ملكيات في بداية 2013.. ساعة اختبار

حجم الخط
0

صحف عبريةفي ختام سنتين على ‘الربيع العربي’ يخيل أن هزته تجاوزت الملكيات التي تبدو أنظمتها، ظاهرا، كمن تميز بالصمود وبقدرة البقاء الاعلى من الانظمة غير الملكية. وبالفعل، فان من دفع حتى الان الثمن كان الطغاة الحديديين والحكام السلطويين مثل بن علي في تونس، مبارك في مصر، القذافي في ليبيا وعلي عبدالله صالح في اليمن. الرئيس السوري، بشار الاسد الذي يكافح في سبيل حياته وفي سبيل حكمه في واقع سوري نازف، يستجيب جيدا لهذا التعريف هو أيضا. ومع ذلك، في ضوء الظروف الاقليمية الجديدة، فان مسألة صمود الانظمة الملكية لا تزال سارية المفعول، بل وتستوجب بحثا متجددا. البحث في موضوع صمود الملكيات أشغل الكثيرين. وكان هناك من ادعى ان الملوك، خلافا للحكام المخلوعين الذين اعتبروا طغاة فاسدين ومنفلتي العقال، تمتعوا بقدر كبير من الشرعية بسبب ‘شبكة العلاقات الحميمة’ مع مواطنيهم بشكل أتاح لهم مجال عيش أكبر من الانظمة ذات الحكم المطلق غير الملكيين. فقد نجح الملوك والامراء في أن يضعوا أنفسهم فوق الخلافات الفئوية، بل وفي حالات عديدة اصبحوا رموز الدولة وفي كل الاحوال جزءا لا يتجزأ من هويتها الاجتماعية والسياسية. ‘الثلاثي المقدس’ الذي يظهر في ختام النشيد القومي المغربي، ‘الله، الوطن، الملك’ هو مثال ملائم على ذلك. واختار آخرون أن يعللوا صمود الملكيات بعناصر جغرافية سياسية مثل الدعم العسكري، السياسي والاقتصادي واسع النطاق من جانب الدول الغربية، او جغرافية اقتصادية، وعلى رأسها احتياطيات النفط الكبرى التي توفر للانظمة الملكية مجال مناورة داخل دولهم وقدرة بقاء افضل. وتعود هذه الحجج الى البحث التاريخي وهي تؤثر بقدر كبير على طبيعة تحليل الباحثين لمواقف الملكيات في هذه الايام. غير أن هذه الحجج، وإن كان فيها ما هو حقيقي، فانها تتجاهل تأثير البعد النفسي ‘للربيع العربي’. فتحطيم حاجز الخوف في صورة جمهور شعبي يؤم الميادين ويطيح بالحكام ترك أثره على الملوك والرعايا على حد سواء. وشهدت الملكيات العربية في السنتين الاخيرتين ساحة عامة هائجة ووقفت غير مرة امام تحديات جديدة. هكذا مثلا الثورة في البحرين التي شهدت احداثا دموية، رغم أنها قمعت حاليا. وتعد العلاقات بين الاغلبية الشيعية والاسرة المالكة السنية متوترة على نحو خاص في المملكة الصغيرة. وهكذا ايضا المظاهرات في الاردن وفي المغرب، التي أصبحت منذ وقت غير بعيد مظهرا دائما. وفي الحالتين الاخيرتين أنصت الملكان لاصوات الشارع وبادرا الى اصلاحات دستورية غير مسبوقة (المغرب) وتغييرات في الساحة البرلمانية (الاردن). وفي ملكيات اخرى ايضا، مثل السعودية وعُمان، لم يغب صوت الاحتجاج الاجتماعي السياسي الذي ركز على غلاء المعيشة وحقوق المواطن. ويعد البحث في الملكيات العربية معقدا ويستدعي ملاحظة تحفظ. فهي ليست مصنوعة من جبلة واحدة، وفي الوقت الذي يوجد بينها قواسم مشتركة، لا تزال كثيرة الفوارق بين الملكية وشقيقتها. فالاردن والمغرب، مثلا، هما دولتان قليلتا الامكانيات من ناحية اقتصادية ولهذا فانهما تختلفان بقدر كبير لغرض هذا التحليل عن ملكيات غنية بالمال، مثل السعودية. البحرين مثلا، هي ملكية الدينامية الداخلية فيها يمليها بقدر كبير النزاع الشيعي ـ السني العتيق والاسرة المالكة السنية هي أقلية تسيطر على الاغلبية بينما الملكيات الاخرى ليس هكذا الامر فيها.رغم الاختلافات القائمة بين الانظمة الملكية، لا يزال ممكنا مد خط مشترك يشرح مصاعب الملكية العربية في الواقع الشرق اوسطي المتغير. وكقاعدة، تعتبر الانظمة الملكية في اجزاء كبيرة من الشرق الاوسط في زمننا كأنظمة الامس. وهي بقدر كبير تتماثل في ‘الشارع العربي’ كقوة رجعية ومضادة للثورة، تعاونت على مدى السنين مع بعض الحكام الذين اطاحت بهم ثورات ‘الربيع العربي’. وفي السنتين الماضيتين ركزت الثورة على كفاح لا هوادة فيه ضد الطغاة الحديديين مثل معمر القذافي، علي عبدالله صالح وبشار الاسد، ممن بدت قبالتهم الملكيات بانها أهون الشرور. ولكن سقوط الطغاة وقيام منظومات برلمانية تقوم على أساس الانتخابات الحرة في مصر وفي تونس، سيخلق أغلب الظن، أثرا نفسيا سيشدد الضغط لتغيير الانظمة الملكية ايضا.الوعود بالتغيير التي قطعت مؤخرا باسم الملوك ستخضع لاختبار جماهيري اكثر شدة في العام 2013، وعلى الملوك انفسهم سيحل واجب البرهان. ومن شأن ‘جر الارجل’ من جانب الملك ان يرفع مستوى الاحتجاج وان يؤدي الى مواجهة محتمة بين الملوك ورعاياهم. وبالتالي فان الملكيات العربية ستضطر الى تغيير أنماط عملها وتعيد صياغة أبعاد المعادلة السياسية في ظل نظرة واقعية لصورة الواقع الاجتماعي الجديد. فقد تشققت جدا صورة الاب الطيب والمحسن المحوط بشرعية السلالة الدينية، وفي الخطاب الجماهيري ينطلق انتقاد غير مسبوق تجاه مؤسسة العرش ودور الملك. وسيكتشف الملوك العرب بانه فقط في السير المدروس والعاقل وبعمل جم يمكنهم ان يحافظوا على أساس الشرعية التي اعتبرت حتى الان أمرا مسلما به. وطوال هذا الوقت يتعين على الملوك أن يحفظوا عن ظهر قلب بان القمع الشديد جدا للاحتجاج وتشريع قوانين مقيدة من شأنه ان يبدد بسهولة صورتهم التقليدية كحكام يحسنون الانصات ويرتبطون بشعبهم ويجعلهم في نظر الجمهور صيغة اخرى للطغاة الحديديين المكروهين. وحسب الملكيات الغنية بالنفط غير حصينة امام مثل هذه التحديات. فالشباب المثقفون، والعاطلون عن العمل في الغالب، في هذه الدول مندمجون جيدا في الخطاب الجماهيري وغير مرة يعربون عن تضامنهم مع قوى الثورة في الدول العربية الاخرى. ومن شأن هذا الجمهور، في المدى المتوسط أو البعيد، ان يشكل للاسر المالكة تحديا اجتماعيا سياسيا واسعا يتضمن ضمن أمور اخرى مطالبة قاطعة اكثر من الماضي بالتغيير الحقيقي في المنظومة السياسية. لم يؤدِ التصعيد في الاحداث في المملكتين في البحرين وفي الاردن بعد الى تحطيم قواعد اللعب المتبعة فيهما. يبدو أن حركات الاحتجاج تدير صراعا محسوبا يسعى الى تحسين المواقع ولا ترغب في هذه المرحلة بتدمير أسس الملكية. ومن شأن الاحتدام الثوري، كما يفيد الواقع في دول اخرى شهدت الثورة، ان ينتهي بالفوضى التي تضرب الملوك ورعاياهم على حد سواء. في أوج ‘الربيع العربي’، تقف الملكيات العربية أمام تحدٍ شديد على نحو خاص. وفقط في الدول المتوازنة المبنية من جهة على استعداد الملوك لتطوير المنظومة السياسية والاستجابة الى أمر الساعة ومن جهة اخرى الى استعداد الجمهور ‘للاكتفاء بنصف طموحه’، يمكن ان يساعد الملكيات في صراعها للبقاء. البروفيسور عوزي رابيمفترق الشرق الاوسط 9/1/2013qebqpt

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية