واشنطن لا خطة لديها لحل الأزمة السورية… وأنقرة مهتمة بتحقيق أهداف مرحلية فقط

حجم الخط
0

لندن – «القدس العربي»: رحبت صحيفة «نيويورك تايمز» بالقرار التركي الأسبوع الماضي والذي سمح للمقاتلات الأمريكية وتلك التابعة للتحالف الدولي ضد تنظيم الدولة الإسلامية استخدام قواعدها العسكرية. وقالت إن تركيا التي ظلت قلقة من التورط في الحرب الأهلية في سوريا تعتبر تطورا مهما سيعزز الحرب ضد تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام. ولكن الخطوة التركية رافقها تطور خطير آخر. فقد أنهت غارات يوم الجمعة شنها الطيران التركي على معسكرات تابعة لحزب العمال الكردستاني (بي كي كي) هدنة بين أنقرة والانفصاليين الأكراد والتي ظلت متماسكة منذ عام 2013.
وترى الصحيفة أن القرار التركي «الانتهازي» الذي يخلط المخاطر التي يمثلها تنظيم الدولة الإسلامية بصراعها مع الأكراد الذي مضى عليه ثلاثة عقود قد يؤثر على جهود التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة. وترى الصحيفة أن الوجه الجديد للحرب ضد تنظيم الدولة والذي سيقود بالتأكيد إلى خلق منطقة حظر جوي فعلية في شمال سوريا تتداعى فصولها بدون أن يصدر رأي فيها من الكونغرس. فبعد أن فشل النواب في التوافق على معايير ومدى الانخراط الأمريكي في الحرب السورية والعراقية فيبدو أنهم تركوا الأمر لإدارة باراك أوباما التورط أكثر وأكثر في هذه الحرب المعقدة.

تردد

وتقول الصحيفة إن المسؤولين الأمريكيين الذين طلبوا التعاون التركي منذ مدة طويلة مترددون بتوجيه انتقادات لأنقرة في حملتها ضد حزب العمال الكردستاني. فقد أكد بيتر ماكغرك، المسؤول البارز في الخارجية والذي يلعب دورا في الجهود ضد تنظيم الدولة الإسلامية أن الولايات المتحدة لم تلعب دورا في غارات تركيا على الجماعة الكردية ولكنه اعترف «بحق تركيا في الدفاع عن نفسها».
وتعترف الصحيفة أن الهجمات التي قامت بها تركيا ضد بي كي كي وانخراطها في الحرب ضد تنظيم الدولة هي محاولة من تركيا للحد من انتشار الجماعات الكردية المسلحة على حدودها. وتشير إلى أن تصعيد الحرب ستقلل من فرص إنشاء الأكراد الموجودين في إيران والعراق وتركيا دولة مستقلة لهم في المنطقة والتي طالما حلموا بإقامتها.
وترى الصحيفة أن أفعال تركيا ضد الأكراد ستترك أثارها السلبية على تنظيم الدولة، مشيرة للدور الذي تلعبه قوات الحماية الشعبية – فرع بي كي كي السوري والذي يعتبر من حلفاء أمريكا الموثوقين في سوريا. وتضيف إنه في حالة ركزت تركيا على هزيمة تنظيم الدولة فسيتقدم القتال الذي تشاركه فيه عدة دول. فالسماح للطائرات الأمريكية استخدام القواعد الجوية التركية سيقلل من الزمن الذي تمضيه الطائرات وتقربها من الأهداف. وتبدو تركيا مستعدة اليوم أكثر من أي وقت مضى للعمل على خنق خطوط الإمدادات لتنظيم الدولة. لكن المشكلة تظل في الخطوة التركية وهي شن هجوم على الأكراد الذي سيؤثر على الجهود الأمريكية لمقاتلة الجهاديين.

تباين

وترى الصحيفة في تقرير تحليلي أن الأهـداف الأمريكية والتـركية لا تـزال مـتباينة والمخـاطر لا تـزال قائمة. فـالتعاون بين البلدين سـيؤدي لزيـادة الضـغوط على تنظيم الدولة. وتشـير إلـى ان الولاـيات المـتحدة حصـلت على ما تريد من استخدام القواعد الجـوية التـركية حيث تـرى الأولوية هي قتال الـجهاديين. أما تركيا التي تريد قتال نظام الأسد فستحصل على أمن قـرب حدودها وتمنع بالضرورة تقدم المقاتلين الاكراد الذين سيطروا على مناطق في شمال- شرق سوريا. ورغم هذا فالاتفاق بين البلدين والذي وصفه مسؤولون للصحيفة بالمعقد يـورط الولايات المتحدة أكثر وأكـثر في الـحرب السـورية. فالولايات المتحدة لم تعلن بعد عن الفصيل السوري الذي ستعمل معه على الأرض وهذا يعني تهميش الأكراد السوريين الذين ترى فيهم أنقرة خطرا على أمنها. وبحـسب الاتـفاق الذي سيقـوم على حملة قصـف مكثفة تسمح للمقاتلين السوريين السيطرة على مناطق خاضعة لتنظيم الدولة. ويتم الحديث عن منطقة بعمق 60 ميلا سيتم رسمها كي تكون شريطا آمنا وتبدأ من مدينة حلب وتمتد إلى غرب نهر الفرات وستضم بلدات مثل منبج ودابق اللتان تعتبران مهمتان للتهريب الذي يمارسها التنظيم، إضافة لبلدة الباب.
ونقلت الصحيفة عن مسـؤول بارز في إدارة أوباما قوله «لا تزال التفاصيل قيد الدراسة ولكن ما يتم الحديث عنه مع الأتراك هو تنسيق دعم الشركاء على الأرض في سوريا من الذين يقاتلون تنظيم الدولة». وتشير الصحيفة في تحليلها إلى مواقف بعض المحللين من التزام حكومة طيب رجب أردوغان قتال التنظيم خاصة أنها أخذت وقتا طويلا للدخول في الحرب.

مصطلحات متعددة

ومن هنا فملامح التباين ظاهرة من الطريقة التي يصف فيها المسؤولون الأمريكيون والأتراك الخطة حيث توصف الخطة بأنها «المنطقة الحرة الخالية من تنظيم الدولة الإسلامية». وترى فيها تركيا أيضا منطقة آمنة قد تستوعب اللاجئين السوريين. وفي الوقت الذي يرفض الأمريكيون الحديث عن منطقة حظر جوي إلا أنهم يلاحظون تجنب الطيران السوري العمل في المناطق الشرقية من البلاد والتي يحلق فيها الطيران الأمريكي بشكل منتظم. ومع ذلك فالخلاف على اسم المنطقة يقدم بالضرورة نوعا من الأمل عن تحول الشريط الأمني لبداية تدخل واسع في المسألة السورية. فالتدخل التركي والتعاون مع أمريكا يظهر نوعا من تلاقي المصالح بين من يرى أولوية قتال تنظيم الدولة ومن يعتقد بتقدم الإطاحة بنظام بشار الأسد.
فخيار «تنظيم الدولة أولا» تتبـناه إدارة أوبـاما أما خيار «الأسد أولا» فهو موقف تركيا وجـماعات المعـارضة السـورية، بالإضافة لعدد من مسـؤولي الخارجيـة الأمـريكية وأعضـاء سابقين في الإدارة. ويـناقش أوبـاما أن انهيار الأسد سيمنح المتشددين الفرصة لتولي الحكم في سـوريا، اما تركيا ومن معها فترى أن الأسد هو طرف مهم في صعود الجهاديين. ويرى فردريك سي هوف، الذي قدم النصح لوزيرة الخارجية السابقة هيلاري كلينتون أن الخطة الأمريكية- التركية تعتبر تطورا إيجابيا لأنها تستبعد تنظيم الدولة من المناطق الحدودية وتشكل منطقة آمنة داخل سوريا. وبهذه المثابة ستتحول إلى منطقة يمكن نقل المقتاتلين الذين تلقوا تدريبا في تركيا لداخل سوريا و»السؤال بالنسبة لي هو هل ستتحول إلى محور محمي في منطقة نائية من سوريا». أما السؤال الثاني فيتعلق بالفصل السوري الذي ستتعامل معه الولايات المتحدة خاصة أن عدد من تخرجوا من برنامج التدريب الذي تشرف عليه وزارة الدفاع- البنتاغون لم يتجاوز الستين. ويظل العدد الذي دربته المخابرات المركزية- سي آي إيه- أكبر.
وتقتضي الحملة الأمريكية في شمال سوريا تعاونا واسعا مع جماعات المعارضة، وهذا يفسر قرار جون كيري، وزير الخارجية تعيين جون راتني، القنصل الأمريكي العام السابق في القدس مبعوثا خاصا له لدى جماعات المعارضة السورية.

خطوة غير مكتملة

ولم ترض الخطوة الأمريكية الأخيرة في التعاون مع تركيا ضد تنظيم الدولة صحيفة «واشنطن بوست» التي رأت فيها استمرارا للخطوات غير المكتملة التي تطبع سياسة إدارة الرئيس أوباما منذ بداية الأزمة السورية. وأشارت إلى أن تركيا وأمريكا بعد سنوات من العمل لتحقيق أهداف متعارضة بدأتا تتعاونان.
وفي الوقت الذي أعلنت فيه حكومة أردوغان عن السماح للطائرات الأمريكية التحليق من قواعدها الجوية اعترف الأمريكيون بهدوء أن التعاون سيقود إلى إنشاء شريط آمن. وتعترف الصحيفة بإيجابية التعاون الذي إن نجح سيوجه ضربة للتنظيم ويحد من نشاطات التهريب التي يقوم بها على الحدود. وقد يؤدي إلى ظهور قوة معارضة سورية متماسكة وربما حكومة بديلة تعمل من داخل البلاد وهو أمر يعمل من أجله معارضو الأسد منذ سنوات. ومع ذلك تقول الصحيفة إن التزام إدارة أوباما بالخطة ما هو إلا تهديدات فارغة. والسبب هو رفض المسؤولين وصف الالتزام بإقامة منطقة حظر جوي ورفض الإدارة الالتزام بالدفاع عن المعارضة السورية حالة تعرضت لضربات من نظام الأسد. وهو ما يطرح أسئلة حول ما سيحدث حال تعرضت بلدات مثل الباب قرب حلب لغارات النظام السوري. وترى الصحيفة أن الحكومة التركية التي ظلت تطالب بعمل دولي متماسك ضد النظام السوري تبدو الآن مهتمة بتحقيق بعض الأهداف القصيرة الأمد. فقد ردت على هجمات تنظيم الدولة التي قتلت 34 شخصا الأسبوع الماضي وتريد إقامة منطقة آمنة للاجئين وأكثر من هذا شنت هجمات ضد الأكراد. وهو ما يشير إلى أن الإدارة الأمريكية حتى الآن لا يوجد لديها خطة لإنهاء الحرب الأهلية وهو أمر ضروري لإنهاء الحرب الأهلية في سوريا.
وفي الوقت الذي تحدث فيه جون كيري بنوع من الغموض عن منظور دبلوماسي في ضوء الاتفاق مع إيران بشأن ملفها النووي، ولكن لم يقدم نظرة حول الطريقة التي سيتم فيها إنشاء حكومة ممثلة تواجه تنظيم الدولة في ظل استمرار الدعم الروسي والإيراني لنظام الأسد. وهذا ما يدعو الحكومة الأمريكية لبناء بديل سياسي وعسكري في سوريا وبالتعاون مع تركيا.

انجرار

ويخشى معلقون أن يؤدي التعاون الأمريكي مع تركيا إلى جر الولايات المتحدة لمستنقع الحرب الأهلية السورية. وفي هذا السياق يرى ستيفن كوك من مجلس العلاقات الخارجية أن دخول تركيا الحرب نابع من المشكلة الكردية التي تواجهها، فرغم الاستثمار الكبير الذي عملته حكومة العدالة والتنمية في مناطق جنوب تركيا منذ عام 2005 حيث أنفقت ما يزيد عن 12 مليار دولار فيها إلا ان طموحات أكراد سوريا إلى إقامة كانتون لهم هناك أثار مخاوف الحكومة التركية. فعلى خلفية التقدم الذي يحققه أكراد شمال العراق باتجاه الاستقلال وما يحققه الأكراد في سوريا وبتعاون مع الولايات المتحدة فهناك خشية من أن تؤثر هذه التطورات على أكراد تركيا البالغ عددهم 14 مليون نسمة. وعليه فدخول تركيا في الحرب لمواجهة تنظيم الدولة وملاحقة الداعمين له هو جزء من المنافع التي ستجنيها أنقرة من التشويش على خطط الأكراد في سوريا.
وستخدم المنطقة الأمنة التي سيتم إنشاؤها حيث ستتأكد أنقرة من عدم قدرة الأكراد على تعزيز مكتسباتهم السابقة وإعلان منطقة «رجوفا» (كردستان الغربية) كيانا مستقلا. فحقيقة وجود جماعات سورية في الشريط الآمن وتحظى بحماية من الأمريكيين والأتراك يجعل من الصعوبة بمكان على الأكراد تحقيق حلمهم. ولهذا السبب قال صالح مسلم زعيم حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي أن قتال تنظيم الدولة هو حيلة لدخول القوات التركية شمال سوريا. وهذا يعني تحويل الأكراد بنادقهم من قتال جهاديي تنظيم الدولة إلى قتال الجيش التركي.
ويحذر الكاتب في هذا السياق من أثر تغير خريطة التحالفات في سوريا على الولايات المتحدة. فمن خلال دعمها للمعارضة السورية وموافقتها على المقترح التركي لإقامة منطقة آمنـة قامت واشنطن بتعزيز التعاون ما بين الأسد وتنظيم الدولة. ويقول إنه لا توجد ضـمانات بنـجاح الغارات الجوية تدمير التنظيم وقوات نظام الإسـد وبنفس الطريقة لـن تكـون المعـارضة قـادرة علـى ـتأمين المـناطق التي سيتم تحـريرها من يد التنظيم. ومن هنا فالمقايضة بين استخدام قاعـدة إنشرليك بالمنطقة الأمنة يعني تورط أمريكا في الحرب السـورية أو ما يطلق عليه بالتركية «باتاكاليك» أي مستنقع حيث ستعـمل أمريكا بناء على الشروط التركية وستجد نفسها مضـطرة للدفاع عن المنـطقة الآمنة. وفيـ إطار آخر يرى ديفيد غاردنر في مقال له بصحيفة «فايننشال تايمز» ن السياسة التركية تغيرت بالضرورة وكذا الرئيس أرودوغان الذي «يتصيد» الأصوات القومية بعد أن حرمه الناخبون من الأغلبية في البرلمان.
ويعتقد الكاتب أن سياسة تركيا السورية والمتعلقة بالأكراد تكشفت. وفي هذا السياق يقدم عرضا للموقف التركي من نظام الأسد في مرحلة ما بعد الإنتفاضة حيث حاولت أنقرة إقناع النظام السوري تغيير مواقفه الوحشية من المتظاهرين. وعندما فشلت ردت بنوع من المرارة وفتحت الباب أمام اللاجئين السوريين. فيما ساعدت المخابرات التركية «أم أي تي» جماعات المعارضة بالسلاح.
ويرى أن رفض تركيا السماح بتقديم الدعم للمقاتلين الأكراد في عين العرب/كوباني كشف عن ملمح آخر من السياسة التركية تجاه الأكراد. فقـد شعر الكثيرون منهم أن حزب العدالة والتنمية استخدمهم لزيادة قاعدته الانتخابية. ومن هنا ردوا في الانتخابات الأخيرة ودعموا حزب الشعب الديمقراطي.
وفي المسألة المتعلقة بتنظيم الدولة يرى الكاتب ان السياسة التركية وإن لم تصل لحد التعاون إلا انها فتحت الباب أمام انتشار للتعاطف مع التنظيم داخل تركيا. ويرى الكاتب في النهاية أن ملامح التناقض في السياسة التركية سواء كانت متعلقة بالأكراد، النظام السوري أو تنظميم الدولة تقترح أن تركيا ستواجه حربا على ثلاث جبهات ومعركة طويلة.

qal

إبراهيم درويش

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية