تمهيداً لسرد السجن ونقده

حجم الخط
0

‘بالخلاص، يا شباب!’ لياسين الحاج صالح:سليم البيكلم يُكتب الكثير من أدب السجون في سورية، أو بعبارة أدق أقول أن حجم ما كُتب حتى الآن لا يوفي تجربة السجن السياسي في سورية حقها، وهذا لا ينفي حقيقة أن سورية لما فيها من سجون أبرزها سيئ الصيت تدمر- قد تكون أنتجت في أدب السجون ما يفوق ما أنتجته الدول العربية الأخرى، كماً للعدد الهائل من ‘السجناء السياسيين السابقين’ ونوعاً لفرادة القسوة التي ميزت سجون سورية عن غيرها ما انعكس على كتابة السجن وتجربته، أدباً وبحثاً وكذلك سينما.الكتاب الجديد للكاتب السوري والسجين السياسي السابق ياسين الحاج صالح ‘بالخلاص، يا شباب! 16 عاماً في السجون السورية’ (الساقي 2012) قد يمهد لمقاربة ما، يمكن الانطلاق منها للكتابة عن السجون، أكان الكاتب سجيناً سابقاً يروي قصته أم كاتباً يروي قصة غيره. الكتاب عبارة عن عدة نصوص كان الحاج صالح كتبها بين 2003 و 2012، يعرّفه بأنه ‘لا هو يندرج مرتاحاً في خانة ‘أدب السجون’، ولا هو بحث اجتماعي، ولا هو كذلك سيرة ذاتية لسجين، ولا هو أخيراً وثيقة سياسية أو حقوقية’. إلا أنه محاولة لـ ‘تحويل السجن إلى موضوع ثقافي’، لكني أعتقد أن في النصوص نجد كذلك- كل ما ذُكر أعلاه بما فيه سيرة أدبية مختصرة عن تجربة الحاج صالح نفسه، ونصوص سوسيولوجية تفكك مجتمع السجن وما بعد السجن ثقافياً لنزع السحر عنه ومساهمة في تقويض ما يتصل به من أساطير، كما طرح الكاتباعتُقل الحاج صالح في 1980 وكان في العشرين من عمره وعضواً في الحزب الشيوعي السوري-المكتب السياسي، وقد أحيل مع رفاق آخرين إلى سجن حلب المركزي في المسلمية، نُقل إلى سجن عدرا شمال دمشق في 1992 ثم محكمة أمن الدولة العليا. في 1994 نال حكماً بالسجن لـ 15 عاماً لتنتهي محكوميته في 1995 لكن بدل أن يُفرج عنه نُقل إلى سجن تدمر ليقضي سنة قبل الإفراج عنه، كانت الأسوأ في جميع سنوات اعتقاله.من بين أهم الأفكار الواردة في الكتاب وفي أكثر من نص وبمقاربات متنوعة هي ‘الزمن’، من ناحية اعتراف السجين بسجنه ودمجه بصورة عضوية في حياته (سماه الكاتب بالاستحباس)، وألا يعتبره حالة انتقالية مؤقته ينتظر من خلالها مرحلة ما بعد السجن، خاصة في حالات السجن العرفي حيث لا يعرف السجين متى يخرج، أو لا يعرف إن كان سيخرج أصلاً. ويؤكد الحاج صالح ذلك بالقاعدة الجوهرية للسجين: ‘اعمل لسجنك كأنك مسجون أبداً، واعمل لحريتك كأنك مُطلق السراح غداً!’وتنعدم علاقة السجين بالزمن تماماً في سجن تدمر، حيث تجمد زمن كل سجين لحظة دخوله السجن وهي الحالة القصوى السلبية مقابل الحالة القصوى الإيجابية أي الحياة خارج السجن، أما السجون الأخرى فتحتل نقاطاً في مواقع متقاربة بينهما، حتى أنها أقرب إلى قطب العالم الخارجي منها إلى قطب تدمر كما يؤكد الحاج صالح. وليس في ذلك استسهال لعلاقة السجين في غير سجن تدمر بالزمن، أبداً، بل استحالة تلك العلاقة في السجن سيئ الصيت.لكن هذا الزمن المجمد في حياة السجين، لا يلبث أن ينهمر دفعة واحدة عليه نفسياً وجسدياً واجتماعياً لحظة خروجه، حينها يلمس الفرق بين ذاته في أزمنة متجمدة استطالت في السجون، وتحديداً تدمر، وبين آخرين خارج السجن عاشوا أزمنتهم بكل لحظاتها (في الوثائقي ‘رحلة إلى الذاكرة’ يذكر الحاج صالح كيف تَحُول التفاهات في حياة الإنسان العادية كالجلوس في حديقة وتأمل الناس، إلى أقصى ما قد يتمناه السجين(يجيب الحاج صالح في حوار هو احد نصوص الكتاب: ‘ليس هناك قطعَ غيار لهذا العمر. الواحد منا لا يكون شاباً مرتين، ولا يمر بسن الحادي والعشرين والخامس والعشرين والثلاثين … وما فيهما من صبوات وشعور بالذات وشجاعة وحماقة… إلا مرة واحدة. وهذه المرة سرقها السجن من مئات وألوف. ومني’.تكمن أهمية فكرة الزمن هنا كما طرحها الكاتب في أن إدراكها لدى السجين يؤسس أولاً لكيفية ‘عيش’ هذا اللازمن داخل السجن، وثانياً في كيفية المصالحة بين حالة الزمن المنقطعة عما عرفه السجين قبل سجنه وبين وهو الأهم- الشعور بهذا التجمد كأنه الأبد، فالوقت في السجن يمضي بأبطأ ما يمكن تخيله أو ينعدم الاحساس به (وهو ما يوحي بتجمده) في الوقت الذي يبدو كأنه انقضى بأسرع ما يمكن فور خروج السجين إلى الحياة العادية واسترجاعه السجن ذهنياً.في مقابل فكرة ‘الزمن المتجمد’ طرح الكاتب فكرة ‘قتل الوقت’، في غير سجن تدمر حيث لا يكون الزمن مجمداً تماماً، ما يتيح للسجين فرص قتل الوقت بما في هذا الزمن المجمد من فواصل أو ثغرات وقتية. وهذا ما سماه الحاج صالح بـ ‘ترويض الوقت’ ليكون الوقت في السجن مكرساً لذاته لا لانتظار إفراج قد لا يأتي. وفي حالة الكاتب هنا كانت أدواته في هذا الترويض هي القراءة بالدرجة الأولى (حين سُمح بإدخال الكتب والأقلام بعد إضرابات متكررة) والكتابة. يقول: ‘نعم، في السجن تغيرت وانعتقت من أغلالي الداخلية، وفي السجن تصالحت مع نفسي، وفي السجن كانت ثورتي الشخصية’، متحدثاً عن تكوين وعيه وثقافته في السجن عبر قراءات كثيفة ما كانت تتوفر له في ظروف حياة عادية، وليس للسجن فضل في ذلك بل لفكرة الترويض والاستثمار المعنوي، لغاية ما أسماه الكاتب ‘رأسمال معنوي’ يبنيه السجين في سجنه ويبني عليه حياته ما بعد السجن إن خرج بحالة جسدية ونفسية تسمح له بذلك، وبالطبع إن لم يُعدم ميدانياً قبل ذلك.إضافة لفكرة الزمن والوقت، قارب الحاج صالح أفكاراً كالخصوصية في السجن وبعد الخروج منه، علاقات المعتقلين السابقين مع الجنس الآخر والأسرة والمجتمع، أصناف المعتقلين السابقين، عن المثقفين الذين صنعهم السجن السياسي (والكاتب أحدهم)، عن المعتقل اليساري السابق كحالة برجوازية، وأفكاراً ومواضيع عديدة قد تمهّد لأي عمل بحثي أو أدبي يتناول السجن وعوالمه، دون أن ينفي ذلك أن لكل قصة فردية ما يميزها، يقول الحاج صالح بأن ‘لا سجين سابقاً يشبه سجيناً آخر، إن التوثيق الشخصي، وبالصوت والصورة إن أمكن، لأكبر عدد من المعتقلين السابقين، هو فقط ما يمكن أن يحيي تجاربهم ومحنهم’. وهو كذلك ما يمهد له ‘بالخلاص، يا شباب!’، وبشكل نقدي.وفي ذلك نورد الفقرة التالية من أحد نصوص الكتاب: لوفرة ‘أصحاب العلاقة’ من الكتّاب لم يكد يكتب أحد غيرهم عن السجن في السنوات الأخيرة، بيد أن ما كُتب عن السجن حتى اليوم، وهو قليل قياساً إلى حجم التجربة، لا يزال مشدوداً إلى الإدانة والفضح والتشهير، ولما ننجح في جعل السجن الذي تثقف أكثرنا فيه موضوعاً ثقافياً. ربما لأن هذا يقتضي ‘احتراماً’ للسجن لا تمكننا من إبدائه الشروط السياسية والأمنية والقانونية الراهنة في البلد.والحديث عن سورية ما قبل الثورة، لعل الأمر اختلف الآن، القدرة على ‘احترام’ هذه التجربة وسردها ونقدها ثقافياً يستلزم بعض الجرأة الأخلاقية، هي ممكنة جداً عند شعب استطاع أن يقوم بثورة كالتي نشهدها في سورية، والتي أتت كنتيجة أساسية لمفاهيم وحالات نقرأها في هذا الكتاب.qadqpt

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية