في شهر رمضان الذي انتهى قبل نحو اسبوعين، نظمت بلدية الطيرة امسيات ثقافية وفنية في ساحة البلدية بعد الافطار. الكثيرون من سكان المدينة أموا الساحة، نساء ورجال واطفال شاهدوا عروض الغناء والدبكة للفرق التقليدية، ولكن الانتقاد لم يتأخر في المجيء: دوائر إسلامية في المدينة ادعت بان امسيات رمضان اصبحت احداث اختلاط للنساء والرجال، بل وهاجم أحد اللأئمة في المدينة المناسبة في خطبة يوم الجمعة.
في أم الفحم نظم فرع التجمع الديمقراطي المحلي وليمة افطار لشباب الحزب، كان في نهايتها برنامج فني اختتم بدبكة شارك فيها البنون والبنات وهم يمسكون بأيادي بعضهم البعض. فيلم قصير نشر على الانترنت أثار عاصفة. وطرحت على الفيسبوك تعليقات تهديد تتضمن صور أسلحة وشعارات ضد منظمي المناسبة. في هذه الحالة كان ايضا انتقاد مضاد اتهم ناشري الصور بانهم يحاولون فرض الرعب على نمط داعش.
هذا الجدال، بين التيار العلماني الليبرالي ومؤيدي الاجندة الإسلامية، يجري من تحت الرادار الجماهيري في البلاد، ولا سيما في الشبكات الاجتماعية وفي مقالات الرأي بالعربية، ولكنه يقظ ولاذع أكثر من أي وقت مضى: فالإسلاميون يتهمون العلمانيين بانهم يقودون نحو ضياع القيم، وهؤلاء بالمقابل يتهمونهم بالاكراه الديني.
واذا كانت قلة في الماضي تجرأت على انتقاد رجال الدين، وفعلت ذلك في الغالب بتردد، فقد تغير الميل اليوم وفي الشبكات الاجتماعية لم يعد خوف من مواجهة رجال الدين جبهويا بل ومواجهة كبار رجالات الحركة الإسلامية. وبالتوازي تتصاعد النبرات في الطرف الاخر ايضا.
وكتب الكاتب والمسرحي علاء حليحل قبل سبع سنوات مقالا هاجم فيه السلوك في صوم رمضان وتلقى عندها انتقادا شديدا من قادة الحركة الإسلامية. أما اليوم فهو يقول انه كان في حينه شبه وحيد في هذه المعركة وذلك لان العلمانيين في المجتمع العربي خافوا من مهاجمة رجال الدين.
ولكن في السنوات الاخيرة، ولا سيما عقب التقلبات في العالم العربي، بدأت الصورة تتغير: «الناس يرون ما يحصل في سوريا او في مصر ويتلقون الالهام.
في الدوائر الإسلامية، بما في ذلك الحركة الإسلامية، بدأوا يتحدثون بتعابير الدولة والخلافة الإسلامية، وهناك من يحصلون على الالهام من النظام في سوريا او في مصر، ويهاجمون التيار الإسلامي ويرون فيه خطرا على المجتمع».
ويعتقد حليحل بانه من ناحية المجتمع العربي في اسرائيل، هذه معركة وجودية. ويضيف: «في الوضع الذي نعيش فيه اليوم الصراع ضد خطاب الخلافة الإسلامية هو في أولوية لا تقل في اهميتها عن الصراع ضد الصهيونية.
موقف مشابه عبر عنه مقال افتتاحي نشرته جريدة «الاتحاد» الناطقة بلسان الجبهة الديمقراطية «حداش». وجاء في المقال انه «سهل جدا الهجوم على مؤسسة رسمية وحكومة تتخذ سياسة التمييز والقمع، او على عدو يهدد المجتمع، ولكن من الصعب جدا مواجهة الاعداء من ابناء شعبك الذين يعيشون في داخلك».
ليالي رمضان في الطيرة والدبكة في ام الفحم كانت كما اسلفنا الاحداث الاخيرة التي بسببها احتدم الجدال. هذا ميل يلوح في السنوات الاخيرة. وعروض «وطن على وتر» الساخرة شطبت من البث بدعوى انها تشهر بالنبي محمد. وثار في الطيرة جدال مرير بسبب محاولة حنين راضي تنظيم ميراتون في المدينة في شهر نيسان ـ فقد عارضه رجال الدين بدعوى أن البنات قد يشاركن في السباق بلباس غير محتشم وانتهى الجدال باطلاق النار على سيارة حنين راضي والغاء الميراتون.
وفي بعض البلدات في منطقة وادي عارة تشكلت لجان محلية لارشاد الشباب والشابات بروح القيم التقليدية، ولكن هناك من يرى فيها محاولة للاكراه الديني ويذكرون ان النظام السعودي يستخدم لجانا مشابهة باستثناء انها نزاعة اكثر إلى القوة. وثمة في المجتمع العربي من يخشى أن يتسلل هذا الجدال إلى مناسبات كانت في الماضي اجماعا، كالمسيرة في يوم النكبة التي تنظمها لجنة الدفاع عن حقوق النازحين في اسرائيل. وفي السنوات الاخيرة يسود صراع بين منظمي المسيرة والحركة الإسلامية التي لا ترضى عن وجود مقاطع فنية في المسيرة.
يعتقد العلمانيون والمتدينون على حد سواء بان هذه الصراعات تتأثر بما يحصل في العالم العربي في السنوات الاخيرة: صعود الإسلام السياسي، ولا سيما في مصر وتونس في اعقاب الربيع العربي، وفي مرحلة متأخرة ظهور داعش، جبهة النصرة وغيرهما من منظمات التيار السلف في سوريا، والذي أثر جدا على المزاج العام في العالم العربي، بما في ذلك في المجتمع العربي في اسرائيل. ولاقى الامر تعبيرا له في الشرخ بين مؤيدي النظام في سوريا وبين مؤيدي المعارضة، وبين مؤيدي السيسي في مصر ومؤيدي الاخوان المسلمين.
وقد احتدم الجدال ووصل إلى مستويات عالية في التجمع الديمقراطي والحركة الإسلامية. النائبة حنين الزعبي، في مقال بعنوان «مشكلتنا هي الحركة الإسلامة، وليس الإسلام»، كتبت تقول: «ان الحريات والسلوكيات المتعلقة بالمعتقدات وبالاختلاط بين النساء والرجال في المجتمع العربي، ليس فيها صداما مع الإسلام: اما ما يتصادم فهو القمع والايديولوجيا التي ترى في كل مختلف كافر».
وردا على ذلك كتب الشيخ كمال الخطيب، نائب رئيس الحركة الإسلامية: «لا نريد ان نفرض الدين وقيم الدين، نحن نريد ان نحمي قيمنا ومعتقداتنا والحفاظ عليها وعدم اخضاعها وتوجيهها إلى المسار الذي يقودنا فيه الغرب، نحن مع التطور، ولكننا سنحافظ على أنفسنا بالضبط مثلما يفعل الغرب ـ فهو يأخذ الامور الجيدة من العرب والإسلام في التعلبم، في الطب وفي الكثير من المجالات ولكنه لا يصبح مسلما».
وكان الخطيب في عين العاصفة غير مرة في السنة الاخيرة، بسبب تصريحاته ـ كذاك الذي أيد فيه اقامة الخلافة الإسلامية في البلاد المقدسة ـ والهجوم الحاد على المنظمات النسائية في المجتمع العربي بدعوى أنها تأخذ البنان إلى قيم غير مناسبة للقيم العربية والإسلامية.
وقال رئيس بلدية الطيرة مأمون عبدالحي لـ «هآرتس» انه رغم الجدال الذي أثاره مهرجان أمسيات رمضان، فقد اصر على عدم تغيير البرامج: «اوضحت من اللحظة الاولى بان هذا النشاط هو في نظري ثقافة وفن يحترم رمضان ويحترم السكان. انا أرى في مجتمعنا مجتمعا تعدديا ـ يوجد علمانيون، متدينون وتقليديون، ولا يمكن فرض ارادة طرف واحد على الاخرين. من يريد أن يكون في المسجد فليكن، ومن يريد أن يشاهد الفن يمكنه أن يفعل ذلك. لا توجد هنا أي مشكلة».
يقول عبدالحي ان الصراع الثقافي ليس جديدا في المجتمع العربي، ولكنه يتلقى الان تعبيرا في اعقاب الانكشاف في الانترنت. «ابي كان رئيس بلدية على مدى 30 سنة، وأنا، عندما كنت طفلا، كنت أشهد جدالات كهذه عندنا في البيت»، قال. «ولكن في حينه لم تكن شبكات اجتماعية وكانت الامو تحسم بهدوء».
عضو المكتب السياسي للحركة الإسلامية، عبدالحكيم مفيد، يقول انه «توجد هنا محاولة للتشهير انطلاقا من العداء للإسلام، او من مصلحة حزبية او سياسية. نحن في الحركة الإسلامية، نتبنى ايديولوجيا إسلامية في نظري هي معتدلة جدا. وانا شخصيا ومسؤولون آخرون كتبنا ضد داعش وضد جبهة النصرة والقاعدة. ليس لهذا نتطلع وليس من اجل هذا نعمل».
واضافة إلى ذلك يضيف: «ليس كل انتقاد لسلوك اجتماعي أو حدث لا يتناسب وقيم الإسلام يجعلنا قاطعي رؤوس. هذا تحريض منفلت العقال. وحتى تعبير اقامة الخلافة الإسلامية او الدولة الإسلامية ـ هذا قول للنبي محمد، قبل داعش وقبل القاعدة. هذا معتقدنا ويمكن الاتفاق معه او عدم الاتفاق معه، ولكن هذا لا يعني اننا نحاول أن نفرضه. هذا ببساطة تشهير».
يجري هذا الجدال في هذه الاثناء على مستوى فردي او على مستوى الكتل والمنظمات ـ القائمة المشتركة لم تنشر بعد موقفا رسميا. ولكنه يؤثر ايضا على اعتبارات انتخاب رئيس جديد للجنة المتابعة العربية، الانتخابات التي يفترض ان تجرى في نهاية آب. المنصب غير مشغول من نحو سنتين وموعد الانتخاب تأجل اكثر من مرة. وتضم اللجنة مندوبين من كل التيارات، ولا يزال يدور جدال حول شكل انتخاب الرئيس، وبالاساس ـ من ينتخبه.
هآرتس 31/7/2015
جاكي خوري