ثقافة التسطيح

الثقافة ليست إلا سمواً وارتقاءً ولا يمكن تصورها إلا كمحاولة للنهوض بالحس الإنساني والبشري، لذلك فإن الأمر يبدو متناقضاً حين نتحدث عن ثقافة التسطيح، أو عن تسطيح الثقافة، لكن، وللأسف، فإن ذلك صار ملازماً للصناعات الثقافية في جميع أوجهها ومساراتها إلا في النادر القليل الذي يبدو بدوره شاذاً.
لقد توسعت النخب الإعلامية في تسميم الأجيال الجديدة بالكلمات السوقية في الغناء والمسلسلات والسينما، وأصبح دور المصنفات الفنية التقييمي والمراقب دوراً غامضاً، وهي تعجز، أو لا تريد، أن تضع حداً لكل ذلك القدر من الإسفاف، فكأن شعار غالبهم يقول: طالما أنك لا تتحدث في السياسة ولا تنتقد الحاكم المبجل فلتفعل ما تشاء..! لقد أصبح التنافس في الابتذال مفروضا على الأسرة العربية فرضاً، فالأفلام التي كان يشاهدها الكبار بالفيديو سراً، بعد أن ينام أطفالهم، أصبحت اليوم معروضة وبنصها الكامل نهارا، بل في نهار رمضان بدون حتى تحذير يسبقها من وجود مشاهد غير مناسبة أو لقطات عارية. لقد نجح كل ذلك في تغييب الحياء عن العائلات التي تربت على الجلوس لساعات أمام الشاشة الصغيرة، حتى أنها لم تعد تستنكر هذه المشاهد، كما لم يعد يخجلها أن تأتي ضيفاً عليهم فيمر مشهد حميم أمام الجميع، بدون أن يحاول أحد تمريره أو حتى تغيير المحطة لدقائق.
القائمون على أمر القنوات الفضائية لم يكتفوا بكل ذلك، بل اتجهوا لمخاطبة جيل الأطفال والمراهقين ببرامج مستوردة صنعت لبيئة غير بيئتهم وثقافة لا تخصهم، فمن حديث عن «البوي فرند» إلى العلاقات المريبة مروراً باللعب على العقائد والأديان بنقل شعائر أو كلمات لا يرددها مؤمن.
منتقدو هذا النوع من الإعلام الساقط يركزون في حديثهم على الإعلام المصري الذي هو الأكبر والأعرق وصاحب التأثير الأهم على وجدان المنطقة، وكل ذلك لا يمكن نكرانه حيث تظل مصر منبع الفن الراقي والهابط في الوقت ذاته، لكننا يجب ألا ننسى أن هذه الظاهرة التي تعتمد على التسطيح واستغلال الهمة والنشاط في متابعة أخبار الممثلين والممثلات والمغنيين والمغنيات وغيرهم من نجوم المجتمع السطحي، هذه الظاهرة ممتدة في غالب بلدان المنطقة إذا لم أقل، حياءً، كلها..!
ليس فقط الدول الغنية التي تجد الوقت والمال لرعاية برامج التسلية والأغاني والترفيه، بل حتى الدول ذات الإمكانيات المتواضعة والاقتصاد المتعثر الفقير تعمل على الاقتطاع من ميزانياتها المحدودة أصلاً من أجل اكتشاف مواهب الغناء الجديدة كأولوية قصوى. والمتابع للقنوات المختلفة يكاد يجزم أن اهتمام العرب بالغناء يفوق اهتمامهم بكل ما عداه، حتى لو صح ذلك لدى عدد كبير من الشباب، فإن السبب الرئيس هو طرق الإعلام المسموم على هذا الوتر حتى يظن غير المتابع لأخبار الفنانين ونجوم الطرب أنه في خسران مبين. هنا أذكر مقالاً قديماً لأحلام مستغانمي بعنوان: «بلاد المطربين أوطاني» حكت فيه كيف أن العرب في التسعينيات كانوا يهتمون بأغنية الشاب خالد حتى أنهم كانوا يحسون بأن عليها أن تفخر كونها من بلد الشاب خالد صاحب الأغنية ذائعة الصيت آنذاك: دي دي واه..!
الحقيقة المحزنة التي قررها مقال مستغانمي هي أن الجزائر لم يعد يمثلها الأمير عبد القادر ولا حتى جميلة بوحيرد، كما أن مصر بكل تاريخها صارت مختزلة في نجوم التمثيل والغناء، وقل مثل ذلك عن معظم البلاد العربية، أما تلك التي لم ينبغ فيها فنان فلا يهتم لأمرها أحد. لكن هناك حقيقة محزنة أكثر، وهي أننا في أزمة حقيقية ولّدها ذلك التعاون بين الفنانين الهابطين وبين تيارات رسمية في الدول العربية، رأت أن تبسيط عقول الشباب وجرهم للاهتمام بسفاسف الأمور هو الكفيل الوحيد لشغلهم عن التعلق بأخبار أمتهم، أو الاهتمام بالتفكير في أحوالهم، مما يسهل على ولي أمرهم عمليات التدجين والاستغلال.
للأزمة مظاهر كثيرة منها التدافع لمقابلة فنان مشهور أو مطرب في حين يزهد الجميع في مقابلة مخترع مبدع أو مفكر أو حتى شاعر كبير، وهذا الأخير له قصة أخرى فهــــو لن يعترف به كشاعر كبير إلا إذا تحول شعره ذلك إلى أغــاني ناجحة، ولن تكون تلك الأغاني ناجحة إلا إذا كانت على شاكلة «بوس الواوا» و»سيجارة بني». هؤلاء الهابطون والساقطون لم يعودوا يكتفون بتقديم بضاعتهم ثم ينصرفون، بل باتوا يحاولون بشكل دؤوب السيطرة على المجتمع وقيادته وتغيير أولوياته.
إن برنامجاً مثل مقالب «رامز» التي اعترف بعض المشاركين فيها بأنهم كانوا يعلمون مسبقاً أنه مجرد مقلب، مثل هذا البرنامج، وسواء كان حقيقة أو تمثيلاً صادقاً لحقيقة أولئك المبدعين يمكن ان يعتبر مثالاً واضحاً على المستوى الذي وصلنا إليه، فهنا يترك المتفرج ليستمع إلى شتائم ممثليه الكبار النابية التي ترقى أحياناً لسب الدين ولكلمات بمستوى السوق والشارع. أيضاً فإننا نكتشف كم هم جهلاء أولئك الذي يسير الآلاف خلفهم ويحاولون تقليدهم حتى في طريقة مشيهم، فهم أناس بلا ثقافة وجهلة في غالبهم حتى بأبسط الكلمات الإنكليزية.
هنا قد يقول قائل إن ذلك لا يعيب أحداً أن يكون جاهلاً باللغات الأجنبية، والرد على ذلك أنه فعلاً لا عيب في كل ذلك، إذا كان ذلك الممثل قانعاً بدوره في الحياة كمجرد «مشخصاتي» يحفظ دوراً ويؤديه، لكننا اليوم مع أناس يفرضون أنفسهم عند الحديث في الثقافة والفكر والسياسة، بل حتى في الدين الذي يظنون أنهم يحفظونه أكثر من علمائه، مما يجعلهم يتورطون في عبارات ومقاطع لا تدل إلا على الجهل المقيم.
هؤلاء الذين قدموا لنا «الكثير» عبر الشاشات والإذاعات أصبحت لهم طموحات أكثر سياسية واجتماعية، وهم عازمون على سحب البساط من العلماء التنويريين والمثقفين الحقيقيين. في ظل هذا العبث لا نستغرب موجة المسلسلات العارية في اللباس والألفاظ بحجة الاقتراب من المجتمع، الذي يتم تصويره كأنه مجتمع ساقط لا يراعي حرمة ولا يحمي ثقافة ولا يستند إلى دين. ولأن السياسة لا تنفصل عن الفن، فإننا يمكن أن نلاحظ بوضوح الرسائل التي يسعى القائمون على هذه البرامج إيصالها، ويتضح أن كل هذا السفور في المظهر وفي الكلمات، إنما هو لجذب المتلقي من أجل حقنه برسالة صغيرة يتم تمريرها إلى عقله الغائب خلف أحداث ما يشاهد.
لم أشاهد على سبيل المثال مسلسل «حارة اليهود» لكنني سمعت إشادة به من يهودية مصرية ومن قيادات في الكيان الصهيوني، والغريب أن تلك الإشادة كانت في بدايات العرض، فهل كان حكم أولئك على المسلسل نابعاً من حكمهم على الحلقات الأولى، أم أنه تم التشاور معهم على السيناريو مسبقاً، بحيث لا يتضمن ما يسيء للأصدقاء الجدد؟ نعم، نحن وهم أصبحنا، ولأول مرة، أصدقاء وحلفاء متعاونين في محاربة عدو واحد هم المتطرفون المسلمون. وإذا كان الموقف هنا واضحاً فإن الأكثر غموضاً هو دور اليهود في مسلسل «باب الحارة» السوري الذين تم تصويرهم في الحلقات الأخيرة كمثال للوطنية والنبل والكرم والشجاعة.
هذا الخلط المتعمد مقصود لذاته وحينما يتم تفريغ العقول فإن بالإمكان حشوها بكل فكر من أي منبع كان، كما يمكن تسويق كل شيء ببساطة وتبسيط، وكلنا نذكر كيف وجد أحد المذيعين في نفسه الجرأة ليحكي قصة مفادها أن الأخوان المسلمين هم من كانوا سبب خروج المسلمين من الأندلس، في حين مرر آخر معلومة «موثقة» عن نية قطر شراء نصف ألمانيا!

٭ كاتب سوداني

د. مدى الفاتح

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية