يرى فلاديمير بروب أنه يمكن «للحكاية أن تتضمن عددا كبيرا من المتواليات، ولدراسة أي نص ينبغي تحديد عدد متوالياته». كل نص سردي إذا، يتكون من عدد من المتواليات السردية التي يرتبط، كما يقول جون مشيل آدم، بحسب نوع الصيغة السردية، أو صيغة المحكيات: «التناوب أو التركيب والدمج أو التسلسل والتجاور». يظهر هذان الرأيان حقيقة أن النص السردي يكتسب هويته وخصوصيته النوعية من:
تعدد المتواليات السردية.
تعدد الصيغ السردية.
تعدد المتكلمين.
القصة تكتسب فاعليتها من التنوع والتعدد.
هذا على مستوى البنية الخارجية، أما على مستوى المحتوى (القصة)، فإن مارت روبير سبق أن أعلنت أن «الرواية خطاب يمكنه أن يتضمن كل أنواع الخطاب». إذن، على مستوى المادة هناك أيضا التنوع والتعدد.
هذه التقديمات كانت ضرورية للكتابة عن رواية «خريف العصافير» للكاتب المغربي خالد أقلعي، لأنها رواية متعددة ومتنوعة في صيغها:
وجهة النظر في الفصل الأول جاءت على لسان السارد الخارجي، لأنها تقدم الحدث الرئيسي، بؤرة السرد، والمتمثل في لحظة شروع جعفر الطيب بوشيبة على تفجير ذاته في عملية انتحارية بفندق النخيل. إلا أنه سيتراجع في آخر لحظة، كونه لم يكن مؤمنا إيمانا أعمى بأن كل البشرية مخطئة وأنه هو وجماعته التي استقطبه إليها زميلة في الدراسة سابقا وصديقه «المفضل»، فقط على حق، ويملكون الحقيقة ويملكون كذلك الحق في اختيار الطريقة الملائمة لـ»تنظيف» العالم من «الكفار» أعداء الدين. لذلك كانت الصحافة تنعته بـ»الإرهابي الذي تردد في تفجير نفسه عشية العاشر من مارس الشهيرة».
نوع من التناوب السردي (وهي الصيغة الأكثر إثارة وحضورا في النص)، أي أن السارد هنا يروي الأحداث المتعلقة به، فيصبح بذلك مضاعفا، فهو السارد الذي يروي الأحداث ويرتبها زمنيا وسرديا، وهو الشخصية الروائية المتحدث عنه والتي وقعت لها الأحداث، ثم يوازي بين هذه الصيغة المتعلقة بوقائع المستشفى حيث يرقد جسد جعفر بين الحياة والموت، بين الغفوة واليقظة، وبين صيغة الاسترجاع، استرجاع وقائع من الماضي، من خارج المكان/ المستشفى والحدث/ الاستشفاء.
سرد متدفق كانهمار الذاكرة، وهو نوع قريب من السرد في تيار الوعي، جاء على لسان الشخصية فنّة بنت سعيد هيّوط، في الفصل الثالث، تقول فنة: «أنا هنا أنفذ مشيئة الطبيب؛ يقول كنك بحاجة إلى صوت ينعش ذاكرتك». وقد تم اختيار فنة لأنها تحبه ومتعلقة به، ولأن أمه رشحتها لهذه المهمة، بعدما كانت ترفض سابقا أي ارتباط بين ابنها «جعفر» وزميلتها في المهنة بماخور «رموش العروس». فهل التزمت فنة بما طلبه الطبيب منها؟ طبعا فنة لم تسرد الحكايات المثيرة والجميلة التي يحبها جعفر وتنعش ذاكرته، بل انساقت لمتعة الحكي وآلامه، لأن من طبيعة السرد الذاتي الانزلاق نحو مخزون الذاكرة وما يؤلم الذات وما يتعلق بالجرح الداخلي للكائن.
الفصل الرابع اختار صيغة المحاورة بين مليكة الأم وبين السيد علال الصافي زوجها الثاني بعد الهروب من كماشة مالكي ماخور «رموش العروس». واسترجع هاهنا رغبة صديقنا المرحوم الناقد والمترجم محمد السويرتي، الذي كان يحلم بكتابة رواية تتمثل حقيقة «حوارية» ميخائيل باخثين (الحوار كان شفهيا بيني وبين المرحوم)، حيث تكون المحاورة بين الشخصيات الروائية مجرة من السرد، ولا يتدخل السارد بين الشخصيات ليقدمها أو يسمح لها بالكلام، بفعل: «قال» وصيغه الصرفية، ويستبدلها بعوارض، كما نجد في الفصل الرابع من رواية أقلعي.
السارد خارجي، لأن الشخصية المعنية في حالة غيبوبة وبدنها مسجى على السرير، لذلك السارد ينوب عنها في السرد والوصف، سرد مسترجع من ذاكرة جعفر على لسان السارد العالم بكل شيء وسرد واقعي ينقل وقائع أحداث المريض والقيمين عليه، إنها صيغة التناوب في ظاهرها كما في الفصل الثاني.
عبارة عن أوراق «تحقيق» مع أهم الشخصيات الفاعلة في الرواية وبناء المتن السردي وتنامي أحداثه، وقد اختارت نوعين من الحوار: حوار بحضور المحقق والمحقق معه حول شخصية المتهم جعفر الطيب بوشيبة، وحوار يُغَيَّبُ فيه صوت المحقِّقِ ويبقى فقط صوت المحقق معه، وهي صيغة تلتقي مع سابقتها في الفصل الرابع.
تركيب ختامي جمع بين عدد من الصيغ السابقة.
لقد جرب أقلعي في بناء خطاب روايته عددا من الصيغ السردية لكي يستطيع الإحاطة بموضوعته الشعرية الشديدة الخصوصية والأكثر التصاقا بالمرحلة التاريخية التي نعيشها، حيث ظهرت فكرة الانتحاري أو الإرهابي أو الجهادي بحسب وجهة نظر المتكلمين ومعتقداتهم، لذلك كل الصيغ السردية الواردة أعلاه، تتضمن أشكالا سردية صغرى أو فرعية وكذلك وظائف جمالية ومعرفية.
أول ما يلفت الانتباه أن الصيغ السردية كانت كلها موجَّهَة نحو وظيفة جمالية تتمثل في «توسيع» رقعة السرد، ونحو وظيفة معرفية تتمثل في البحث في أسباب الظاهرة المُشْكِلَةِ لتعدد «تفسيراتها» في الخطابات المتعددة؛ الخطاب السردي (الأدبي) والخطاب الإعلامي والخطاب السياسي .
في باب توسيع السرد نجد أن الاختيارات توزعت بين: 1) التعريف بشخصية جعفر الطيب بوشيبة خاصة في «التحقيق» الذي تضمن موقفين متناقضين، موقف الأصدقاء والأقارب والجيران وموقف الأعداء العالقين بشراك «الحاج عشيبة»؛ 2) ترميم الحكاية بتوليد محكيات صغرى، بعضها تام وبعضها غير تام، لكنها جميعها تسعى لبناء «الخطاب» لا «الشخصية الروائية» فحسب؛ 3) توليد الأحداث لتنامي المتواليات السردية، وبالتالي إعطاء النص السردي معناه المتنوع والمتعدد كما سلفت الإشارة.
ومن أهم المحكيات الصغرى الواردة في النص والتي قامت بالوظيفتين معا؛ الوظيفة المعرفية والوظيفة الجمالية، يمكن أن أشير إلى: محكي غير تام خاص بشخصية الجاسوس بيير كوبي، ومحكي شبه تام خاص بشخصية الحاج عشيبة الرأسمالي المخادع والمحتال، ومحكي تام خاص بشخصية السي علال الصافي الطيب والمتعلم، ومحكي غير تام خاص بشخصية القاضي كحلون الجشع وشخصية مراد الدويب النقابي المحتال والخائن، ومحكي تام خاص بمليكة أم جعفر، ومحكي إطار خاص بشخصية جعفر الطيب.
عاش جعفر فترة مع زوجة أبيه التي عانى معها في صمت، إلا أنه سيغادر بيت والده ليلتحق بأمه مليكة حبيسة صاحبي ماخور «رموش العروس» حيث تعمل. إنه بهذه الوضعية يتحول إلى بنية مركبة، شاب طيب ولا يرضى بالظلم ولا يسكت عنه، لكنه يقبل أن تكون أمه بغياً وكذلك حبيبته فنة التي ستصبح زوجته أخيرا. لم يكن وضع أمه هو ما فجر حقده وكراهيته للمجتمع والناس، لأنه سيقوم بتهريب أمه وحبيبته ومزيود من سجنهم الرديء، لتتزوج مليكة من الرجل الطيب والمتعلم السيد علال الصافي، بل الذي غير طبعه «الظلم» الذي وقع عليه من الحاج عشيبة ومراد الدويب، وفي السجن ستتجدد علاقته بصديق طفولته المفضل الذي سيأخذه إلى طريق الجهاد أو الانتحار أو الإرهاب.
إنها بنية مركبة لأن الواقع لم يكن السبب الرئيسي في انحراف طبع الشخصية، ولكن الظلم الذي يستشري بين الناس، والشعور بالإهانة والغبن والإذلال ما كسر الجدار الواقي لليأس والإحباط، ومع ذلك، لم يجرؤ جعفر على تفجير ذاته وسط جموع الساهرين ببهو فندق النخيل.
إن ما يميز رواية «خريف العصافير» هو التعدد والتنوع في صيغ وبنية النص السردي، والتنوع والتركيب في بناء الشخصيات وتأرجحها بين الطيبة والشر، والمحبة والكراهية، وصفاء السريرة وكدرها. رواية تعددت خطاباتها وضمت خطابات ذات شاعرية رفيعة وخطابات تقريرية وخطابات حجاجية انصبت على تلميع شخصية جعفر وتبرير حيوات كل من مليكة وفنة وفضح حياة المحتالين والوصوليين الذين يشترون العقول والنفوس الصغيرة ليزدادوا قوة ونفوذا في السلطة والمجتمع. والرواية بعنوانها الرومانسي الجميل تحكي عن عالم الأحياء الخلفية، وعن المتخيل المختلف الذي نبذته الثقافة الرسمية زمنا طويلا، ليس في الأدب العربي ولكن حتى في الأدب الغربي، ونماذج النصوص «الملعونة» كثيرة ولا تحصى. رواية تنزل نحو قاع المجتمع لتنقل ظواهره وقضاياه كما فعلت الرواية الانتقادية لرواد مغاربة من الجيل الثاني؛ جيل السبعينيات، لذلك فهي بوابة نحو استمرار الرواية المغربية نحو اكتشاف آفاق متخــيلة وجــمالية ومعرفية تناسب المرحلة التاريخية العصيبة اليوم.
خالد أقلعي: «خريف العصافير».
منشورات باب الحكمة،
تطوان 2014
167 صفحة
محمد معتصم