المتوازيات السردية… قراءة في «النظر في الوجه العزيز» للمغربي أحمد بوزفور

حجم الخط
0

1: في مسألة العنوان

يعتبر العنوان من بين العتبات الأساسية التي أثارت كثيرا من اللغط والنقاش في حقل الدراسات السميائية؛ وقال جيرار جينيت «إحذروا العتبات» باعتبارها نصوصا موازية للنصوص القصصية وباعتبارها المدخل لتلقي هذه النصوص.
وأول شيء أريد أن أشير إليه هو عنوان المجموعة القصصية «النظر في الوجه العزيز» حيث انتقده كثير من النقاد العرب باعتباره يتضمن خطأ لغويا إذ يقولون: إن الصواب هو «النظر إلى الوجه العزيز» والحقيقة أن هذه الجملة الأخيرة هي جملة بدون إحساس؛ أما النظر في الوجه العزيز فهي جملة فيها تداعي نفسي وتفاعل مع الذات موضوع النظر؛ لأن (النظر إلى) لا ينقل إلينا الصور مباشرة عكس (النظر في) الذي يلتقط الصور في عيون الآخرين ليعكسها أدبا.
إن حرف الجر (في) يتمتع بحاسة البصر القوية يقوم بعملية اللمس البصري والتفاعل مع الشيء المنظور إليه ويحاوره؛ فحرف الجر (في) يقتنص الفتنة، ويتحسس وجوه الآخرين ويخرج الوجوه من صمتها.
إن المجموعة القصصية «النظر في الوجه العزيز» تدخل في إطار الكتابة الحداثية التي تعتبر الوجه هو العنصر الأساسي في هوية الآخر والذات؛ وهو الجذر الأكثر دلالة للحضور، منه تنطلق السخرية وهي سخرية من نوع خاص على أنها ايديولوجية الوجه «وجها لوجه»

الوجه هو الآخر والأنا في الوقت نفسه

إن القصص المشكلة للمجموعة تحاول خلخلة نظرتنا لكثير من القيم، نظرتنا للوجود والأشياء، حضورنا وغيابنا لذاتنا وألمنا. إن «النظر في الوجه العزيز» تحاول التشكيك في قدرة العيون؛ لأنها تابعة للتقاليد ترى ما تراه؛ وتغمض جفونها عما لا تحب لأحد أن يراه؛ والقاص أحمد بوزفور يرى أنه ينبغي أن نرفع عيوننا لنرى القبح كما نرى الجمال والفتنة.
ونتساءل مع الأستاذ أحمد بوزفور؛ هل يمكننا النظر إلى الوجه العزيز كوثيقة؟ أو التفكير فيه كمعمل للاشعور؟ أو النظر إليه كعقل عظيم؟
حقيقة منذ القدم والوجه يسكن اللغة، الوجه حامل للمعتقدات والأفكار والتصورات، وأحيانا نعتبر الوجه هو الجزء الملعون من الكائن الحي، كل العقوبات تتوجه له، الصفعة، البصق عليه… أحيانا نريد الإعلاء من قيمة الوجه، بإنقاذ ماء الوجه، وبالاهتمام ببقائه على نضارته، واهتمام الوصلات الإشهارية بالبشرة الصافية من خلال ترسانة من أدوات التجميل.
كما للحداثة دور في إعلاء قيمة الفرد عبر تمجيده والانبهار بشكله؛ إنها تجعل الحدود بين وجه وآخر؛ لأن الوجه مقياس الحضور الإنساني؛ عكس النظرة التقليدية التي تنظر إلى الوجوه باعتبارها متجانسة وجماعية، حيث لا يمكن التمييز بين الأفراد، فالوجه ممتزج بالكون وبالطبيعة والجماعة. والوجه عند أحمد بوزفور عامل تفرد مرسوم بدقة ويختلف عن باقي الوجوه هناك وجه حمداش مثلا «قالوا له : تعال يا حمداش وضعوا على عينيه نظارة ملونة، وركبوا في فمه طقم أسنان مذهبا، وأطلقوه في الشوارع مزهوا يتفرج على وجهه المتحضر في مرايا الفترينات» رؤيا حمداش ص 45.
ووجه مرزوقة «انحنت مرزوقة على وجهي، وسوسة، الأقراط … السواك … الصفصاف … السنابل … الضحك… نبض اللحم..
ـ سبحان الله…. حروفه على حروف أمه، ورفعت ذقني بسبابتها وقبلتني في فمي، شفتاها رغم الظهيرة بليلتان، وأنا أحببتها « الأعرج يتزوج ص51-52

2: المتوازيات السردية

يلجأ أحمد بوزفور إلى ما يسمى بالمستقيمات المتوازية؛ وهي تقنية اقتبستها القصة الجديدة من مجال الرياضيات، وهي طريقة تعتمد على الحكي المتوازي في القصة الواحدة، فنرى القصة قد احتوت على قصتين نقرأها في وقت واحد، أو ثلاث قصص بل أربع قصص في بعض الأحيان. في قصة «يسألونك عن القتل» يتحدث بوزفور عن حالة حب وهيام بعيون حبيبته؛ وبشكل متواز يتحدث عن الدراجات النارية وخطورتها، باعتبارها أكثر وسائل النقل تعريضا للقتل. إنه التوازي المحسوس الذي يلجأ إليه بوزفور في قصصه، إنه تواز يتكامل فنيا لخدمة القصة القصيرة لديه، ومن ثم يمكننا أن نصف هذا التوازي؛ بالتوازي المتصل، وليس المنفصل، لأنه اتصال ينبع من ارتباط وثيق بجو القصة وشخوصها، إنه تواز يصل إلى حد الامتزاج والتآلف؛ ليقدم وحدة واحدة هي القصة القصيرة كما تقدمها طاقة بوزفور الفنية. قد نجد توازيا لدى كتاب آخرين، ولكنه في غالبه يصل بالقصة إلى حد الانشطار والانفصال التام، وهذا ما يجعل التوازي عند بوزفور إضافة ذات قيمة في ميدان التجديد والابتكار. والتوازي عنده يتكامل بوضوح حين نراه يأخذ بتعميق مستويين أو عدة مستويات أخرى في قصصه، فضلا عن التوازي المحسوس… حيث إننا نشعر بالمستوى النفسي يتوازى مع المستوى الاجتماعي، والمثال على ذلك واضح في «يسألونك عن القتل» و»رؤيا حمداش» وغيرهما من القصص؛ فنرى التوازي قائما في التصوير حين يصور الأحداث العادية متوازية مع تصوير الخلفية الاجتماعية والخلفية النفسية.
إن التوازي لدى بوزفور ينبئ عن دقة فنية، أو حرفة مقننة في مجال القصة القصيرة، فلا يكتبها كهاو يريد أن يملأ مساحات من الورق، ولا ينسجها من باب الترف الذي يمارسه بعض الكتاب؛ حين يرون في القصة نوعا من الكتابة السهلة، إنه يعتبرها نوعا من الفن القائم على العلم والدراسة فضلا عن الموهبة والخبرة التي اكتسبها بحكم دراسته لتقنيات كتابة القصة الجديدة.
ونشير في الأخير إلى أن أحمد بوزفور كان وفيا لطبيعته؛ ولبيئته المغربية الأصيلة، ولتكوينه الديني، فهو يلتقط موضوعاته من صميم الحياة الاجتماعية المغربية، ويفسرها برؤيته التي يعتقدها، ويضفي عليها مسحة من اعتقاده الديني ومما اختزلته الذاكرة من تقاليد وعادات اجتماعية. كما أنه من حين لآخر نرى القاص يوظف بعض العلامات الترميزية التي لها دلالة في ذهن المتلقي مثل استخدامه للألوان كالأسود الذي يرمز إلى الفحولة والأبيض الذي يرمز إلى الأنوثة، والتقاؤهما من أجل تعمير الأرض والنسل مثل: قصة الألوان تلعب الورق حيث الأسود يرمز إلى مصطفى والأبيض يرمز لخديجة؛ وكذلك في قصة النقطة السوداء «هي ذي نقطة بيضاء حبلى بكل الامكانيات، ولكنها عذراء أيضا كمريم، نحط فيها نقطة سوداء، النقطة سوداء جدا في هذا البحر من البياض وصغيرة جدا في هذا البحر من الفراغ، ولكنها فرحة بوجودها، تتحرك كآدم صغير، تمد أطرافها، تفرك عينيها، تتقلب في فراشها الأبيض، وتمد بصرها إلى الثلج المتساقط حولها» النظر في الوجه العزيز ص36
كما نجد القاص يستخدم بعض الرموز السميائية التي لها مغزى من توظيفها في فضاء القصة القصيرة؛ لما توحيه من دلالات في ذهن المتلقي مثل، الرموز المشار إليها في قصة «النقطة السوداء» وهي على شكلها الهندسي وبمعانيها المتقابلة الرؤيا/الرؤية .الخوف/الشجاعة …. بمعنى أن القاص قد انفتح على ثقافات أخرى مثل الأنتروبولوجيا وعلم النفس من أجل تفسير كثير من القضايا الاجتماعية التي عجز عن تفسيرها العقل الإنساني..

كاتب مغربي

محمد يوب

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية