والمسافات، فقال المستشرق الألماني فرنباغ. ‘ليست لغة العرب’أغنى لغات العالم فحسب، بل إن الذين نبغوا في التأليف بها لا يكاد يأتي’عليهم العدّ، وإن اختلافنا عنهم في الزمان والسجايا والأخلاق أقام بيننا’نحن الغرباء عن العربية وبين ما ألفوه حجاباً لا يتبيّن ما وراءه إلاّ’بصعوبة وهذا يظهر ما تأثرهم بهذه اللغة وخباياها وألغازها ومفرداتها. وقد بقيت هذه اللغة في غرب أوربا لشبه الجزيرة الأيبيرية الأولى لمدة 800 أثناء حكم الأندلس حتى سقطه وتركت بصمة وقيمة علمية تمثلت في كنز المخطوطات المحفوظ حتى اليوم اسبانيا ودول أوروبا، أما قيام الدولة العثمانية شرق أوروبا بعد سقوط القسطنيطينية عاصمة البيزنطيين عام 1453 شكلت تحول كبير في انتشار اللغة العربية والتي حكمت باسمها الدولة العثمانية ولاياتها حتى الانهيار. ولكن علينا أن نعترف بأنها لم تشكل اللغة الأولى في العالم الآن رغم أنها الأقدم والأعرق ويرجع ذلك لعوامل كثيرة وكبيرة وتحولات ومعطيات ساهمت من حد الانتشار ذكرنا قليلا منها، إلا أن العالم يعتبر أنها أجمل واكبر لغات العالم في المحتوى والتفسير والدقة، وملتقى حضارات كثيرة أوصلتها بالغرب، فأشار ماريو بِلْ’مؤلف كتاب'(قصة اللغات)’بأن العربية هي اللغة العالمية في حضارات العصور الوسطى، وكانت رافداً عظيماً للإنكليزية في نهضتها وكثيرٍ’من الأوربيّات، وقد أورد قاموس Lire قوائمَ بما اقتبسته هذه اللغات من مفرداتٍ عربيةٍ، وكانت أولها الإسبانية ثم الفرنسية والإيطالية’واليونانية والمجرية وكذلك الأرمينية والروسية وغيرها، ومجموعها 27 لغة، وتقدر المفردات بالآلاف، وبذلك تكون العربية هي اللبنة الأولى ورافدا من روافد النهضة العالمية برونقها الكلاسيكي. واليوم قد نتهافت لدراسة اللغات الأخرى وعلى رأسها الانكليزية باعتبارها لغة تواصل مع العالم إلا أني أرى أن العربية هي التي تفرض نفسها في عالم العولمة وكثيرا من يبحثون في علمها ومعرفتها، وحان الوقت الآن كعرب أن نعزز دورها الأكبر، ونكتفي بالترجمة الحديثة لأي لغة عالمية، لتبقى لغتنا هي الأولى في العالم ومن يريد ان يفهمها عليه هو ان يبحث عنها مثلما نبحث، وحان وقت مؤتمر يجسد ذلك الارتباط بها من خلال فهم مفرداتها والحد من حد انتشارها. عبد الحميد أبو النصرqmn

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية