‘غزوة صناديق’ مضت وأخرى تأتي ولا يتعظ المسؤول

حجم الخط
0

محمد عبد الحكم ديابفور دعوة عصام العريان عضو مكتب الإرشاد ونائب رئيس حزب الحرية والعدالة الإخواني، اليهود للعودة إلى مصر تخيلَت قناة فكاهية (كوميدية) مصرية حوارا قصيرا بينه وبين الفنان عادل إمام على النحو التالي:العريان: إحنا عايزين نرجع اليهود.إمام مستفسرا: يهود مين؟العريان شارحا: اليهود المصريين فـي ‘إسرائيل’ويرد إمام ساخرا: يعني تكفروا المسلمين وتهجروا المسيحيين وعايزين ترجعوا اليهود؟حوار ساخر يحمل روح فكاهة مصرية معتادة؛ لكنها مرة وسوداء مثل مذاق ولون السياسة الراهنة، وهي تعكس ما يجري في أرض الكنانة ويصدق عليه قول أبي الطيب المتنبي: كم ذا بمصرَ من المضْحِكَاتِ.. لكنه ضَحِكٌ كالبُكَا سارع أبرز قادة ‘الجماعة الإسلامية’؛ الأخَوَان الزمر؛ طارق وعبود، وبررا الدعوة ودافعا عنها، وزاد القيادي الإخواني وعضو مجلس الشعب الأسبق حمدي حسن في القصيدة بيتا في برنامج ‘العاشرة مساء’ الأسبوع الماضي على قناة ‘دريم’ حين قال، لو أن القضاء المصري حكم لليهود بالتعويض فهذا حقهم. وأين حق الفلسطينيين، الذين أغتصبت أراضيهم؟ وأين حق الأسرى المصريين الذين اغتيلوا غيلة بأيدي وتعليمات العسكر الصهاينة. وما صرح به عصام العريان جاء تعبيرا عن رأي الجماعة، ولم يكن رأيا شخصيا، على الرغم من نفي مراجع عليا داخلها وداخل حزب الحرية والعدالة؛ هناك من تبرأ من تبعات التصريح وعمل على التخفيف من آثاره الجانبية. وهذا ما أكد عليه الصديق والأخ حسنين كروم في تعليقه ليوم الخميس الماضي، وهو يعرض للصحافة المصرية، بوصف التصريح بأنه موقف انتهت إليه الجماعة وحزبها ورئيسها.وهذا أسلوب معروف ومعتاد قبل اتخاذ القرار في أعلى هرم الجماعة تمهيدا للعمل به، ويبدأ بجس النبض وينتهي بالزام الأعضاء به، ويأتي في نفس الوقت معبرا عن ‘تقية’ وعاكسا لأوضاع ملتبسة ومعقدة ومتداخلة، وهناك من لا يستوعب هذا ويرجعه إلى أولويات وُضِعت في غير مكانها، وإلى نمط من التفكير لا يقبل بالمنطق ولا بالحقائق على الأرض، ويتعامل مع الرأي العام وكأنه كتلة صماء غير واعية، ولا يحسب حسابا لقضايا أخرى أهم، وبذلك فقدت السياسة رشدها، وضاعت منها بوصلة التوجيه الصحيح. وهذا زاد من التضارب والغموض، الذي أصبح يلف كل شيء، وهذا هو أسلوب الإخوان منذ أن تحولوا من المعارضة إلى الحكم. وسط هذا المناخ يسأل البعض عمن هو صاحب القرار الفعلي في إدارة البلاد؟.. هل هو في مكان ما داخل مصر؟ أم أن هناك من يمسك بالخيوط من خارجها؟ هل هو ‘التنظيم الدولي’ (الأممي) للجماعة؟، وهل هو مسؤول عربي يعمل لحسابه؟ أم أنه مجرد عراب وسمسار يعمل لحساب سيد يحركه عن بعد في مكان ما من شمال العالم أو غربه؟ وهل بقي بين المسؤولين العرب من يملك زمام نفسه، ويقدر على تحديد مصيره ومستقبله وليس مصير مصر ومستقبلها؟ وما علاقة هذا أو ذاك بشؤون مصر وتعقيداتها وتداخلاتها؟ هل الخيوط تمسك بها هذه العاصمة الغربية أو تلك؟ أم أن واشنطن هي صاحبة القول الفصل؟ أم هي تل أبيب؛ الأقرب إلى عقل ومصالح وهوى واشنطن؟ وكثير منا يعرف أن الدولة الصهيونية تعلو في المكانة فوق المصالح العليا والاستراتيجية للولايات المتحدة؟ ورغم كل هذه الأسئلة، التي لن تجد ردا شافيا فإن الصورة تبدو من الداخل غير ذلك.لقد تفرق دم مصر بين قبائل وبطون مذهبية وطائفية، بما لها من روابط ومصالح إقليمية ودولية، وهي قبائل وبطون، إذا جاز التعبير، تهيمن وتسيطر على مقدرات ومجمل الوضع السياسي والاقتصادي والإعلامي منذ ما قبل انتصار ‘غزوة الاستفتاء’ الأخيرة، وهي الخامسة في سلسلة ‘غزوات الديمقراطية’! بدأت بـ’غزوة الصناديق’ في استفتاء 19 اذار (مارس) 2011، ثم غزوتي مجلسي الشعب والشورى، حتى غزوة الرئاسة، وانتهاء بغزوة الاستفتاء الأخيرة على الدستور الطائفي والمذهبي المعيب. ونجاح الغزوات كان سببا في قسمة الشعب بين الإيمان والكفر، وفي نشر دعاوى الاستقرار الكاذب، والعمل غير المتاح، والإنتاج غير المتوفر، ودعاوى عودة الحياة إلى طبيعتها، لكنها لم تعد. وما تكاد البلاد تخرج من عثرة حتى تسقط في جب. ودخلت دوامة أزمات لا تتوقف؛ كل أزمة تسلم للأخرى، ولم يكن علاج الصناديق ناجعا، ومع كثرة الغزوات ازدادت الأوضاع سوءا وانهيارا، وكان كل انتخاب أو استفتاء يزيد الأوضاع تفاقما، وتصورها الناس حلا فإذا بها عقدة مضافة إلى العقد المستحكمة، وصارت ‘غزوات الصناديق’ مطلوبة لذاتها، وفي سبيلها ارتكبت خطايا وجرائم مكررة ومستحدثة، وصارت عبثية؛ لإطالة الوقت، واستنزاف الطاقة، وإشغال الناس عن أحوالها الحياتية والمصيرية، وإلهائها عما يدور فيها وحولها، ومخططا لها من تفتيت وتقسيم واقتتال أهلي.ولقد تفرق دم مصر في الداخل بين الشيخ محمد بديع المرشد العام لجماعة الإخوان، ورجل الجماعة القوي خيرت الشاطر نائبه، ومحمد مرسي شاغل منصب رئيس الدولة، وسعد الكتاتني رئيس حزب الحرية والعدالة، وعصام العريان نائب رئيس الحزب، ورجل الظل القوي محمود حسين الأمين العام والمشرف على ‘التنظيم الخاص’ والممسك بزمام العنف ورجاله، وصاحب الكلمة في تحريك المليشيات؛ المدربة على السلاح والقادرة على استعماله، وهذا صنع للجماعة ألف مخلب، وجعلها تظهر بألف وجه، وتتخفى خلف ألف قناع، وبنت حزبا بألف لسان وألف يد، وهذا يصب في النهاية في قناة السيطرة والتمكين من مفاصل الحكم والدولة بكل الطرق المشروعة وغير المشروعة.وذلك انعكس على كل شيء في مصر، بدءا بالفوضى، وانتشار البلطجة، وتفاقم البطالة، واستفحال الأزمة الاقتصادية، وتصاعد وتيرة اغتيال الثوار وتحديدهم من بين مئات وآلاف المتظاهرين والمحتجين، وتعاني مصر من أهوال تنفي ما قيل ويقال من تصريحات وردية عن حال الاقتصاد وعن أزمة الدولار العابرة من وجهة النظر الحكومية، وصعوده الصاروخي بعد الاستفتاء على الدستور والانهيار السريع لسعر صرف الجنيه، وبالتبعية فإن وضع الاقتصاد وعملية التمكين الجارية على قدم وساق قد وضع جماعة الإخوان على المحك. وتأتينا الوقائع فتمدنا بحقائق تدحض كل شهادة مجروحة وكل قول مغرض، ولنتأمل ذلك المشهد في الطوارئ التي أعلنت فجأة في مطار القاهرة مساء الأربعاء الماضي 2/1/2013، وصدور تعليمات لقرية البضائع بالمطار لاتخاذ الإجراءات المشددة لتأمين وصول 200 مليون دولار قادمة من سويسرا لحساب ‘البنك الأهلي المصري’ لمواجهة السحب المتزايد على الدولار، الذي أصابته الحمى فور أن وضعت ‘غزوة الاستفتاء’ أوزارها. قالت الأخبار ان الأموال وردت في 125 طردا أشرف على استلامها واحد من كبار مسؤولي البنك الأهلي، وحملتها ثلاث سيارات مصفحة، من تلك المصممة لنقل الأموال، إلى مقر المصرف بوسط القاهرة، في هذه الأثناء لم يَخل الأمر من اتهامات متبادلة بين البنك الأهلي وشركات الصرافة؛ كل منهما يتهم الآخر بافتعال أزمة نقص الدولار في السوق ليحقق مكاسب من ارتفاع فرق صرف العملة الأمريكية، وهذا يذكرنا بما حدث للدولار في عام 2003، حين ارتفع من 3.40 جنيه لكل دولار ليصل إلى 6.2 جنيه مرة واحدة، وكان وراء تلك الصدمة المالية المفاجئة جمال مبارك وفريقه، وحقق أرباحا طائلة جراء ذلك الارتفاع، الذي لم يكن مبررا وقتها، ويبدو أن الملعب إذا خلا من سمسار ومضارب بمستوى جمال مبارك فسرعان ما يحل محله ألف سمسار ومضارب من بين ملوك الطوائف وأئمة المذاهب، الذين يحكمون مصر وتنزل عليهم الأموال من كل فج بغير حساب.كان عاطف عبيد رئيس الوزراء الأسبق هو أداة جمال مبارك في تنفيذ تلك العملية المشبوهة، وما يجري قد لا يكون مختلفا، وهو تكرار لنفس السيناريو مع فارق الاختلاف في شخوص أصحاب القرار والقائمين على الحكم. ولا ننسى أن قيمة الدولار كانت في ستينات القرن الماضي 36ر0 من الجنيه. وبينما يحدث هذا على جبهة الاقتصاد والمال فهناك مقدمات لإعادة إنتاج الدولة البوليسية، التي أسقطتها الثورة، واستعادة القبضة الحديدية، ورد الفعل على ما تسرب من تفاصيل حول مشروع قانون منع التظاهر، وتأييد عمرو موسى له، وهذا يعني أن الدكتور محمد مرسي مستمر في التخلي عن تعهداته، وفي الحنث بأيمانه التي أقسم بها، وفي نقض المواثيق التي وقعها، وهو الذي شجع أتباعه على إقامة غرف التعذيب داخل بوابات قصر الحكم عيانا بيانا، ودفع بحلفائه وأنصاره لمحاصرة المحكمة الدستورية العليا، وزج بهم للاعتداء على مدينة الانتاج الاعلامى وحصارها، وترويع المتظاهرين، وما زالوا يواصلون الهجوم على القضاء والإعلام الحر، ويسنون تشريعات تعادي المصالح العامة، وتهمل الكادحين من طبقات الشعب، وهو الذي أصدر قانون ‘حماية الثورة’ للتصدي للثوار ومؤيديهم، ويعمل رجاله على تعديل قانون النقابات العمالية؛ حتى تتمكن السلطة التنفيذية من حلها، بعد الانفراد بالدستور وصياغته على هوى ملوك الطوائف وأئمة المذاهب.وُصفَت مبادرة تأييد عمرو موسى من جانب حزب ‘التحالف الشعبى الاشتراكي’ بأنها تنطلق من أوهام صاحبها، فليس بوسعه ولا بوسع أي من أطراف جبهة الانقاذ مجتمعة وقف حركات الاحتجاج السياسي والاقتصادي والاجتماعي التي تفجرها أوضاع الحرمان والاستبداد والظلم.. وتمثل المبادرة ‘أقصر طريق لتفكيك جبهة الانقاذ وانهيار الثقة فيها’، وعليها ‘احترام التفاهمات التي صنعت الجبهة وأكسبتها مكانتها حتى لا يجدوا انفسهم خارجها، فهي لم تتشكل لغرض وقف الاضرابات والاحتجاجات وخيانة الثورة والشعب الذي منحها ثقته’.هذا بعض ما يسبق ‘غزوة الصناديق’ القادمة مع انتخابات مجلس النواب، المتوقعة خلال أشهر قليلة، ولن تخرج عن هدف الإنهاك وضياع الوقت واستنزاف الطاقة، وشل الثورة والقضاء عليها؛ في الوقت الذي يستعد فيها شباب الثورة ورجالها ونساؤها لإحياء ذكراها الثانية هذا الشهر، وليؤكدوا أن القضاء على الثورة ليس عملا سهلا، وحين نقول هذا نجدهم يتمادون، وكأن المسؤولين لا يرون ولا يسمعون ولا يتعظون، ويصدق عليهم قول الشاعر: ‘لقد أسمعت لو ناديت حيا ولكن لا حياة لمن تنادي.. ونارا لو نفخت بها أضاءت ولكن أنت تنفخ في رماد’.’ كاتب من مصر يقيم في لندنqraqpt

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية