استاذ التاريخ المعاصر الباحث التونسي رضا التليلي لـ «القدس العربي»: فقدان الفكر الفلسفي الإنساني يؤدّي إلى الكوارث ومنها الإرهاب

حجم الخط
1

تونس ـ «القدس العربي»: رأى استاذ التاريخ المعاصر والدراسات الجيوسياسية، والباحث التونسي رضا التليلي ان العمليات الإرهابية الأخيرة التي شهدتها المنطقة تمثل امتدادا لظاهرة استفحلت بداية من سنة 2004 في أوروبا وفي منطقة الشرق الأوسط، بعد انتقال الحركات الإسلامية المسلحة من أفغانستان إلى كل من سوريا، العراق، مالي، الصومال.. وقال ان من الخطأ إعطاء تنظيم الدولة أهمية أكبر من حجمه مشيرا إلى دور الإعلام ورجال الدين. رضا التليلي رئيس مؤسسة احمد التليلي للثقافة الديمقراطية تحدث لـ «القدس العربي» أيضا عن مدى انتشار الجماعات الإرهابية وتغلغلها في المجتمع التونسي معتبرا ان الإرهاب هو ايديولوجيا تعتمد على تنظير يعتبر أن أي تغيير لا يحصل إلا باعتماد العنف وحصر النضال في الحركات المسلحة. وهذا التصور، يعتبر قريبا من الاستراتيجيات المختلفة التي اعتمدتها الفاشية في أوروبا. ورأى الباحث ان أبرز إخفاقات الدولة الوطنية أو دول ما بعد الاستعمار، هو عدم تركيزها، ولو نسبيا، على البحث العلمي. أي على بلورة سيناريوهات استشرافية، لا من أجل البقاء في التاريخ بل من أجل تجاوزه.
○ ماهي قراءتكم للعلميات الإرهابية التي استهدفت مؤخرا تونس والكويت وفرنسا وجنوب السودان وهل هناك من رابط بينها؟
• أولا من الضروري أن نشير إلى أنّ العمليات الإرهابية الأخيرة، تمثل امتدادا لظاهرة استفحلت بداية من سنة 2004 في أوروبا وفي منطقة الشرق الأوسط، بعد انتقال الحركات الإسلامية المسلحة من أفغانستان إلى كل من سوريا، العراق، مالي، الصومال..
هذا الامتداد طبيعي، نظرا إلى انّ الوضع الجيوسياسي، يسمح لهذه الحركات والمجموعات أن تنشط وتوسع مجالها إعلاميا وسياسيا ودينيا.
وأعتقد أنه لا علاقة بين مختلف الأحداث التي جدّت بكل تونس والكويت وفرنسا والسودان، ذلك أنّ احتضان تنظيم الدولة لهذه التظاهرات هو بمثابة «البروباغندا «لا أكثر، وذلك بهدف التظاهر بالقوة والتوسع والامتداد على كافة دول العالم.
وهو فخ وقع فيه العديد من السياسيين والصحافيين حيث اعتبروا أنّ هذا الاحتضان فعلي. ثمّ إنّ هذا النوع من البروباغندا معروف عبر التاريخ في محاولة لامتلاك كل ظواهر التمرد على السلطة سواء كانت فردية أو جماعية.
ولذا نرجو إنطلاقا من هذا المنبر الصحافي، ونطلق نداء، أن تنسَّبَ الأشياء لأصحابها من خلال التركيز على المعرفة وتحديد مفاهيم التوسع الايديولوجي.
○ هل ترون ان تونس باتت أرضا خصبة لتنظيم «الدولة»؟ وما هي في اعتقادكم استراتيجية التنظيم في تونس؟
• كما قلت سابقا إنّ إعطاء تنظيم الدولة أكبر من حجمه هو خطأ سياسي يهدد الاستقرار خاصة في تونس، وليس لتنظيم «الدولة» القوة التي تمكنه من التوسع خارج العراق، وخارج سيطرة أهل السنة في الشام.
لا يمكن إذا مقارنة تنظيم «الدولة» بالاتحاد السوفييتي في حدود الستينيات ولا بالصين الشعبية في حدود السبعينيات، فتنظيم الدولة يمثل 7 ملايين من السكان ويتم تمويله عن طريق بيع البترول في السوق السوداء عبر تركيا، وهذا الأمر لن يدوم إلى الأبد باعتبار أنّ التغييرات الجيوسياسية المقبلة ستضع حدا لهذه الظاهرة. خصوصا وأنّ ّ العداء التركي -الكردي لن يمثل مرجعية ً دائمة ونهائية لتموقع تركيا في المنطقة (وجود حزب كردي في البرلمان التركي وهي ظاهرة جديدة بعد الانتخابات التشريعية الأخيرة في تركيا).
وفي هذا المستوى أشدد على الدور الاستراتيجي للإعلاميين ولرجال الدين ولقادة أحزاب الإسلام السياسي في المنطقة.
أما ّ في ما يتعلق بالاستراتيجية المتوقَّعة لهذا التنظيم في تونس، فأنا أعتقد أنّه سيستعمل كل أدوات التضخيم السياسي والايديولوجي بهدف تموقعه في الصورة وفي المخيال الشعبي.
ثانيا: سيواصل هذا التنظيم، التركيز على مفهوم الخلافة في خطابه ومنشوراته ومواقعه بهدف إيلائها أهمية أكبر مما تتحمله. وهذه استراتيجية «ذكية « باعتبار أنّ أغلبية رجال الدين والقادة السياسيين لأحزاب الإسلام السياسي في تونس وغير تونس ما زالوا مقتنعين بالخلافة ويدعون إلى بنائها.
وبالتالي فإنّ الجهاد من أجل إعادة الخلافة في العالم الإسلامي يعتبر «شرعيا ومسموحا به بمنطق الشريعة» وإن كان في بعض الأحيان يتصف بعنف غير مقبول بالنسبة لهؤلاء.
وهذا ما يجر الشبان إلى «بناء الخلافة» شرعية الجهاد العنيف، شرعية مكافحة كل من يعتبرونه بصفة مباشرة أو غير مباشر مناهضا لمشروع الخلافة، سواء أكان مسلما، مسيحيا، درزيا ، أو كرديا..
ومع الأسف الشديد، نجد في تونس اليوم من يطالب بمقاومة الأقلية الشيعية في تونس وبطردها ولو كان ذلك باعتماد العنف. وهو مظهر من مظاهر التعصب والنزوع إلى العنف التكفيري.
○ هل هناك بالفعل حرب بين القاعدة وتنظيم «الدولة» للسيطرة على بلادنا؟
• أعود إلى فكرة التضخيم، معركة بين القاعدة وتنظيم «الدولة» أمر يدعو إلى التساؤل عن جدية هذا الطرح في تونس.
○ كيف تقرأون تصاعد ظاهرة الإرهاب في خضم التحولات الكبرى التي تشهدها المنطقة؟
• كل وضع جيوسياسي إنتقالي، يفتح الأبواب أمام كل السلوكيات الاجتماعية والسياسية: الإرهاب، الأسواق الموازية، الهجرة الجماعية، تجارة الأسلحة، تصاعد الفكر الإنفصالي، تكاثر الزعامات والأحزاب..
وخلافا لأغلب المحللين أرى أنّ ظاهرة الإرهاب لم تنجح أبدا في تونس رغم كل محاولات إفشائها منذ سنة 2006، وغيرها من محاولات تمديد جسورها ما بين ليبيا وتونس والجزائر ومصر ومالي، والمغرب وموريتانيا..
أعتقد إذا انها فشلت في ذلك، وأحداث باردو وسوسة تدل على فشل هذه الاستراتيجية، فهي مجرد سلوكيات انتحارية أكثر منها جهادا سياسيا. رغم الضرر اللاحق بالاقتصاد التونسي.
○ اذن ما هي أبرز شروط مكافحة الإرهاب؟
• أوّلا: التخلي على اعتبار الجهاد المسلح والعنيف شرعيا بهدف تأسيس الخلافة السادسة.
ثانيا: على رجال الدين وقادة الأحزاب السياسية أن يعبروا بصفة علنية وصريحة أنهم يرفضون المبايعة للبغدادي.
ثالثا: وضع حدّ نهائي لكل من يشارك أو يحاول تمهيد السبل أمام الشباب لدعم نظام تنظيم «الدولة» في ليبيا أو مصر أو سوريا أو السودان..
رابعا: إعادة بناء الهوية الوطنية على أسس مكونات الثقافة الديمقراطية.
○ لو عدنا إلى الإرهاب ما هي جذوره في مجتمعاتنا أو أسبابه؟
• الأسباب عديدة والاقتصار على الفقر والتهميش باعتباره وازعا وحيدا أمام انتشار ظاهرة الإرهاب ليس منطقيا وله طابع شعبوي بدائي.
الإرهاب هو ايديولوجيا تعتمد على تنظير يعتبر أن أي تغيير لا يحصل إلا باعتماد العنف وحصر النضال في الحركات المسلحة. وهذا التصور، يعتبر قريبا من الاستراتيجيات المختلفة التي اعتمدتها الفاشية في أوروبا.
○ كأستاذ في التاريخ المعاصر وأكاديمي ماهو تقييمكم للوضع التعليمي وللبحث العلمي في الجامعات العربية؟
• هذه قضية جوهرية، وأنا كأستاذ في التاريخ المعاصر أعتبر أنّ أبرز إخفاقات الدولة الوطنية أو دول ما بعد الاستعمار، هو عدم تركيزها، ولو نسبيا، على البحث العلمي. أي على بلورة سيناريوهات إستشرافية، لا من أجل البقاء في التاريخ بل من أجل تجاوزه.
○ هناك ملاحظة تتمثل في أن نسبة هامة من التكفيريين هم من خريجي شعب العلوم الصحيحة والعلوم التجريبية وليس العلوم الإنسانية فما هو السبب الذي يقودهم إلى الإرهاب؟
• أعجبني هذا السؤال، ويمكنني من إعادة ما قلته وما كتبته في عديد المناسبات من أنّ الفاشية الألمانية، ترعرعت ، وتفشت من خلال أبرز الشعب العلمية في ألمانيا وفي النمسا. لأنّ فقدان الفكر الفلسفي الإنساني يؤدّي إلى الكوارث. ونجد اليوم ما يسمى بالتكنوقراطيين الذين يسيرون عديد الشركات متعددة الجنسيات، والذين يتصرفون كمستعمرين جدد. والأمثلة عديدة في شركات البترول في أمريكا اللاتينية وفي دول الخليج وفي افريقيا..
○ كيف يمكن للفكر والفلسفة ان يساهما في نهضة المجتمع وفي إيجاد حركة فكرية إصلاحية جديدة؟
• بالنسبة لتونس، اعتماد المرجعيات الفكرية والسياسية التي نادت بالمواطنة والحرية والديمقراطية واحترام مبدأ الاختلاف والتعددية الفكرية، الببليوغرافيا التونسية المعاصرة ثرية بهذا النوع من التفكير ولعلّنا نجد في هذه الببليوغرافيا الأرضية الصلبة لبناء ثقافة ديمقراطية فعلية محلية وعالمية.
○ هل تعتبر النخب اليوم قادرة على الإتيان بهذه الحركة؟
• إن قضية النخبة تفتح حقيقة مجالا أمام عدة تساؤلات، فمثلا «لما يُسأل مواطن عادي في ساو بولو في البرازيل من يمثل النخبة حسب رأيك يجيب» اللاعب بيلي» ولايذكر الكاتب الشهير أمادو .. وهذا يدل على أن المفهوم المتداول عند العامة للنخبة هو أن النخب هي التي تؤثّر على المخيال الشعبي والثقافة الشعبية وإن كانت غير قادرة على ذلك فهي تصبح في النهاية مجموعة من الكائنات البشرية العادية.

رضا التيلي

هو استاذ التايخ المعاصر في جامعتي باريس 7 وجامعة روفيرا فرجيلي اسبانيا وباحث زائر في المعهد الدبلوماسي في مدريد – قسم الدراسات الجيوسياسية والمعهد الأوروبي للإعلام والاتصال في لكسمبورغ. كما انه باحث زائر في منظمة الحلف الأطلسي في ايطاليا في قسم الدراسات الاستراتيجية والجيوسياسية.
وكان مديرا لمركز دراسات التنمية الثقافية- وزارة الثقافة في تونس ومديرا لوحدة الذاكرة والهوية الوطنية -المعهد الوطني للتراث. كما يعد خبيرا في عدد من المنظمات الدولية وغير الحكومية ومنها اليونيسكو مكلف في السياسات الثقافية والألكسو ـ ومكلف بالعلاقات الإيبار ـ أمريكية.
وهو باحث مشارك في المعهد الكتالوني للمتوسط ببرشلونة وأستاذ زائر في جامعة سان جوزيف في لبنان.
عضو لجنة الدراسات المستقبلية المتفرعة عن ديوان رئيس الحكومة الاسبانية فيليب كون ساليس لإعداد وتصور خريطة طريق لمسار برشلونة.
مشارك في إعداد الملتقى الأورومتوسطي الأول في برشلونة 1990-1995.
مشارك في اعداد مؤتمر مدريد لدراسة الوضع الجيوسياسي في الشرق الأوسط ومعالجة القضية الفلسطينية سنة 1991.
مؤسس مجلة الدراسات الإفريقية- تونس.
مؤسس، مؤسسة أحمد التليلي للثقافة الديمقراطية.
مؤسس سلسلة «أوراق الفكر الديمقراطي» في مؤسسة أحمد التليلي للثقافة الديمقراطية.
خبير خارجي في المعهد التونسي للدراسات الاستراتيجية 1993- 2009: مكلف بملف العلاقات السياسية الأورومتوسطية.
مؤسس دورية «المذكرات الجيوسياسية».
نشر العديد من المقالات حول التحديات الجيوسياسية.

روعة قاسم

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية