ابتسامات محمد عبد الله حفيدة السلطان فضل النور: حقيبة أسرار ثورة يوليو كانت محفوظة في منزلي

حجم الخط
2

القاهرة ـ «القدس العربي»: تعيش ابتسامات محمد عبد الله حالياً منفردة في شقتها في القاهرة. تحيط بها ذكريات زمن جميل قضته فـــي خــدمـة الــجــــيــش المصري وفي التواصل والتفاعل مع المصريين والسودانيين الذين كانوا يزورونها باستمرار هي وزوجها الضابط المصري ومدرب السلة الشهير محمد حبيب.
كل قطعة في ذلك المنزل تحمل ذكريات جميلة لها صلة بمواقف ما زالت محفورة في وجدانها، وكأنها حدثت في الأسبوع الماضي، ابتداء من زيارتها وهي طفلة إلى مدينة واو مسقط رأس والدتها وحتى وجودها في الخرطوم.

ضابط مصري في الجنوب

تقول ابتسامات إنها ابنة محمد عبد الله القائمقام المصري، والدتها هي فاطمة من جنوب السودان، بحر الغزال، مديرية واو. وجدها هو السلطان فضل النور. وتضيف:»نحن سودانيون ومصريون وما زلت أحتفظ بشهادة ميلاد أمي، وقد زرت واو وعمري خمس سنوات، وأتذكر كل شيء أنا وتوأمي مأمون. أذكر حتى الآن قطية جدي السلطان وهي كبيرة جداً، ومن الأشياء التي اتذكرها جيداً طبيعة الحياة هناك والناس الطيبون».

زواج على الطريقة الافريقية

وتحكي قصة زواج والديها قائلة: «كان والدي ضمن مجموعة من الضباط المصريين في حملة إلى جنوب السودان. فطلب والدي أن يتزوج من هناك. فقالوا له إن السلطان فضل النور لديه بنات فأذهب له، وذهب إليه وطلب إحدى بناته وتعرف على تفاصيل الزواج وجهز قطيعاً كبيراً من الماشية من أبقار وجمال وأغنام وتزوج والدتي، وعاد إلى مصر».

الإلتحاق بالجيش

وتحكي قصة إلتحاقها بالجيش المصري كأول ضابطة تقول : «كنت أحب التمريض وأمارس التطبيب خيالياً مع لعباتي. أربط رأس العروسة وأضع لها شريطا أحمر، وأطلب لها الإسعاف.
وفي يوم وجدت إعلاناً في الصحيفة يطلب فيه الهلال الأحمر متطوعات لدراسة التمريض. قدمت ودرست لمدة عام «نظرياً وعملياً» وتخرجت بعد عام، ووجدت إعلاناً آخر في الصحف يطلبون فيه متطوعات للجيش، فذهبت واجتزت المعاينة وكانت المسؤولة عن الاختيار هي وصيفة الملكة فريدة زوجة الملك فاروق وهي الشخصية المشهورة «ناهد رشاد» زوجة الدكتور يوسف رشاد. وكانوا يأخذون بنات العائلات فتم قبولي وتم توزيعنا على مستشفيات مصر.

حرب فلسطين

في ذلك الوقت اشتدت الحرب في فلسطين بين العرب وإسرائيل في عام 1948م. وكانت هنالك حاجة شديدة لممرضات للسفر لفلسطين لمداواة الجرحى، فتم إختيارها. وتقول عن ذلك :»ذهبنا بالقطار حتى غزة «العريش غزة» كانت المعارك شديدة وأعداد الجرحى لا حصر لها. كانوا من كل البلاد العربية، من السعودية واليمن والسودان وغيرها. وكان يوجد ألماني واحد تطوع لحرب إسرائيل اسمه هانز ورغم أنه غير مسلم، لكنه مؤمن بقضية فلسطين.
تواصل في السرد قائلة: «كنا نذهب للخنادق وميادين القتال لنضمد جراح الجنود الذين لا تتطلب مداواتهم وجودهم في المستشفى. وأثناء وجودنا جاء الملك فاروق إلى فلسطين، وقبل حضورنا فاتني أن أقول أننا تسلمنا رتباً عسكرية وكانت رتبتي الأولى ملازم.

هدية الملك فاروق

تقول ابتسامات: «وعندما رجع الملك إلى القاهرة أمر بإعطائنا هدايا عبارة عن ساعات قيمة فيها تاريخ زيارته لغزة، وما زالت هذه الساعة موجودة على معصمي وتعمل بشكل جيد. تعد الثواني والدقائق والساعات من تلك السنوات. وكانت هدية ملكية تاريخية. ومع الساعات تم منحنا نوط الجدارة من الذهب ونجمة فلسطين.

محمد نجيب

وعن الرئيس المصري الأسبق تقول: «علاقة الأسرة كانت قوية مع محمد نجيب منذ أن كان ضابطا صغيرا في الجيش المصري. فقد كان صديق العائلة وهو من أصول سودانية مثلي. كان يأتي ليتناول الوجبات التي يحبها في منزلي. يحب الجمبري كثيراً، ولم تنقطع زياراته إلى منزلنا حتى أثناء اعتقاله بعد نجاح ثورة يوليو. وكان يأتي معه الحرس وعنده كلب يحبه كثيراً، أعد له الطعام الذي يفضله فيتناول وجبته ثم يذهب».

إعتقال محمد نجيب

عن فترة اعتقاله تقول: استغربت جداً لاعتقاله وهو قائد الثورة. وأذكر أنني سألته عن أسباب اعتقاله وكنت مشفقة عليه، فلم يتحدث بسوء عن جمال عبد الناصر وجماعته وقال لي المهم أن الثورة نجحت و»الأولاد فرحانين» وكان يقصد الجنود. وقال انه طلب في اجتماع بعد نجاح الثورة تسليم الحكومة والبلد للملكيين ورجوع الجيش للثكنات فرفضوا هذا الطلب، وقاموا باعتقاله وتحديد إقامته. وأقول أنه رغم ذلك لم يشتم واحداً منهم وتحمل هذا القرار بصدر رحب.

أسرار ثورة يوليو

تروي ابتسامات أسرارا مهمة عن الثورة المصرية وتقول: «كنت أسكن في فيلا كبيرة تحيط بها حديقة واسعة محاطة بسور. كان محمد نجيب يزورني وهو سبب زواجي من محمد حبيب بعد أن رفض أخي بحجة أن العديد من أفراد الأسرة في الجيش.
وفي أحد الأيام تخطى محمد النجيب السور قافزاً وكان الوقت ليلاً وطرق الباب فسألته مين؟ فأجاب أفتحي سريع أنا أونكل محمد نجيب. فاستغربت جداً لهذه الزيارة الغريبة، رغم أنه كان يزورني كثيراً في النهار. ودخل وكان يحمل في يده شنطة وتبدو عليه دلالات الاهتمام الشديد بالشنطة فقال لي دخلي الشنطة دي عندك ومتفتحيهاش أبداً»!

سر الشنطة!

وطلب مني بألا يعرف أي شخص مهما كان بحقيقة هذه الشنطة. أصابني الخوف وقلت له: الشنطة دي فيها أيه بصراحة كده؟ فقال لي فيها أوراق مهمة تخص نادي الضباط وسلاح الحدود(حيث كان يعمل). ترك الشنطة عندي لمدة يوم وليلة ثم جاء وأخذها في المغرب، ثم قامت الثورة، فعرفت أن هذه الشنطة كانت تحتوي على معلومات وخطة الثورة وهي معلومات خطيرة جداً.

جفوة ثم تكريم

بعد سنوات تنكر الجيش لنا بوصفنا من أوائل الضباط في الجيش المصري وتم إعفاؤنا بدون تكريم أو حتى كلمة شكر، فغضبت لهذا الأمر. فقد كنا جنوداً وحاربنا وذهبنا لميادين القتال وإذا متنا فسوف نموت شهداء، فالصواريخ كانت تحيط بنا من كل مكان.
غضبت لهذه الخطوة وهيجت الدنيا بواسطة وسائل الإعلام وتصدرت القضية الصحف واحتلت صورتي غلاف مجلة «أكتوبر» التي وزعت أضعاف توزيعها، فسأل طنطاوي وزير الدفاع عن هذا الأمر فحكوا له، وقام باستدعائي وأقام لي تكريماً كبيراً جداً وكان ذلك في عام 2011م.
أقيم لي استقبال كبير جداً واحتفال ضخم وأكرمني المشير طنطاوي وأعطاني درعاً. أعطيتُ ضابطاً سودانياً كبيراً شهادة ميلاد أمي وطلبت منه توصيلها للرئيس عمر البشير، رئيس السودان ليعرف أنني معتزة بجذوري السودانية، لكن لا أدري ما الذي حدث في هذا الشأن.

في السودان

وعن علاقتها بمسقط رأسها تقول: «سافرنا إلى السودان ومكثنا خمس سنين في الخرطوم. هناك تعرفنا على السودانيين من الضباط وغير الضباط وعشنا خمس سنين جميلة جدا. معرفتنا بالضباط السودانيين في الخرطوم جعلتهم يزورون بيتنا في القاهرة كل ما سافروا إلى مصر. هذا البيت الذي تجلس فيه الآن هو بيت السودانيين، وكانوا يأتون في نهاية كل شهر ويتناولون طعام العشاء ويسمعون حفلة أم كلثوم بالجهاز «الكبير ده». وأشارت لجهاز راديو ضخم جدا يماثل تلفزيون 32بوصة. كانوا يحضرون من السودان مخصوص لحضور هذا الحفل من خلال الراديو، ومع الضباط كان أفراد السفارة السودانية أيضا يحضرون هذا الحفل» .

نظرة عن قرب

في الخرطوم تعرفت على حياة السودانيين عن قرب وشهدنا زواج بنت اخي في حي الموردة. والزواج في السودان فيه كل طقوس الحياة. تعرفنا على عابدين عوض «ترزي الجيش « وكمال دياب الجلد وعثمان يس كبير الجزارين ومحمد طه المطافي وأسرهم. السودانيون والمصريون شعب واحد وهنالك تقارب شديد بينهم، والعادات والتقاليد متشابهة.

أشغال يدوية

بعد ثمانين عاما من العمل العام سألتها عن كيفية قضاء أوقاتها فقالت:»أنا اقضي وقت فراغي في العمل بالأبرة (أشغال يدوية) وأعمل حاليا في بطانية. وكل اللوحات الموجودة على الحائط من أعمالي. تعلمنا هذا كله في المدرسة وكنت ممتازة جدا في الرسم وأعمال الابرة والطبخ. كنت أعمل دائما في شهر رمضان.
وكما ترى فإن كل شيء في منزلي له علاقة بتفاصيل حياتي. وتوجد لدي حيوانات حقيقية محنطة من بينها ذئب وتيس «صغير الغنم» وغزال وغير ذلك.

مروا من هنا

تقول ابتسامات إن لديها علاقات وطيدة بنجوم المجتمع المصري وتواصل :»أصدقائي كثر منهم فاتن حمامة ومحسن سرحان، فاخر فاخر وزوزو ماضي وعايدة كامل ومحمود يس وشهيرة ويوسف السباعي وغيرهم. كنا نسهر معا وكانوا يحضرون حفلة أم كلثوم عندي. أحيانا بل في مرات كثيرة نمشي إلى حفلات أخرى. وباختصار شديد كل المصريين مروا من هنا في هذا البيت وكل جزء فيه حكاية وتاريخ وذكرى جميلة لذلك أنا أحب هذا البيت جدا. وكل الصور الموجودة هنا تعبر عن أحداث مهمة وتاريخ مصري أو عربي أو سوداني».

صلاح الدين مصطفى

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية