لندن ـ «القدس العربي»: تلى الإعلان عن التوصل إلى الاتفاق النووي سباق هستيري للوفود الغربية لزيارة عاصمة «اللاعب العقلاني» حسب وصف أمريكا «الملاك الأعظم» التي تخطط منذ كانون الثاني/يناير الماضي لجنة مختصة لتوفير الضمان المالي لـ50 مليار دولار استثمارات أمريكية في إيران. واجتاحت عاصفة الهرولة إلى طهران كبرى الشركات النفطية والغازية الغربية. وأعلنت كل من شل وشلمبرجير وبي بي البريطانية إلى ليندا وبازل وأودا الألمانية وإيني الإيطالية وصولاً بتوتال الفرنسية استعدادها لدخول السوق الإيراني بأسرع وقت ممكن وتطوير قطاع النفط والغاز، مما سيؤدي لتقليص وجود الشركات الصينية والروسية والأهم من ذلك سيدفع بإيران خلال السنوات القليلة المقبلة لأن تكون أحد أهم مصادر تأمين الطاقة للغرب وبشكل خاص الاتحاد الأوروبي. والنتيجة الأخرى التي تترتب على الاستثمارات الغربية الكبيرة جداً في قطاع الطاقة الإيراني، هي خلق منافس قوي للغاز الروسي نظراً لامتلاك طهران ثاني أكبر احتياطي للغاز بعد روسيا بنسبة 18 في المئة من الاحتياطات العالمية. ويتطابق ذلك أيضا مع أحد محاور التحالف الاستراتيجي بين طهران وواشنطن أي محاولات الولايات المتحدة لإنشاء محور نفطي جديد مع بغداد لضرب الاقتصادين الروسي والسعودي.
ويراقب الجانب الروسي بحذر وقلق متزايد السرعة الكبيرة لتقارب طهران وواشنطن والحجم الهائل للاستثمارات الغربية المتدفقة بإتجاه قطاع الطاقة الإيراني. لكن روسيا لا تمتلك الأوراق الكافية والمؤثرة لحفظ حصتها في الاقتصاد الإيراني ومنع طهران من الدخول على خط «المنافسة مع الغاز الروسي» في شراكة استراتيجية مع واشنطن. وحاولت موسكو إغراء طهران ببعض الوعود العسكرية وبتعاون أمني مشترك. فقد أعلن الأمين العام لمنظمة شنغهاي للتعاون الأمني، ديمتري ميزنتسيف، استعداد المنــظمة لتــحـويل عضـوية إيران من عضو مــراقــب إلى عضوية كاملة في المنظمة. وأفادت وكالة سبوتنيك للأنباء الروسية عن مقترح روسي لتزويد إيران بمنظومة صواريخ أحدث من منظومة إس 300 للدفاع الصاروخي التي لم تسلمها إلى طهران رغم مرور أكثر من 8 سنوات على إبرام الصفقة بين الجانبين.
لكن إيران تمتلك سلاحاً فتاكاً آخر يدفع مشروعها التوسعي العابر للقارات بقوة أكبر لتحقيق طموحها لتصبح امبراطورية، وهو استغلالها الفعال وتجنيدها الدقيق للطائفية عبر الميليشيات الإرهابية الشيعية والإرهاب السني بجميع فصائله وألوانه من القاعدة إلى طالبان وغيرهم، بحيث تحارب طهران العرب بجنود عرب خدمة لمشروعها السلطوي. وهذه النقطة تحديداً ترسم المحاور الثاني والثالث والرابع لتحالف واشنطن الاستراتيجي مع طهران وهي تقليص الانفاق العسكري الأمريكي في منطقة الخليج العربي عبر استبدال الجيش الأمريكي بالحرس الثوري والميليشيات، ودفع المشروع الغربي لتفكيك المنطقة العربية، وفتح الجبهة الجنوبية ضد روسيا. وينطبق ذلك مع سياسة الجمهورية الإسلامية التوسعية تجاه الخليج العربي التي تتخذ من نصرة من تصفهم بـ«المستـضــعفين» وتصدير الثورة الإسلامية غطاء لها. لكن أساس استراتيجية إيران تجاه دول الخليج العربية هو الأساس نفسه الذي وضعه الملك رضا بهلوي في وصيته لابنه محمد رضا بهلوي، آخر ملوك إيران، وأوصاه، «أنني قد حررت الضفة الشرقية للخليج، عليك أن تحرر ضفته الغربية».
والترتيبات الأمنية والعسكرية والسياسية التي تلي الشراكة الاستراتيجية الإيرانية الأمريكية، تغني طهران عن الإغراءات الروسية. ومن الجهة الاقتصاية، تشير التقارير الصحافية إلى أن زيارة الوفد الألماني الكبير أفضت إلى عقد صفقات عديدة بحيث سيزداد حجم المبادلات التجارية بين البلدين بنسبة 4 أضعاف خلال عام واحد فقط. وتعمل عدة لوبيات أمريكية وإيرانية نشطة منذ أكثر من عامين، على تمهيد الأرضية والظروف اللازمة لاستثمارات أمريكية تفوق 300 مليار دولار خلال السنوات المقبلة.
ووصلت عاصفة الهرولة إلى طهران الغربية إلى بعض العواصم العربية، بحيث تسابق البعض بتهنئة إيران حول الاتفاق النووي. وعلى رأسها سلطنة عمان التي تحاول تسويق الاتفاق بعد ان احتضنت مسقط المفاوضات السرية الأمريكية الإيرانية لفترة ما يقارب 4 سنوات. دور مسقط هو الدور المكمل لقمة كمب ديفيد التي فشلت في تسويق البضاعة الأمريكية الإيرانية غير الصالحة للاستخدام لدول الخليج العربية. وتحاول السلطنة عبر تكرار صيغة المفاوضات السرية أن تقنع دولا عربية أخرى بالانفتاح على إيران. وتستغل طهران الدور العماني كبوابة فعالة لخلق المزيد من الاختراقات الدبلوماسية في المواقف العربية غير الموحدة تجاه الملف الإيراني. وتتطابق بعض تطلعات حكام سلطنة عمان مع أهداف وسياسات إيران تجاه المنطقة. وعلى سبيل المثال وليس الحصر، صرح يوسف بن علوي، الوزير المســـؤول عن الشؤون الخارجية في سلطنة عـــمــان، خلال زيارته إلى القاهرة بأن مسقط لن تشارك في إنشاء قوة عربية مشتركة، ما عارضته بشدة طهران منذ لحظة الإعلان عن نية العرب إنشاء قوة تدخل سريع.
واستبقت حركة طالبان الإرهابية والمحضورة الجميع في الهرولة إلى طهران وفتحت صفحة جديدة في علاقاتها الخفية مع إيران منذ عام 2011، وأعلنت إنشاء مكتب تمثيلي رسمي لها في طهران. واكتملت صورة كيفية تعامل الحركة مع السياسة الجديدة المشتركة الإيرانية الأمريكية في أفغانستان، بعد «الإعلان المفاجئ» عن وفاة زعيم طالبان، ملا محمد عمر. وهذا «الإعلان المفاجئ» سيفسح المجال لإعلان تغيير سياسات وأولويات طالبان للتطابق مع المعطيات الجديدة. ومن أهم هذه التغييرات إعادة عمل طالبان على أساس الهدف الذي تأسست من أجله في عام 1994، وهو محاربة الجيش الروسي، وتغيير السياسات تجاه «باكستان الجديدة» التي انضمت مؤخراً لمنظمة شنغهاي للتعاون الأمني.
ومن زاوية أخرى، زلزل الاتفاق النووي الوجود الصيني في إيران. وتعتبر الصين أكبر مستورد للنفط الإيراني، والعقوبات المالية والبنكية الأخيرة ساعدت الصين على تصدير المنتجات الصينية إلى إيران بدلاً من الأموال المجمدة الإيرانية في البنوك الصينية. وفي واقع الأمر الاتفاق النووي وضع حداً لهذا الربح المزدوج الصيني. ودخول الشركات الكبرى الأوروبية يضيّق المجال على الشركات الصينية.
وحصّلت طهران على شيء أكبر مما كانت تخطط له سابقاً، عبر «تخصيب الاتفاق النووي» بدلاً من تخصيب اليورانيوم. والمحاولة المستعجلة الغربية لتخصيب الاتفاق في طهران، تظهر تصاعد الصراع والمنافسة بين الغرب من جهة وروسيا والصين من جهة أخرى، وتمكن المحور الغربي وعلى رأسه الولايات المتحدة من التقدم واتخاذ خطوة كبيرة ذات أبعاد استراتيجية إلى أمام، وإرغام المحور الشرقي على التراجع إلى الخلف.
محمد المذحجي