الثقوب السوداء، كما سماها عالم الفيزياء الفذ جون ويلر هي ما يتبقى من النجم بعد نفاد وقوده، إذ تنهار بنية المادة كما نعرفها فتتحول عمالقة النجوم والتي تكبر بحجمها الشمس مرات عديدة الى كتل متناهية الصغر ذات كثافة هائلة تمنحها قوة جذب ساحقة تبتلع اي شيء في طريقها مهما كبر حجمه فلا ينجو منها شيء حتى الضوء نفسه.. اجل، الضوء الذي ينير دروب البشر ويفتح أمامهم الآفاق تبتلعه ثقوب العتمة تلك بظلامها الدامس وحقدها الاسود تماما مثلما يبتلع المفسدون وحماتهم خيرات هذا الوطن وقوت كادحيه كنت ومنذ الإعدادية وعلى ولعي المفرط بالفيزياء، والفلكية منها على وجه الخصوص قد عانيت الأمرّين علني افهم كنه تلك ‘البواليع’ الكونية فلم افلح.. قرأت كتاب الكون والثقوب السوداء لرؤوف وصفي وأتبعته ببلوغ سن الرشد في المجرة لتمثي فيرس وألحقته بالبنية الواسعة النطاق للزمان والمكان لستيفن هوكنج فلم أزدد الا عنتا ولم أجن الا حيرة حتى فتح الله علي بما جرت به المقادير في وطني المكلوم خلال العقود القليلة المنصرمة، والاخير منها على التعيين.. رأيت المنح وملياراتها تتدفق على البلد فيختفي جلها، وأطرقت فلم أر لمليارات تجبى من الضرائب والجمارك وعوائد المؤسسات اثر يستبان ولا نفع يلتمس.. رأيت ثقوبا حالكة السواد من المفسدين وحماتهم تلوك ثروات هذا البلد الطاهر وتحطم بنية مؤسساته الواحدة تلو الاخرى حتى تركته مضرجا بمديونية تنوء بحملها الجبال، ومسربلا بمساحات شاسعة من الفقر والحرمان.. أيقنت حينها ان انهيار بنية المادة في النجوم يحولها الى ثقوب سوداء لا تبقي شيئا في طريقها ولا تذر، تماماً مثلما تنهار بنية بعض بني جلدتنا الأخلاقية فيتحولون الى وحوش كاسرة تنهش جسد هذا الوطن وتلطخ جبينه وتستأثر بمقدرات الكادحين الأطهار من ابناءه البررة. هالني تشابه الحالين، على أني استعظمت بؤر السواد في وطني على نظيراتها الفلكية فهي تقتات على أموالنا نحن البسطاء ولا تترك لنا الا فتاتا تسميه مكارما. هالني ذلك وأقضّ مضجعي، فكلما التفتُّ لتضميد جرح ألمَّ بصديق او جبْر كسر تفرد بقريب، دهشت لهول المشهد وفداحة الخطب وكيف آلت حال العاضين منا على نواجذ هذا الوطن الى ما آلت اليه من ضنك وعسرة على أيدي البغاث الذين عاثوا فينا فسادا وأثخنوا في وطننا الجراح فلكأنما رمونا عن قوس واحدة فلا حول لنا او قوة. دهشت لحجم الفجيعة تلك ولكني أسقط في يدي لحجم الاستهانة بأمانة الحكم، والتفريط بحوائج الناس.راعني ذاك الاستخفاف واذهلتني تلك الجرأة على أقوات العباد ومصالحهم فوقفت فاغرا فاهي وتساءلت بحرقة، أين هؤلاء من كلمات نثرت كالدرّ جادت بها قريحة هشام بن عبد الملك موصيا حفيده الغِر آنذاك عبد الرحمن بن معاوية صقر قريش والذي لم يتورع عن التشبه بكنيته تلك عبرغابر الأزمان من هم أدنى منه منزلة وأحط منه قدرا، اذ قال ‘و اعلم يا أبا المطرف ان المال عصب الدولة وضبط دفاتره وموارده ومصاريفه وديوانه من اولى مهمات الحكم فمنه نفقة الحرب ورخاء السلم ولذا كان على ولي الامر أن يراجعه بنفسه ويضبطه بعلمه فإن عرف منه عماله ذلك ساروا على منهاجه ويأس الشيطان من أن يغري أحدهم بالخيانة لانه علم أنه لا ينجو.هكذا اذا يساس الناس وتدبر أمورهم فعندما يجعل أولو الامر من سلوكهم مثالا للآخرين ينعدل حال الرعية ومن يدير شؤونهم.. محزن ان يرزح هذا الشعب تحت وطأة الفساد لعقود ثم يطلب منه تسديد فواتير ما امتدت اليه يد الإثم والضلال دون ان ينعم بأبسط حقوقه في اختيار من يمثله او يسوس أمره. محزن ان نرى خمس حكومات منزوعة الولاية لم يبلغ عمرها مجتمعة سن فطام طفل (‘و فصاله في عامين’ – لقمان 14) تُنصّب. محزن الى حد البكاء أن يبذل المفسدون وحماتهم الغالي والنفيس من أجل وأد أحلام جيل جديد تواق للحرية والعيش الكريم ثم نراهم يتشدقون أمام الغرب وعلى شاشات تلفازهم عن رؤاهم الإصلاحية وانفتاحهم المزعوم. مقرف والى حد الغثيان أن عامين من الحراك والأنين لم يفلحا في فك وثاق المادة 24 من الدستور (الامة مصدر السلطات) بعد ان سطت عليها زمرة الفساد واختطفتها ثلة المفسدين لعقود، وكبلتها بأوثق القيود.د. عمار سليم الخوالدهqmn