الأردن: سقوط الفاسدين يزيد مساحة التفاؤل

حجم الخط
0

د. لؤي منور الريماوي التحليل الأهم والغائب في الشأن الأردني اليوم هو النظر بعين الدقة والموضوعية للأسباب والموجبات التي مكنت وهيأت الظروف لهستيريا الفساد والتراخي الأداري والإستهتار بالمواطن الأردني وحقه الكامل في معرفة خفايا الميزانيات والموارد المالية الخارجية والداخلية والتي شرّعت التعتيم الإعلامي ومحاربة الأصوات الشريفة. فبسبب هذه الظروف تحّولت أجزاء كبيرة من الأردن الى إقطاعيات سياسية وإجتماعية وإقتصادية متشرذمة (ولكنها متشابكة ومتداخلة في مصالحها وتفاهماتها الخاصة) تديرها الحيتان ومافيات الحكم والتي إحتمت بمصاهراتها وقربها وتحالفها مع مراكز القوى. كذلك أسباب هذا الإنتقاص والتضليل الواضح في تطبيق قيم النزاهة الوطنية الأردنية في ظل تكريس مفهوم المحسوبية الممنهجة في المواقع العامة العُليا والقطاع الخاص في ظل غياب الرقابة المؤسسية الجديّة. فلقد أثبتت الأيام والأحداث فشل كل محاولات منّهجة عقلية توريث المناصب العليا في ظل ‘النخبوة’ المُمَنهجة البعيدة عن الشفافية في الإختيار والتعيين وفرض هذه الشخصيات التي تُسقط بالمظلات على الأردنيين في محاولات مخجلة لترويضهم على قبول الأمر الواقع وتوزيع المغانم الوطنية بين المحاسيب والأنساب. فالمسألة ليست أكثر من مسألة وقت حتى تبدأ قوى المزاودة بإستغلال هذه الثغرات الخطيرة ضد النظام وتشكيكها بأهليته الوطنية، تارة بالحقائق والأدلة وتارة أخرى بالشائعات والإفتراءات، لإسقاط الشرعيّة الوطنيّة للنظام الهاشمي بجعل معركته تبدو للعامة من الأردنيين وكأنها معركة من أجل تثبيت المكتسبات الفاسدة لهؤلاء ‘النخب’ على حساب الوطن.فالشجاعة الحقيقية اليوم تكمن في تشخيص كل الظروف السابقة وبمنتهى الإكلينيكية للوقوف على حيثيات ما حدث من إنتكاسات وإختراقات خطيرة وتعزيز دوائرالقرار الأردنية بالدماء الجديدة والنظيفة البعيدة كل البعد عن إنهزامية المنافقين من هذه الأجيال القيادية الفاشلة. فلا يُعقل مطلقاً أن يكون هذا الجيل الفاسد والمتخاذل الذي آمن بالمحسوبية والتسلق الإجتماعي الرخيص والمصاهرة كمفتاح للوصول الى المواقع الحساسة هو نفسه من سيتعامل مع المتطلبات الوطنية القادمة. فلو كان هنالك أي خير بأجيال الفساد والنفاق هذه على إختلاف مسميات القابهم لرأيناهم يترفعون بكل كبرياء عن المواقع العامة العُليا حينما كانت هنالك أي شبهة بالمحسوبيّة، بدلاً من أن يكونوا اليوم هم الداء والسبب في تسميم براءة الطرح الوطني الأردني في إشاعة قيم النفاق والإلتفاف والتطاول على القيم الأردنية العُليا.هذه الشمولية في التحليل لا تعني مطلقاً نعت الأردن والأردنيين ونظامهم السياسي بالفساد الممنهج، بل هي دلالة واضحة على الرغبة التصحيحية الصادقة والتي يستبق الأردنيون فيها اليوم العديد من دول المنطقة العربية التي ما زالت تترنح تحت وطأة الفساد والفسادين دونما جُرأة على التصدي له بهذا الإنفتاح الأردني الكبير. فبغض النظر عن الإشاعات البغيضة ضد الأردن وحملات تصفية الحسابات في عمان وخارجها، فلم يُعرف مطلقاً عن الملك عبدالله الثاني ولا عن الراحل الملك الحُسين طيب الله ثراه ولا عن الأمير الحسن بن طلال إبان توليه ولاية العهد الأردنيّة بكل الأمانة الوطنية ضلوع أي منهم بالفساد الممنهج ولا حمايتهم المباشرة أو غير المباشرة لمن خان الأمانة الوطنية بتطاوله على المال العام وسلب حقوق الأردنيين. فالأردن بأصالته وجذوره العروبية العميقة وهويته الوطنيّة الجامعة كان وما زال موطناً للرجال في نبض شارعه الوطني والضمير الحيّ للملايين من أبنائه. وعليه فهو لشأن طبيعي أن رأس النظام الأردني لن يتردد اليوم عن فتح ملفات الفساد في محاولاته الجادة لفتح صفحة جديدة للعهد بغض النظر عن إبتزازت الفاسدين وتهديداتهم بكشف ملفاتهم السرية والخاصة. فالعلانية والشفافية المطلقة مهما كانت أخطاء الماضي هي الوسيلة الناجعة والوحيدة لتجاوز هذه المرحلة الحساسة، بالرغم من الوصفات المغايرة التي يصفها من لهم مصلحة بالتستر على الفساد وحماية الفاسدين من المساءلة القضائية والشعبيّة.وعليه فلقد تضاربت التحليلات وإختلفت حول جدوى وجديّة الإنتخابات الأردنية في هذا الوقت بالذات متوقعة في الكثير من المتشائم منها إخفاقاً وفشلاً في إحداث نقلة نوعية أردنية تفتح صفحة جديدة لعهد الملك عبدالله الثاني. بالتأكيد تتفاوت الأجندات لأصحاب هذه التحليلات ما بين أكاديمية تحليلية أو حزبية أو مصلحية خاصة، ولكنها جميعاً يجب أن تتوحد في أن تحتكم لمصلحة الأردن العُليا تحقيقاً لإرادته الشعبية نهوضاً وإعلاءً لشأن مواطنه البسيط وحمايته من التسلط والفساد والمحسوبية الممنهجة. لقد حدثت مقاطعات سياسية من قبل بعض الأحزاب والبعض يشتكي من دور المال السياسي وبأن البرلمان الجديد سوف ينتج الكثير من الوجوه البائتة. الغائب عن هذه الملاحظات أن المشاكسة السياسية لتسجيل المواقف السياسية لم يعُد لها نفس الوقع الشعبي وأنها مسؤولية الناخب الوطنية أن لا يُعيد من لا يستحق مكاناً في البرلمان الجديد وأن يتوجه فوراً الى السلطات الرسمية لتوثيق أي تلاعبات بالعملية الإنتخابيّة. عدة عوامل تشير كذلك الى أن هذه الإنتخابات سوف تُثبت خطأ كل التوقعات والأمنيات السلبية تجاه الأردن ونظامه السياسي الذي بدأ بإعادة صياغة نفسة بكل بثقة وبتجديد يتماشى مع مسؤولياته الوطنية والقومية، حيث تتضافر جهود وطنية أردنية صادقة وعديدة من مختلف المستويات في الدوائر الرسمية والشعبية اليوم لتجسيد الطموح ببناء أردنٍ نظيف من الفساد والعلاقات الإستنفاعية المتشابكة على حساب قيمه الوطنية العُليا. فالقضاء الأردني اليوم، وبشكل يميزه عن العديد من الدول المجاورة، منهمك برصد ومتابعة قضايا الفساد دونما قيود في القضايا الهامة والتي شغلت الرأي العام الأردني. ففي كل فاسد كبير يسقط في شبكة العدالة الأردنية غير المُتلاعب فيها، مهما كان قرب هؤلاء الفاسدين من النظام، يزداد تفاؤل الأردنيين بإنتصار قيم العدالة الحقّة وإسترجاع المال العام بعيداً عن الإشاعات والإسقاطات. هذا بدوره يعزز دور الملك عبدالله الثاني كمدافع اول عن قيم النزاهة الوطنية الأردنية وكحام لها بكل صدق وموضوعيّة ضمن شفافية عالية في تحقيق العدالة والمساءلة، مبشراً بمسيرة ديموقراطية أردنية حقيقية يعلو فيها شأن الأردن الدولي في ظل نظامه السياسي الشرعي وهويته الوطنية الأردنية الجامعة. محاضر أردني زائر في جامعة كامبريدج ورئيس برنامج الماجستير في القانون المالي الإسلامي في جامعة BPP/لندنqmdqpt

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية