تونس ـ «القدس العربي»: يمثّل مهرجان قرطاج موعدا سنويا هاما لعشاق الموسيقى والفرح والحياة..طوابير من الحاضرين ملأت مدارج هذا المسرح التاريخي الذي شيد في القرن الثاني للميلاد بالقرب من هضبة الأوديون. ليشكل فضاءً ثقافيا هاما في تلك الفترة لسكان المدينة الذين كانوا من عشاق العروض المسرحية والموسيقية.
على قرع طبول سمفونية «حنبعل برصا» انطلقت شارة الدورة 51 من المهرجان الدولي بباقة من أرفع العروض المتعددة، المسرحية والغنائية التقليدية والشبابية في مناجاة خالصة مع هذا الصرح الاثري.. وبالرغم من ان تفجير سوسة الذي وقع اسبوعين قبل موعد انطلاق المهرجان السنوي تسبب في الغاء عدد من العروض من بينها عرض المغنية البريطانية-الأسترالية نتالي إمبروليا، وعرض الباليه البولوني، إلا ان إدارة المهرجان عوضت هذه السهرات بعروض أخرى متحدية الإرهاب ومعلنة ان الحياة تستمر ولا تتوقف.
وانطلقت العروض هذا العام في الخامس والعشرين من تموز /يوليو وتتواصل حتى سهرة 18 آب/اغسطس التي اختار القائمون على البرنامج ان تختتم بسهرة تونسية خاصة يحييها الفنان التونسي المبدع لطفي بو شناق.
تحية إلى الفنانة التونسية علية
افتتحت سهرات هذا العام بالعرض المسرحي الاستعراضي «ظلموني حبايبي» ليقدم تحية حب وعربون امتنان وتقدير للفنانة التونسية الراحلة علية.
وتطرق العمل لمسيرة الراحلة التي تركت ارثا خالدا من الأغاني التي ما زالت تتردد إلى الآن وباتت ارثا وطنيا وعربيا خالصا واهمها «بني وطني» و»حبايب مصر» و رائعة «علي جرى» الشهيرة التي يتغنى بها باستمرار فنانو العرب من الجيل الجديد.
كما حاول المهرجان ان يرضي جميع الاذواق وان يتوجه لجميع الفئات النخبوية والشبابية فكان الجمهور التونسي على موعد مع الفنان اللبناني وائل كفوري الذي احيا سهرة للحب والحياة.
عرض سامايا
في سهرات الفن العالمي كان الجمهور على موعد مع المجموعة الجورجية التي قدمت عرضا مبهرا اخذ الحاضرين إلى عوالم أخرى في جبال القوفاز..فروت اجساد الراقصين حكايا شعوب تركت بصمتها في عالم المسرح الغنائي.
عروض غنائية متنوعة وأزياء مفعمة بالألوان والفرح قدمت على مسرح قرطاج ألوانا من الموسيقى التي تحاكي تاريخ تلك الشعوب وعاداتها يرافقها صوت الناي الذي لم يغب طيلة العرض. بالرقص يمجد أهل القوقاز الحياة ويدافعون عن مبادئها، لقد كانت رقصة «الخفسريللي» الجبلية ـ هي صوت الذاكرة القادمة من جبال جورجيا الشامخة من خلال عروض بالسيف والنار أبهر راقصوها من الشباب الحاضرين وقلبوا الجو الهادئ إلى ثورة موسيقية عارمة.
لفلسطين نصيب
كعادته في كل عام فان مهرجان قرطاج ظل وفيا للقضية الام..فرفعت الكوفية عاليا على المسرح الاثري جنبا إلى جنب مع اعلام تونس وفلسطين في سهرة فلسطينية احياها الفنان الفلسطيني الشاب الصاعد محمد عساف.
وبالرغم من حداثة تجربته الغنائية وضآلة رصيده الفني إلا ان عساف استطاع ان يملأ مدارج المهرجان بالحاضرين الذين جاءوا من كل مكان ليرددوا مع المطرب الشاب أجمل أغاني التراث الفلسطيني.
غنى عساف للحرية..للوطن الغائب.. للمعذبين..للجرحى والمفقودين والمعتقلين في سجون الاحتلال..غنى للأرض البعيدة فارتفع صوته عاليا على هدير اغنية «علي الكوفية» التي فاز بها في برنامج عرب « ايدول».
من الذاكرة الشعبية الفلسطيني غنى عساف «وين ع رام الله» و «يا حلالي ويا مالي» و»انا دمي فلسطيني» ليطرب الجمهور المصحوب بأعلام فلسطين الأبية.
والجدير بالذكر ان عرض محمد عساف بث مباشرة على التلفزيون الرسمي التونسي ليصل إلى أكبر عدد من المشاهدين والمستمعين في كل أنحاء الجمهورية.
سيرك افريكا ـ افريكا.. وعرض للطفولة
للطفولة أيضا نصيب في الباقة التي قدمها المهرجان هذا العام فحضر سيرك افريكا افريكا بعرض « فلامنكوا» ابهج الاطفال الذين تفاعلوا مع العروض المبهرة وملؤوا بضحكاتهم مدارج هذا الصرح التاريخي.
من اسبانيا وباكستان إلى عمق ادغال افريقيا كان عرض فلامنكوا الذي يتميز عن باقي عروض السيرك الاخرى بتقديمه للوحات استعراضية غنائية نقلت الحاضرين إلى قلب افريقيا وثقافتها الخاصة بملابس افريقية منوعة.
وتجدر الاشارة إلى ان سيرك افريكا -افريكا هو بقيادة الفنان النمساوي اندري هيللر الذي جاب بفرقته العالم حاصدا اعجاب الملايين في مختلف الأمصار.
تحفظات
وبينما تتواصل عروض المهرجان حتى منتصف الشهر الجاري فان هناك بعض التحفظات على النقائص التي شابت بعض العروض..من بينها عرض لوري نهيل الفنانة الأمريكية صاحبة أعلى أجر في المهرجان التي تأخرت عن جمهورها أكثر من ساعتين ونصف. مما تسبب في استياء الحاضرين الذين انتظروا طويلا صعودها إلى المسرح التاريخي في سهرة 21 تموز/يوليو.
ومن بين الانتقادات التي وجهت للمهرجان هي دعوته لاسماء اعتبرها الناقدون لا تليق بتاريخ هذا الصرح..على غرار حفلة الراب التي سيشارك فيها مغني الراب التونسي «كافون» في السادس عشر من الشهر الجاري..سهرة بدأت الأصوات ترتفع احتجاجا عليها قبل ان تبدأ. فالمعلوم ان المغني الشاب يؤدي مجموعة من أغاني الراب التي تحاكي الواقع بأسلوب ـ يعتبره البعض مبتذلا- ولا يليق باسم قرطاج بحسب العديد من النقاد والمتابعين. ولكن إدارة المهرجان دافعت عن هذا الاختيار معتبرة انها تتوجه بالأساس إلى كل الاذواق.
وفي هذا الإطار اعتبرت الناشطة في المجالين الفني والجتمعي ليلى العياري أن المهرجان إلى حد الآن دون المستوى الذي عهدناه، فسنية مبارك مديرة المهرجان وجب عليها، بحسب محدثتنا، ان تراجع اختياراتها بالنظر إلى أهمية هذا المسرح التاريخي من الناحية الحضارية فهو بالنسبة لنا كتونسيين معلم ثقافي له قدسيته لارتباطه بجذورنا القرطاجية ذات الثقافة الفنية العريقة.
ثم أن الاسعار، بحسب العياري، مجحفة جدا رغم أن مهرجان قرطاج هو المتنفس الوحيد للعائلات المتوسطة لحضور حفلات لمطربيهم المفضلين لانه يصعب عليهم حضور حفلات في الفنادق الراقية التي اعتادت على استضافة كبار الفنانين.
اما عن حفلة محمد عساف فتقول ليلى العياري أنها من اروع ما حضرت على هذا المسرح هذه السنة. فقد اثبت عساف انه جدير باعتلاء مسرح قرطاج بما أن الجماهير تفاعلت كثيرا مع أغانيه، و حتى بعد انتهاء الحفل بقي الجمهور بالمسرح و كأنه سافر إلى فلسطين مع صوت عساف و لا يرغب بالعودة. فرغم مسيرته القصيرة في عالم الفن و صغر سنه الا انه أعطى لقرطاج هيبته بحسب ليلى العياري. وأضافت قائلة: ما ميز حفلة عساف ان الفنان الفلسطيني يملك من الحضور والاخلاق ما بتنا نفتقده اليوم. لقد غنى لفلسطين بكل أحاسيسه، غنى العاطفي وابدع فيه غنى لعبد الحليم وابدع، مع كل اختياراته استمتعنا».
اما عن مغني الراب «كافون» فتقول: «اعلم ان له جمهوره ولكن العبارات المستعملة في أغانية بذيئة ورديئة ولا يمكن ان تردد على مسرح قرطاج التي ارتبط إسمها بأول دستور مكتوب بالصيغة الحديثة للدساتير وأشاد بأحكامه وبالنظام الديمقراطي في قرطاج قبل ميلاد المسيح المفكر الإغريقي أرسطو. ربما نوعية كافون وحفلاته تكون في فضاء آخر ولكن ليس على مسرح يحمل عظمة وتاريج من مروا بتونس مع احترامي له ولجمهوره».