الإنكار الثقافي

حجم الخط
2

عملت الدولة القطرية العربية على إحداث نوع مع التوازن مع الاتجاهات والتيارات الفكرية التي كانت تتصارع على أرض الواقع، متخذة موقفا من المتشددين والجذريين. لكنها بالمقابل حاولت أن تدمج آخرين في منظومتها مبقية لهم هامشا بسيطا للتعبير عن «استقلالهم». وهكذا عملت على استقطاب الجميع، مؤيدين أو معارضين، أو تهميشهم.
لم يختلف اليسار الثقافي بدوره عن هذه الممارسة، فقد كان منشغلا بنشر الفكر الاشتراكي وقيمه ومبادئه الثورية، محاولا استبعاد أي منظور آخر للثقافة أو المجتمع من دائرة اهتمامه، وحتى عندما يتصدى بعض المفكرين أو المثقفين للدين، فكان ذلك من باب إعمال المعول فيه بهدف تسفيهه وتقويضه. كان إنكار أي دور له في الحياة هو القاعدة الأساسية المنطلق منها في التعامل معه، على اعتبار أنه منوم للجماهير ومسكن لها. ألم يكن ينظر إليه على أساس أنه «أفيون الشعوب». ولم يكن من سبيل سوى إحراق هذا الأفيون، أو العمل على نقضه وإخراج الناس من دائرته.
لكن هذا الإنكار لم يكن في الواقع سوى أداة لتشبث «المثقفين» الإسلاميين به، فكانوا يشتغلون خارج الدائرة الثقافية المعترف بها. لقد وضعت المثقف الإسلامي بين مزدوجتين لأنه لم يكن ينظر إليه على أساس أنه «مثقف»، أو أن العمل الذي يقوم به يدخل في نطاق الثقافة. إنه فقط الداعية، الخطيب، الواعظ، رجل الدين، وبغض النظر عن مجالات اشتغال هذا المثقف ودرجة عمقه في تناول القضايا الدينية، لم يكن الالتفات إلى دوره في المجتمع إلا في ضوء التصور القائم حول الدين بصورة عامة.
أدى ذلك الإنكار إلى عمل هذا «المثقف» الإسلامي في الهامش، بعيدا عن المجال الثقافي العام، الذي ظل يهيمن في الإعلام والمؤسسات الثقافية المعترف بها، متخذا من الواقع الذي يشتغل فيه، من الزاوية الإسلامية، مجالا لمواجهة المد «الشيوعي». فخلق له عالمه الخاص به، يؤطر ويستقطب بالمنطق نفسه الذي كان يشتغل به اليسار، سواء في السياسة أو الثقافة. ورغم كون «المثقفين» الإسلاميين كانوا مستهدفين (الإخوان المسلمون في مصر مثلا)، على غرار الشيوعيين لم يحدث التلاقي بينهما، رغم أن المنافي والسجون عرفتهما معا. وكان إنكار هؤلاء يولد إنكار أولئك، فظلت القطيعة قائمة.
كان من نتائج هذا الإنكار المتبادل أن ظهرت في وجدة على سبيل التمثيل، ظاهرة «الشعراء الإسلاميين»، وعلى مستوى الوطن العربي مؤسسة «الأدب الإسلامي». وعلى غرار اتحادات الكتاب تم تأسيس روابط العلماء المسلمين. كل ذلك لتأكيد أن «ّالثقافة الإسلامية» واقع معاصر لا يمكن إلغاؤه، في الوقت الذي ظل المثقفون اليساريون لا يتحدثون عن «الثقافة الإسلامية» إلا وهي جزء من تركات الماضي. وصارت الجامعة فضاء لتشجيع الباحثين الذين ينطلقون من الخلفية الدينية نفسها. وكما كان القطاع الطلابي ساحة للصراع السياسي والفكري والثقافي في السبعينيات بين أطراف اليسار المعتدل والراديكالي، صار الصراع منذ أواسط الثمانينيات بين اليسار المتطرف والإسلاميين على اختلاف انتماءاتهم، مجسدا بذلك صورة جديدة للحضور والفعل.
بدأ تنامي التيارات الإسلامية، بوجهيها المعتدل والمتطرف، وحضوره في الساحة السياسية والثقافية منذ الثمانينيات، وكان لظهور «العرب الأفغان» دوره الكبير في إعطاء شرعية لهذه التيارات لأسباب تتصل بمواجهة الاتحاد السوفييتي. ولم ينجم عن ذلك غير احتلال موقع الصدارة، في الوقت الذي بدأ يتراجع فيه اليسار والاتجاهات الليبيرالية والعلمانية. وجاء الربيع العربي ليؤكد أن الاتجاهات الإسلامية جاهزة أكثر من غيرها لاستقطاب أصوات الناخبين في البلدان التي جددت دساتيرها وأجرت انتخابات جديدة (تونس ـ المغرب ـ مصر).
تزامن كل ذلك مع شيوع الحديث عن التنوع والتعدد الثقافيين، والاعتراف بالحقوق اللغوية والعرقية والدينية والفردية. وإذا كان هذا الحديث رد فعل على «الثقافة الوطنية» التي كانت مؤسسة على «وحدة» ثقافية تتصل بإيديولوجيا الدولة، أو على «الأممية» التي كانت بدورها تقوم على إلغاء ذلك التنوع لدى كل الفئات الثقافية التي كانت تملأ الساحة الثقافية، نجد هذا التحول الثقافي بدوره يمارس من منظور يقوم الإنكار الذي كان مهمينا طيلة عقود طويلة. فبرزت التيارات المتنوعة التي يسعى كل منها، إما إلى فرض هيمنته على الآخرين أو المطالبة باستقلاله.
تراجع البعد الوطني للثقافة، وصار التمايز قائما على الخصوصيات الدينية والمذهبية والعرقية. فولَّد الإنكار إنكارات جديدة، ولم يتولد عن الإرهاب إلا الإرهاب. لم يتم التمييز بين التيارات الإسلامية المتطرفة والمعتدلة، فهم في الإسلام سواء. ولما ارتبط الإرهاب بالسنة، صار كل سني «إرهابيا» مفترضا، فكان الإنكار مزدوجا.
يلتفتون الآن إلى إصلاح «الخطاب الديني»، فهل المشكل في «الخطاب الديني» أم في ممارسة أنواع الإنكار الثقافي التي تؤدي إلى عدم الاعتراف بالآخر وإلغائه من لدن الخطابات كلها، بما فيها «الخطاب الإسلامي»؟
بالأمس أنكر اليسار مكونا مهما من المكونات الثقافية العربية وهو البعد الإسلامي. ولم يفتح أي نافذة للتفاعل أو الحوار. واليوم يقوم الإسلاميون المتطرفون (سنة وشيعة) بالعمل نفسه. إنهم ينكرون أي ثقافة أو تفكير خارج النطاق المذهبي، إنهم يعيدون التجربة نفسها بدون أي حس وطني أو إنساني… إنها الكارثة؟

كاتب مغربي

سعيد يقطين

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية