روى لي صديق وزميل صحافي كردي سوري، يقيم في كُردستان العراق، كيف أنه حاول أن يكون شاعراً قبل أكثر من خمسة عشر عاماً قبل الآن، حين كان طالباً في كلية الآداب والعلوم الإنسانية في جامعة دمشق التي قضى فيها سنواتٍ طويلة على حد تعبيره، إذ قال لي أنه أراد أن يكون شاعراً كعامة شعراء دمشق أو الشعراء الكُرد هناك، لذلك قرر أن يتردد إلى المقاهي التي يتخذها الشعراء مكاناً دائماً لهم، دون أن يدري صديقي الصحافي هذا إن عوائق كثيرة، سوف تواجه طموحه الشعري، فقد كان يرى الشعراء في تلك المقاهي بأشكالٍ مختلفة، فمنهم من كان يعرف بشعره الطويل، أو لحيته الطويلة البيضاء، أو دون شعر إطلاقاً، إلى جانب أشكالٍ شعريّة أخرى، وهذا ما تسبّب بمتاعب كثيرة له في طريقه نحو صناعة الشعر، ولاسيما أنه سيختار نوعاً من أولئك الشعراء، ليسير في طريقهم .
كان صديقي الصحافي هذا، يتحدّث لي عن طموحه الشعري في مقهى شعبي، يقع وسط «أربيل/هولير» عاصمة إقليم كُردستان العراق، ذلك إنني قلت له إن هذا المكان يذكرني بمقاهي دمشق، فما كان منه إلا أن يسرد لي محاولاته القاسية في أن يصبح شاعراً بعدة خطوات، كانت الأولى منها زيارة أحد المقاهي التي يكثر فيها الشعراء، إلى جانب الخطوة الثانية والتي هي معرفة شاعرٍ ما، وتقليد ماركته من الثياب التي يرتديها هذا الشاعر أو ذاك، وتحركّاته ومشاويره وعدد النساء اللاتي يعرفهنَ، ونوع الحقيبة التي يحملها، وكذلك نوع السجائر التي يدخنها بشراهة، كما لو أنه فقد نجله لا سمح الله!
ولم يكتف صديقي الصحافي هذا، بمعرفة شاعرٍ ما، فبعد أن تردد إلى مقاهي الشعراء في دمشق لمرّات كثيرة، ورأى كيف أن بعضهم يتميز بشعره الطويل، قال بينه وبين نفسه « أنا لست بشاعر. يجب أن أطوّل شعري» كانت هذه المشكلة الأولى التي تقف كحاجزٍ أمني في طريقه، حتى اصطدم بأنواع الحقائب التي يحملها الشعراء، فبعضهم كان يحمل حقائب يد صغيرة، فيما كان البعض الآخر، يحمل حقائب كتفٍ كبيرة، وهذا ما كان سببا ليقوم صديقي الصحافي الذي أكتب عنه الآن، بالذهاب إلى سوق « الخجا « الشعبي في دمشق، لشراء حقيبتين في آنٍ واحد، ويتابع مشواره نحو نجومية الشعراء، رغم أوضاعه المالية السيئة في تلك الفترة، وكذلك عمل صديقي على تعديل معطف والده الشتوي لدى خياطٍ كردي في حي ركن الدين، بعدما رأى أحد الشعراء يرتدي معطفاً، ظناً منه أن هذه الخطوة مهمة أيضاً، حيث كان يرتديها حتى في الصيف، فالشعر يحتاج إلى التضحية، وعلى الشاعر أن يشعر بالدفء وإن كان في شهرِ تمّوز!
فصديقي هذا يحاول دائماً أن يكون شاعراً، ويتابع خطوات الشعراء في دمشق خطوة خطوة، فقد أصبح شعره طويلاً، وصار يملك حقيبتين بدلاً من واحدة، وصار يدخن الحمراء الطويلة، رغم أنه أخبرني كيف كان يسعل طوال الليل، إلا أنه كان يضحي بصحته من أجل الشعر أيضاً، فالحمراء الطويلة هي التي تصنع الشعراء، بل والشعر أيضاً، حتى أنه صادف أحد الشعراء في أحد مقاهي دمشق ذات مرة، وهو يقول له «أموت كلّ صباح، إن لم أسمع أغاني فيروز» فما كان من صديقي الصحافي هذا إلا أن يقول كما قالت صديقتي الدرزية ذات مرة أثناء معاشرة جنسية حين طرق أحدهم الباب علينا «ولي على هالنسوّة»، فقد أعترف صديقي هذا مرة أخرى، قائلاً «أنا لست بشاعر. لأنني لا أستمع إلى فيروز كل صباح» لدرجة إنه استدان مبلغاً مالياً من أحد أصدقائه ليقوم بشراء حاسوب صغير فيما بعد، كي يصبح شاعراً، والقصد أن يستمع إلى فيروز!
كلّ هذه الخطوات التي اتبعها صديقي، من الشعر الطويل، إلى الحقيبة التي توضع على الكتف أو التي توضع في اليد، مروراً بالحمراء الطويلة وأغاني فيروز، والذهاب إلى المقاهي الشعبية قبل ذلك، وكذلك ارتداء المعطف الشتوي في الصيف، هي التي كانت تصنع الشعراء، حتى أنني سألته « كيف تصبح شاعراً في خمسة أيام !؟ « فقال لي «تابعوا خطواتي . وما عليكم بشيء»، إلا إن المصيبة الأبرز أن نسبة لا بأس بها ممن اعتمدوا هذه الخطوات في دمشق وغيرها، أصبحوا من مشاهير الشعراء، فيما لا يزال صديقي هذا، يكتب الشعر، ويكتب الألم، ولا يزال يبحث عن مقبرة للشعر، كي يدفن أحلامه فيها إلى جانب قصائده الحزينة رغم إتباعه هذه الخطوات كلّها ! .
كاتب وصحافي كُردي سوري
جوان سوز