إسطنبول ـ «القدس العربي»: يسود اعتقاد واسع في تركيا أن «عملية السلام التي كانت تهدف للوصول لحل نهائي للقضية الكردية في تركيا تلفظ أنفساها الأخيرة، بفعل التطورات المتسارعة التي تعيشها البلاد منذ أيام، وسط توقعات بإقادام الحكومة على حظر حزب «الشعوب الديمقراطي» الذي تمكن من خلاله الأكراد لأول مرة في تاريخهم من دخول البرلمان كحزب سياسي.
ومنذ أكثر من عامين جرت مفاوضات مكثفة بين الحكومة التركية والزعيم الكردي «عبد الله أوجلان» المعتقل مدى الحياة بالسجن، في محاولة للتوصل لحل نهائي، ووصلت المفاوضات لنقطة متقدمة عندما أعلن مسحلو حزب العمال الكردستاني «بي كا كا» هدنة مع أنقرة انسحبوا بموجبها لخارج الحدود، لكن الحزب أعلن قبل أيام إنهيار الهدنة وبدأ بشن سلسلة عمليات دموية ضد أجهزة الأمن ومصالح تابعة للحكومة التركية.
وفي العشرين من تموز/يوليو الجاري، وقع انفجار انتحاري في بلدة سوروج جنوبي تركيا، قتل على أثره قرابة 32 من النشطاء الأكراد اليساريين، الأمر الذي فجر موجة من الغضب في الشارع الكردي ضد تنظيم «الدولة» المشتبه في تنفيذه الهجوم، سرعان ما تحولت لمظاهرات ضد الحكومة وعمليات انتقام أدت إلى مقتل وإصابة العديد من رجال الأمن والشرطة التركية.
الرئيس التركي رجب طيب أردوغان أكد، الثلاثاء، ضرورة محاسبة النواب الذين «يستقوون» بمنظمة «بي كا كا»، من خلال رفع الحصانة البرلمانية عنهم، في إشارة إلى بعض نواب حزب «الشعوب الديمقراطي» دون أن يسميه مباشرة.
وفي مؤتمر صحافي بمطار العاصمة، قبيل مغادرته إلى الصين، شدد أردوغان على أن «الدولة التركية قادرة على محاسبة الإرهابيين، وكل من يدعمهم، بمن فيهم الشخصيات المحسوبة على السياسيين والمثقفين ومنظمات المجتمع المدني»، معربا في الوقت ذاته عن عدم تأييده على الإطلاق، إغلاق حزب «الشعوب الديمقراطي».
واعتبر أردوغان أن انقرة لا يمكن ان تواصل عملية السلام مع الاكراد مع استمرار الهجمات على اهداف تركية، قائلاً: «لا يمكن الاستمرار (…) مع هؤلاء الذين يستهدفون الوحدة الوطنية والاخوة». مشدداً على أن العمليات العسكرية ضد الناشطين الاكراد وجهاديي تنظيم الدولة ستستمر ب،»العزم نفسه».
وتمكن الأكراد في الانتخابات البرلمانية التي شهدتها البلاد في السابع من حزيران/يونيو الماضي، من الحصول على 13% من أصوات الناخبين، الأمر الذي سحب الأغلبية البرلمانية من حزب العدالة والتنمية الذي رعى «عملية السلام»، وبعد الانتخابات رفض زعيم الحزب صلاح الدين ديمرطاش الدخول في حكومة ائتلافية مع «العدالة والتنمية» الحاصل على أعلى نسبة من الأصوات.
وتتهم العديد من الأحزاب التركية المعارضة حزب الشعوب الديمقراطي بأنه الواجهة السياسية لـ»العمال الكردستاني» المصنف في تركيا على أنه منظمة إرهابية، حيث امتنعت قيادات الحزب عن الإدانة الواضحة للعمليات الأخيرة لـ»بي كا كا»، الأمر الذي أشعل مطالبات بحظر الحزب، ورفع الحصانة البرلمانية عن نوابه في البرلمان.
من جهته، اعتبر رئيس وزراء حكومة تسيير الأعمال أحمد داود أوغلو في رده على سؤال حول العمليات التي تنفذها تركيا ضد منظمة «بي كا كا»، أن «هذه الحرب ليست ضد أكرادنا، وإنما ضد بي كا كا»، وذلك في حديثه إلى شبكة «سي ان ان» الأمريكية.
وفي تطور آخر، قتل قائد منطقة في الجيش التركي في إطلاق نار استهداف سيارته في ولاية موش جنوبي شرق البلاد، وهي المناطق التي يتركز فيها نشاط مسلحي «العمال الكردستاني»، بالتزامن مع سلسلة هجمات وعمليات إطلاق نار استهداف مقرات أمنية في مناطق متفرقة من البلاد.
وفي وقت مبكر من فجر الثلاثاء، أكَّد وزير الطاقة التركي «طانر يلدز» تعرُّض خطٍ للغاز بين تركيا إيران لتفجيرٍ متعمدٍ، وذلك على بعد 15 كم من الحدود الإيرانية بولاية أغري شرقي البلاد. في هجوم يحمل بصمات حزب العمال الكردستاني.
وأشار الوزير «أنَّ استهداف خط الغاز واستهداف خط التحويل الكهربائي بين قضائي جِزرا وسيلوبي بولاية شرناق (جنوب شرق) ليس هجومًا ضد الحكومة التركية فحسب، بل هو أيضا للإضرار بمواطني المنطقة»، مشدداً على أن «تركيا ستقف بحزم ضد المخربين، ولن تسمح لهم بإلحاق الضرر بالبنية التحتية للبلاد، وعرقلة تقدمها».
وتلقت أنقرة دفعة كبيرة من الدعم من قبل الولايات المتحدة الأمريكية والعديد من الدول الأوروبية، حيث أعربت هذه الدول تفهمها لحق أنقرة في الدفاع عن نفسها أمام العمليات العسكرية التي ينفذها الحزب.
ومنذ أيام، تشن الطائرات الحربية التركية سلسلة غارات ضد مواقع ومعسكرات تابعة للحزب على الحدود التركية العراقية، وداخل مناطق إقليم كردستان العراق كان آخرها مساء الثلاثاء، بالتزامن مع قصف مدفعي مكثف لمناطق تواجد المسلحين، وقتل الاثنين، ثلاثة من مسلحي «بي كا كا» خلال تصدي الشرطة التركية لهجوم ضد أحد مقرتها جنوبي شرق البلاد.
الى ذلك اكد حلف شمال الاطلسي الذي عقد اجتماعا طارئا في بروكسل الثلاثاء بطلب من انقرة، تضامنه مع الحليفة تركيا في هجومها على تنظيم الدولة الإسلامية والناشطين الاكراد في سوريا.
وقال الامين العام للحلف، النروجي ينس ستولتنبرغ في ختام اجتماع سفراء الدول الـ28 الاعضاء ان «كل الحلفاء اكدوا لتركيا تضامنهم ودعمهم الحازم».
واضاف ان «الإرهاب يشكل تهديدا مباشرا لامن اعضاء الحلف الاطلسي وللاستقرار والازدهار الدوليين»، مؤكدا ان تركيا لم تطلب «وجودا عسكريا اضافية» للحلف.
واعترف كل المشاركين لتركيا «بحقها في الدفاع عن نفسها» لكن بعض المشاركين دعوا إلى «رد متكافىء» ضد متمردي حزب العمال الكردستاني لانقاذ عملية السلام الهشة التي بدأت منذ 2012، كما ذكرت مصادر دبلوماسية في بروكسل.
في غضون ذلك، تمكنت قوات النظام السوري ووحدات حماية الشعب الكردية من طرد تنظيم الدولة الإسلامية من مدينة الحسكة بعد معارك استمرت حوالى الشهر، بحسب المرصد السوري لحقوق الانسان.
وقال مدير المرصد رامي عبد الرحمن لوكالة فرانس برس «تمكنت قوات النظام من طرد التنظيم من آخر موقع كان يسيطر عليه في حي الزهور في جنوب الحسكة». واشار إلى استمرار «الاشتباكات في الضواحي الجنوبية للمدينة مع عناصر من التنظيم محاصرين، فيما يتم تمشيط حي الزهور ومناطق اخرى بحثاً عن عناصر قد يكونون مختبئين».
وفي بروكسل ايضا اكد رئيس المفوضية الاوروبية جان كلود يونكر في اتصال هاتفي مع رئيس الوزراء التركي احمد داود اوغلو في عطلة نهاية الاسبوع «اهمية تكافؤ القوة في الرد» التركي، كما قال ناطق باسمه. من جهته، حذر الرئيس الفرنسي فرنسوا هولاند بعد اتصال هاتفي مع نظيره التركي رجب طيب اردوغان انه «يجب التنبه إلى عدم الخلط بين الاهداف».
لكن اردوغان لا يصغي لهذه النداءات على ما يبدو. فقد صرح الثلاثاء ان مواصلة عملية السلام مع الاكراد «مستحيلة» إذا واصل متمردو حزب العمال الكردستاني شن هجمات دامية على قوات الامن التركية.
وقال في مؤتمر صحافي في انقرة قبل ان يبدأ جولة تستمر اربعة ايام في الصين واندونيسيا «من المستحيل الاستمرار (في عملية السلام) مع الذين يهددون الوحدة الوطنية». من جهة اخرى، اكد اردوغان ان العمليات العسكرية ضد الناشطين الاكراد وجهاديي تنظيم الدولة الإسلامي ستستمر ب»العزم نفسه». وقال ان «التراجع غير وارد. هذه العملية ستستمر بالعزم نفسه».
من جهة اخرى، قال اردوغان ان قيام «منطقة امنية» خالية من تنظيم الدولة الإسلامية في شمال سوريا سيسهل عودة اللاجئين السوريين إلى بلادهم.
وقال اردوغان ان «تطهير هذه المناطق واقامة منطقة امنة سيسمح بعودة» اللاجئين السوريين المقيمين في تركيا وعددهم يقارب 1.8 مليون نسمة.
وقررت الولايات المتحدة وتركيا الاثنين تعزيز تعاونهما العسكري للقضاء على تنظيم الدولة الإسلامية في شمال سوريا.
وقال ستولتنبرغ ان الحلف «يتابع التطورات بشكل وثيق جدا ونتضامن بقوة مع حليفتنا تركيا». واضاف ان هذا الاجتماع «فرصة للتصدي لعدم الاستقرار على ابواب تركيا وعلى حدود الحلف»، مؤكدا ان «الإرهاب بكل اشكاله لا يمكن تبريره او التسامح معه».
ودعت تركيا الدولة المسلمة الوحيدة واحدى اقوى بلدان الحلف إلى مشاورات مع حلفائها بعد هجوم سوروتش الدامي الذي نسبته إلى تنظيم الدولة الإسلامية وهجمات نفذها حزب العمال الكردستاني واستهدفت رجال شرطة وجنودا اتراكا.
وادى قرار تركيا التدخل ضد التنظيم المتطرف وحزب العمال الكردستاني إلى العديد من التظاهرات ضد اردوغان. ويتهم اكراد تركيا اردوغان بالتواطؤ مع الجهاديين، وهو ما ينفيه بشكل دائم.
وعلى هامش اجتماع الحلف، قال ممثل المؤتمر الوطني الكردي زبير ايدار ان «تركيا لا تخوض الحرب ضد داعش بل ضد الشعب الكردي».
وامام حوالى ثلاثين ناشطا تجمعوا امام البرلمان الاوروبي، دعا ايدار الحلف إلى «لعب دور وسيط بين تركيا والاكراد لانقاذ عملية السلام» و»تعزيز القوات الكردية التي تقاتل على الارض» جهاديي تنظيم الدولة الإسلامية.
ويأتي هذا الاجتماع بعد يوم على قرار الولايات المتحدة وتركيا الاثنين تعزيز تعاونهما العسكري للقضاء على تنظيم الدولة الإسلامية في شمال سوريا.
وقال مسؤول أمريكي كبير الاثنين ان الشراكة الجديدة بين الولايات المتحدة وتركيا «تهدف إلى اقامة منطقة خالية من تنظيم الدولة الإسلامية وضمان قدر اكبر من الامن والاستقرار على طول الحدود التركية مع سوريا».
واضاف انه «لا يزال يتعين العمل على وضع تفاصيل» هذا الاتفاق لكنه اكد ان «اي جهود عسكرية مشتركة لن تشمل فرض منطقة حظر للطيران» وهو ما تريده تركيا منذ فترة طويلة. واكد ان الاتفاق سيضمن دعم تركيا «لشركاء الولايات المتحدة على الارض» الذين يقاتلون تنظيم الدولة الإسلامية.
وتعرض جندي تركي لإصابة شديدة جراء إعتداء مسلح من قبل شخص يرتدي قناعاً في قضاء «شمدينلي» بولاية هكاري جنوبي شرقي البلاد أمس الثلاثاء.
وذكر ان «إرهابيا « أقدم على إطلاق النار على الجندي – الذي لم تعرف هويته حتى الآن- أثناء قيامة بسحب نقود من صراف آلي في أحد شوارع القضاء، ما أسفر عن تعرضه لإصابة بليغة نُقل إثرها إلى المستشفى الحكومي في شمدينلي، وبعده إلى المستشفى الحكومي بـمدينة «هكاري» بواسطة مروحية خاصة.
في أعقاب الاعتداء، أرسلت قوات الأمن تعزيزات كبيرة إلى المنطقة للتمشيط، والقبض على الإرهابي.
من جهة اخرى، نقل عن مصادر امنية قولها إن حزب العمال الكردستاني (بي كيه كيه ) المحظور استأنف نشاطه ونسف جسر سينيايالا على الطريق الرابط بين منطقة كولب في اقليم ديار بكر واقليم موش شرق تركيا.
ولم يصب احد في الهجوم ولكن تم اغلاق الطريق.
ياتي الاعتداء وسط موجة عنف تشهدها تركيا قبل اكثر من اسبوع حيث قتل 32 شخصًا واصيب قرابة 104 آخرين بجروح في العشرين من الشهر الجاري جراء تفجير انتحاري وقع في حديقة مركز ثقافي بمدينة «سوروج» التابعة لولاية شانلي أورفة جنوب شرقي تركيا، ومقتل جندي تركي وأصابة اخرين بجروح، في اشتباكات وقعت بين القوات الأمنية التركية، وعناصر منظمة حزب العمال الكردستاني «بي كيه كيه «، المحظور نشاطه في ولاية «أديامان»، جنوب شرقي تركيا ومقتل ضابط واصابة جنديين في هجوم لداعش عبر الحدود مع سورية يوم الخميس الماضي.
وردا على هذه الهجمات شن الطيران التركي غارات على مواقع داعش في سورية وحزب العمال الكردستاني في العراق.
إسماعيل جمال