ملاحظات حول كتاب ‘سِيَرُ الملوك أو سياست نامة’ لنظام المُلك الطُّوسي

حجم الخط
0

مهدي نصير هذا الكتاب الذي ترجمه عن الفارسية الأستاذ الدكتور يوسف بكَّار وصدر قي ثلاثِ طبعاتٍ قبل صدوره ضمن مشروع مكتبة الأسرة الأردنية عام 2012 ويقع مع فهارسه ومصادره ومقدماته في 320 صفحة من الحجم الكبير.

ربَّما لم يحظَ وزيرٌ في العصور الاسلامية كافةً بالشُّهرة التي حظي بها مؤلف هذا الكتاب من حيث الفترة الطويلة التي قضاها وزيراً مطلقَ الصلاحية في عهديْ السلطان السلجوقي ألب أرسلان وابنه ملكشاه في الفترة من 455 485 هـ ومن حيث الهالة الأسطورية ( أسطرة علاقته بصباه مع كلٍّ من زعيم الحشاشين حسن الصَّباح وشاعر الفرس الكبير عمر الخيَّام ) والتي أُحيطت بها شخصيته وذكاؤه وحنكته في إدارة شؤون الدولة المترامية الأطراف والتي حاول في كتابه هذا الذي كتبه بناءً على طلب السلطان السلجوقي ملكشاه أن يقدم عُصارة تجربته في الحكم وإدارة الدولة ونصائحه وتحذيراته مدعَّمة بقصص من تاريخ الملوك والأمراء السابقين وكيف كانوا يعالجون ويديرون ممالكهم ومعاركهم وينتصرون.

يتكوَّن الكتاب من خمسين فصلاً وباباً تناول كلُّ فصلٍ منها شأناً من شؤون الدولة والديوان والمُلك والوزراء والندماء والنساء والغلمان والكُتَّاب والمحتسبين والعسس والبريد ومُنهي الأخبار والسُّفراء والطعام والشَّراب وآدابهما ومن يقوم عليها والتشريفات وكيف يجلس رجال الدولة في حضرة السلطان وكيف يجلس النُّدماء وكيف يعامل السلطان كلَّ فريقٍ منهم وكيف يحاسب عمَّاله وقادةَ جيشه وقاضي قُضاته وكيف يكوِّن حرسه الخاص وكيف يُدير ويراقب خزائن أمواله وكيف ينتقي عمَّاله وموظفيه ووزرائه وكيف يعاقبهم وكيف يكافؤهم ويُديم ولائهم له ويبيِّن له من هم أعداؤه ومن هم أصحاب الملل الفاسدة ومن هم محبُّوه والذين عليه الاعتماد عليهم وفي كلِّ ذلك كان يُعزِّز أرائه بقصصٍ ومأثورات من التراث الاسلامي ومن التراثين الفارسي والتركي ومن تجاربه وخبراته الشخصية.

ولا بدَّ في قراءةٍ معاصرة للكتاب من الإشارة لبعض الملاحظات حول أهمية الكتاب في قراءة المناخ السياسي والفكري والصراعات التي كانت تسود الدولة الاسلامية في مرحلة هامة من مراحل التاريخ الاسلامي ( في القرنين الحادي عشر والثاني عشر الميلاديين ) وهما القرنان اللذان رسما خريطة التوقُّف عن التطوُّر والنكوص للخلف وقمع المعارضين بقسوة وقمع المذاهب والمدارس الفكرية المخالفة والمُطالِـبة بتنوير وتطوير الفكر والمجتمع الاسلامي وإعادة عجلة الحياة والتطور إليه:’ هذا الكتاب في جوهره كناب في الآداب السلطانية والتشريفات الملكية وطقوسها وتقاليدها وربما كان كتاب ‘ الأمير ‘ لميكافيللي الذي كتبه لأمير فلورنسا صيغةً أوروبيَّةً من كتاب نظام المُلك وربما كان ميكافيللي متأثراً به وذلك للشبه الكبير بين فصول الكتابين ولمن كُتبا وموقع المؤلف في كلا الكتابينِ من الأمير الذي كتبه له.’ لم يُخفِ نظامُ المُلك أرائه الشخصية في أعدائه المقرَّبين من السلطان وحاول في أكثر من فصل الدسَّ عليهم والوشاية بهم كحديثه عن منافسهِ تاج المُلك ومحاولته تخفيض نفقات الجيش وما سوف يجلبه ذلك من ضعف للدولة والسلطان.’ في كثير من الفصول كان يقدِّم نصائح حقيقية للسلطان كتقريبه للعلماء ومحاورتهم والتعلم منهم والإطِّلاع بنفسه على شؤون الرعية ومراقبة عمَّاله وفتح ديوانه بأساليب مبتكرة لسماع شكوى المظلومين وإنصافهم ومعاقبة الظالمين والاقتصاص علناً منهم وتبديلهم كل فترة بحيث لا يُقيم الوالي أكثرَ من سنتين إلى ثلاث سنوات في منصبه، وتولية الأكفاء وأصحاب الخبرة والدراية والدين والسَّفر ومعرفة البلاد والعباد لأنهم الأقدر والأعرف والأذكى في معالجة شؤون الناس ومعرفة أحوالهم.’ كان واضحاً في فصول الكتاب الدور الايدلوجي والتحريضي الذي مارسه المؤلف ضد كلِّ مخالفيه وألبس ذلك لباساً مذهبياً متعصباً فكان يدعو لعدم تولية عمالٍ ليسوا حنفيين أو شافعيين وأن ما عداهم غير مؤتمنين وهذا تمييز مذهبي مارسه فعلياً في مدارسه النظامية التي كانت منابراً لفقهٍ ولونٍ واحدٍ وحاربت بقسوة كل المذاهب والأفكار الأخرى حتى لو كانت مذاهباً سُنيَّةً معترفاً بها ولا تُشكِّل خطراً على الدولة ( وربما كان هذا التعصُّب من نظام المُلك يحمل بُعداً شخصياً للهجوم على أعدائه ومنافسيه الشخصيين ) ، في الجانب الآخر نجد حرباً طائفيةً شعواء ضد المسيحيين واليهود وتوليتهم بعض الوظائف الصغيرة في الدواويين ويسوق على ذلك أمثلةً ينسبها للخليفة عمر ابن الخطاب مناقضةً لما عُرف عنه من تسامح ديني نبيل، كذلك يسوق في حربه هذه آياتٍ قرآنيةً منبتةً عن سياقها، مما يُعطي القاريء أن هذه الحربَ حربٌ أيدلوجية تستند على تزييف بعض النصوص وإقحامها في معارك سياسية وايدلوجية وسلطوية وشخصية وهي سياسة ما زالت تُمارس وبنفس الطريقة وبنفس الأدوات وربما بنفس النصوص المفبركة والموضوعة والمنبتة عن سياقاتها التاريخية، ثُم يواصل حربه العنيفة على الشيعة والقرامطة وثورة الزنج في البصرة وثورة أهل خراسان بعد مقتل أبي مسلم الخراساني ويتهمهم جميعاً بنفس التُّهم ويستند أيضاً على أحاديث موضوعة على لسان الرسول الكريم ويورد في هذه الأحاديث مصطلحاتٍ لم تكن موجودةً أيام الرسول ‘ كالرافضة ‘ مثلاً مما يدلُّ بوضوح على استخدام النص الديني كوسيلة ايدلوجية وسلطوية في قمع المناوئين وشيطنتهم في عيون الناس.’ إنَّ كثيراً من الثورات في التاريخ الاسلامي كانت ثوراتٍ ذاتَ جذر إجتماعي واقتصادي وبعضها كان يستند إلى مقولات فكرية حول الحكم والسلطة والمُلك وأنَّ لا حاكمَ مطلقاً يحمل لقب خليفة الله وأن الحكم للمسلمين ينتقون هم من يرتأونه صالحاً ويولُّونه أمورهم كل هذا لم يرد في شرح مواقف هؤلاء الثوَّار بل تم وصمهم بالكُفر والإباحية والمجون واللذات كالتُّهم التي ألصقت بأبي الطاهر القرمطي ومحمد البرقعي زعيم ثورة الزنج في البصرة وخوزستان وثورات الخوارج المتجددة وثورات الأقاليم على جور الولاة والأمراء، وتم وصف هذه الحركات بوصفٍ واحد ‘ رافضة وباطنية ‘ ليسهل تحريض الناس ضدها، وتم إهمال الجذر المعيشي والاقتصادي والفكري الذي كان يقف خلف هذه الحركات وبحيث تم شيطنتها وتشويهها وتكفيرها، ومن قوة هذا النهج التكفيري ما زالت أدوات التكفير الايدلوجي الزائفة والمختلقة التي استخدمها مستخدمةً حتى الآن. ‘ هناك أخطاءٌ تاريخية في كثير من القصص التي استشهد بها المؤلف أشار إليها المترجم بشكلٍ وافٍ كالحديث عن فتح المعتصم للقسطنطينية وحديث عمر بن الخطاب عن شاةٍ عالقة في بغداد وتوزير جعفر البرمكي في عهد هشام بن عبد الملك وأخطاء كثيرة متعلقة بسلاطين وأمراء الدول والسلطنات الاسلامية في بلاد فارس وافغانستان وتركيا والعراق وغيرها والسؤال هل هذه أخطاء من المؤلف ونقصٌ في معرفته بالتاريخ وهو الوزير المثقف المُطَّلع العارف؟ أم هي قصصٌ موضوعة من المؤلف بغضِّ النظر عن صحتها التاريخية، والهدف العبرة منها فقط ودون الالتفات لصدقيتها التاريخية مما يضع كثيراً من استشهاداته في موضع الشَّك وعدم الاعتبار وأنها جميعاً جاءت لهدف دعائي ايدلوجي يُغذي الصراع ضد من يطالبون بالتغيير والعدالة الحقيقية لا العدالة التي يتحدث بها المؤلف ويرجو فيها السلطان أن يمنَّ بها كمكرمةٍ وأعطيةٍ للناس. ‘ ساق المؤلف فصلاً من أكبر فصول الكتاب حول المزدكية وأصولها وجذورها وألبسها لباس النكتة غير المستندة على التاريخ الفعلي للمزدكية بهدف حشر كل الحركات المناوئة للسلطان والخليفة من اسماعيلية وقرمطية وشيعية و’معتزلية’ بأنهم مزدكيون وبابكيون وكفَّار مع أن الواقع التاريخي لنشأة هذه الفرق يدل على جذورٍ سياسيةٍ وفكريةٍ ومعيشيةٍ نشأت في قلب المجتمع الاسلامي وهي تعبير على حيوية المجتمع ومحاولته القديمة للخروج من قمقم خليفة الله على الأرض، يقول المؤلف ص 279 من الكتاب: ‘ يبدو أنَّ أصلَ المذاهب الثلاثة: المزدكية والخرمية والباطنية، واحدٌ وأنهم كانوا يسعون دائماً إلى تقويض دعائم الاسلام، لقد كانوا يتظاهرون بالصدق والزهد والعبادة والتقوى ومحبة آل رسول الله صلى الله عليه وسلم أمام المسلمين باديء ذي بدء لإيقاعهم في حبائلهم.. الخ ‘ ، واضحٌ في هذه الفقرة الكم الهائل من التحريض وزج المناوئين والمعترضين على السلطة المطلقة الغاشمة في زُمرِ الباطنية بفرقها المتعددة وإلباسهم ثوباً يرفضه المسلم البسيط ويدفعه لمهاجمتهم دون وعي كاملٍ بالتزييف الذي مارسه الطُّغاةُ وأبالستهم في اللعب بعواطفهم وتجييشهم ودفعهم باتجاه مهاجمة من يطالبون بوقف وتحجيم هذه السلطة الإلهية المطلقة التي يدَّعيها هؤلاء الطُّغاة.’ المرأة في هذا الكتاب كائنٌ ناقصُ العقل والدين، والهدف منه الإنجاب وحفظُ النسل، يقول المؤلف ص 217 من الكتاب: ‘ فهنَّ محجَّباتٌ مستوراتٌ، ناقصاتُ العقولِ، الغايةُ منهنَّ الإنجاب لحفظِ بقاء النسل. ‘ ويورد المؤلف قصصاً في الحطِّ من قدْرِ المرأة ووصفها بالخبثِ والمكر، ويوردُ أحاديثاً نبويَّةً وأقوالاً مأثورةً في الحثِّ على عدم الثقة بهنَّ ومخالفتهن وربما هذا كان من باب بقاء النساء متعةً ومُلكاً كالمالِ والمتاع وربما أصاب به هدفاً يعيداً نكايةً بخاتون زوجة ملكشاه التي كانت تدعم أعداء نظام المُلك وتُحرِّض السلطان عليه. ‘ أما المدارس النظامية والتي تُنسب لنظام المُلك من حيث تأسيسها ودعمها ورعايتها وتمويلها فقد كانت تدل على مدى عمق فهم هذا الرجل لدور الفكر والدُّعاة في تشكيل وعي الناس فكانت هذه المدارس أداته الأيدلوجية للسيطرة على عقول الناس وذلك بتخريج الدُّعاة والفقهاء والمتعلمين والذين يشربون من نبعٍ واحد ويحملون نفس الفكر الذي يدافع عنه نظام المُلك، فكان لا يُدرِّس ولا يُعلِّم في هذه المدارس إلا من كان شافعيَّ المذهب أو من أتباع مذهب أبي حنيفة ومُنعت كل المدارس والمذاهب والاجتهادات الأخرى مما جعل من هذه المدارس نموذجاً للتعصُّب المذهبي وضيق الأفق في قبول الرأي الآخر والذهاب فوراً في الأحكام عند الاختلاف للتكفير، وسادت سيطرة هذه المدارس حقبةً طويلةً من الزمن خرَّجت فيها ألافاً من المتعصبين والحاملين فكراً مغلقاً لا يقبل بوجود آخر يحاوره أو يجادله مما أمات في الأمَّةِ روحَ التطوُّر الذي تفرضه سُننُ التاريخ والحياة.

باختصارٍ شديد هذا الكتاب يُشير إلى الحرب الشرسة التي كانت وما زالت حتى الآن مستعرةً بين من يدَّعون الحق الإلهي بدون أي حقٍّ في حكم الناس واسترقاقهم واستعبادهم وسلبهم حقوقهم وأموالهم وحياتهم ومستقبلهم بدعاوى حاول أبالستهم ( كنظام المُلك وغيره الكثيرون ) عبر التاريخ تلفيق مراجع دينيةٍ وإلهيةٍ زائفة لهذا الحق، وبين حركاتٍ سياسيةٍ وفكرية واجتماعيةٍ حاولت تقويض هذا الحق والطعن فيه وحاولت بناء وتطوير العقل والفكر والناس وحياتهم وفق مقولاتٍ إنسانيةٍ ودينيةٍ مختلفةٍ عن ما أراده هؤلاء الطُّغاة ووزراؤهم ومرتزقتهم وتم مزج ما هو أصيل في حركة المجتمع ومطالبه بما هو عابر وخادش للوعي والحياء والقيم لشيطنة هذه القيم وهذه المطالب عبر تسويقها في أُطرٍ ماجنة وعابثة ولا أخلاقية.

هذا الكتاب كان تعاليماً ودروساً للمستبدين والطُّغاة في كيفية خداع الناس وإدامة جهلهم لإدامة حكمهم وطغيانهم وإدامة استرقاق الناس وعبوديتهم.

الحصن 12-1-2012

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية