بسام البدارين عمان ـ ‘القدس العربي’: لا بد من قراءة سياسية وبيروقراطية للعاصفة الثلجية التي أعقبت شقيقتها المطرية في الأردن، ليس فقط لان أجواء الطقس كشفت عن قدرات عجيبة عند الأردنيين على إطلاق النكتة السياسية فقط ، ولكن لانها كشفت بالمقابل عن عيوب فادحة في الإدارة العليا وفي كل المستويات.ولا بد بالتوازي من التوثق بأنه خلافا للقواعد المتوارثة، فقد كشفت ثلوج الأردن خلال اليومين الماضيين فقط عما تحت الثلج قبل ذوبانه، على حد تعبيرعضو البرلمان الأسبق والناشط السياسي مبارك أبو يامين.أبو يامين لاحظ مثلا إنكشافات صادمة لقوة البنية التحتية في العاصمة عمان، قياسا بالبنية التحتية في القرى والمحافظات، بما في ذلك المدن التي تعرضت لأجزاء أكثر قسوة من الثلوج والأمطار.التعليق المباشر في القراءة السياسية على طبيعة الجدل الذي اجتاح النخبة الأردنية يمكن رصده من خلال المحامي البارز صبر الرواشدة، الذي كتب على صفحته على الفيسبوك ملاحظا بأن الأمطار كشفت عيوب البنية التحتية للعاصمة ثم تساءل: هل تكشف الانتخابات المقبلة عيوبا أكبر لاحقا؟وما حصل خلال الأيام الثلاثة الماضية دفع كبار السياسيين لحالة تجاذب وجدل غير مسبوقة، فكمية الأمطار التي هطلت حولت الكثير من شوارع العاصمة عمان الحيوية والإستراتيجية لبرك مائية عطلت الحياة العامة وخلقت إشكالات لا يمكن إسقاطها من أي حساب وأعاقت السير.بدت عمان وعلى حد تعبير طارق العلي مسؤول الصيانة في إحدى شركات الآليات الكبرى، وكان فيضانا ضرب كل قواعدها.قبل العاصفة المطرية الأخيرة كانت البنية التحتية الأردنية يضرب بها المثل من حيث قدراتها الفنية، ومسؤول بلدية العاصمة عبد الرحيم الكيلاني خرج على الرأي العام ليعلن ‘حجم الأمطار أكبر من إمكانياتنا’.التأثير المباشر الأكبر كان على حملات الانتخابات الدعائية فقد سقطت اليافطات والصور وخلت المقرات الانتخابية من الجمهور والمقترعين، وأصبحت الحركة بين المدن والمدن الداخلية صعبة جدا بحيث فقد المرشحون أسبوعا كاملا من العمل سيؤثر بالضرورة على نسبة الاقتراع، في انتخابات تعاني أصلا من ندرة المشاركين وتواجه تحديات نسب الاقتراع حتى قبل تغير الأحوال الجوية.لكن التأثير السياسي والبيروقراطي لم يقف عند حدود ملف الانتخابات، فبعض آليات الإنقاذ التي تحركت لضمان مصالح الناس تعطلت بدورها وتجمعت كميات كبيرة من المياه التي أخفقت أجهزة الحكومة في تصريفها في الأنفاق وتحت الجسور، مما عطل الحياة العامة في الكثير من النواحي وخلق حالة فوضى لا يعرفها بالعادة أهالي العاصمة.باختصار شديد أخفقت أمانة العاصمة في التعامل مع عاصفة أمطار في بلد معتاد على الأمطار وتتغنى دول الخليج ببنيته التحتية.. لذلك سبب بالتأكيد حسب أبو يامين وغيره من المراقبين السياسيين، فالرأي العام لا زال يذكر بان بلدية العاصمة وهي إحدى أخطر وأهم المؤسسات المحلية بلا ‘أمين’ منذ ثلاث سنوات. نخبة من الحكومات المتعاقبة فشلت منذ ثلاثة أعوام في تعيين رئيس لبلدية العاصمة ونخبة من قيادات البلدية في الماضي، بما في ذلك عمدة العاصمة الأخير عمر المعاني خضعت للتحقيق في قضايا مخالفات سابقة.والكادر الوظيفي في هذه المؤسسة العملاقة يعاني من ارتخاء القبضة الإدارية وفوضى الهيكلية، والبلدية بحد ذاتها ‘مستهدفة’ على نحو غريب على حد تعبير مسؤولها الإعلامي سابقا ناجح أبو الزين، الذي تحدث لـ’القدس العربي’ عشرات المرات عن مخاوفه على مؤسسة يحاول الجميع انتهاكها وإعاقتها.النتيجة انكشفت بعد المطر والثلج الأخيرين فمؤسسة مهمة لم يسبق لها أن أخفقت صدمت الأردنيين، وهي تفشل في التعاطي مع ما كانت تتميز دوما بالقيام به وهو استيعاب الظروف الجوية القاسية.وهو إخفاق لا يقف بكل الأحوال عند حدود بلدية العاصمة ومجالس بلديات المحافظات، بل يشمل وزارة الأشغال وسلطة المياه وشركات مياه القطاع الخاص ووزارة المياه وغالبية أجهزة الدولة والحكومة، بعدما تبين أن مؤسسات الأمن والجيش فقط هي التي تتحمل الكلفة وتغطي قصور مؤسسات مدنية بيروقراطية.فرق الدفاع المدني وأطقم إدارة السير والقوات المسلحة كانت وحدها في ميدان الإنقاذ والتغطية على عيوب وقصور المؤسسات المدنية وأي تصفح لوسائط الاتصال يكشف اعتراف الأردنيين بهذه الحقيقة، فمن ساعد الجمهور وقاموا بواجبهم عسكريون لا علاقة لهم بالبنية التحتية.اللافت هنا أيضا ليس أن بلدية العاصمة أكبر بلديات المملكة بلا ‘عمدة’ منذ ثلاث سنوات، فوزارة المياه إحدى أهم الوزارات ‘بلا وزير’ أيضا لإنها دمجت بعد التشكيل الحكومي الأخير برئاسة عبد الله النسور بوزارة البلديات، فانكشف الخطأ البيروقراطي الأضخم، لان الدمج تسبب بقصور كبير في عمل وزارة المياه بدون التمكن من مساعدة وزارة البلديات.لذلك لا يسهل تحديد الجهة المسؤولة عن الإخفاق في مواجهة المطر والثلج، الأمر الذي يفسر حالة اللوم وتبادل الاتهام ما بين أجهزة البلديات وأطقم وزارتي الأشغال والمياه.حتى في مخيم الزعتري للاجئين السوريين تصدر ضعف الإدارة والتجهيز من الجانب البيروقراطي الأردني، ففكرة الإاتعداد للعب سياسيا بورقة اللاجئين تضررت بعدما ظهر لاجئون سوريون على شاشات الفضائيات يطالبون بشار الأسد بقصفهم داخل الأردن بسبب اجتياح المطر والرياح ولاحقا الثلج لخيمهم البائسة وتأخر الحلول والمعالجات.ولذلك اندفعت النكتة السياسية من عقالها كما لم يحصل قبلا في تاريخ الأردنيين فالناطق الرسمي سميح المعايطة وجه له سؤالا على شكل نكتة سياسية: معالي الأخ كيف تعتبر أنكم جاهزون للتعامل مع الكيماوي السوري ما دمتم فشلتم في التعامل مع الشتاء؟النكتة السياسية سيطرت على الأجواء تماما كما يقول الناشط والإعلامي شرف أبو رمان فصور السيارات وهي عالقة في تجمعات المياه نشرت بكثافة بجانب تصريح رئيس الوزراء وهو يقول: نتعامل بكفاءة مع أحوال الطقس.ووفقا للنكتة السياسية تم استنساخ التجربة المصرية التي تعاملت لعقود بسخرية مع فشل المؤسسة البيروقراطية المصرية لسنوات طويلة فقد ظهرت في شوارع عمان التماسيح وسفينة التايتانك، وتم الإعلان عن رحلات شتاء عمان عبر قوارب زجاجية وأطلق الأردنيون بخفة دم ظاهرة عشرات النكت التي تشكي حالهم الإداري والبيروقرطي. qarqpt