القاهرة ـ «القدس العربي»: وسط مؤشرات متباينة حول مسار العلاقات الاستراتيجية القديمة بين البلدين، يزور وزير الخارجية الأمريكي جون كيري القاهرة، اليوم الأحد ويرأس مع نظيره المصري سامح شكري اجتماعات الحوار الاستراتيجي المصري- الأمريكي. وفي هذا السياق، قال المتحدث باسم وزارة الخارجية الأمريكية جون كيربي «إن الحوار الثنائي يؤكد من جديد الشراكة الطويلة والدائمة للولايات المتحدة مع مصر، وسيكون فرصة لمناقشة مجموعة واسعة من القضايا السياسية والاقتصادية والأمنية والثقافية بما يعزز القيم والأهداف والمصالح المشتركة».
وتأتي الزيارة بعد يومين من تسلم القاهرة ثماني طائرات اف 16 أمريكية، في تأكيد لاستئناف المساعدات العسكرية، لكن أيضا بعد قيام الرئيس باراك اوباما بزيارة إلى اثيوبيا متجاهلا مصر، اعتبرها البعض ردا على زيارة الرئيس عبد الفتاح السيسي لموسكو، وعدم زيارته حتى الآن واشنطن.
وأكدت مصادر دبلوماسية أن الحوار المصري – الأمريكي الذي سيعقد لأول مرة منذ فترة طويلة سيتناول العديد من الملفات والقضايا التي تهم البلدين في مختلف المجالات وفي مقدمتها العلاقات الثنائية والمشكلات التي تشهدها المنطقة وخاصة الوضع في ليبيا وسوريا والعراق واليمن بجانب تداعيات الاتفاق النووي الإيراني الغربي على مصالح المنطقة والأمن والاستقرار فيها وخاصة سلوكيات طهران تجاه المنطقة.
وقال المتحدث الرسمي باسم وزارة الخارجية، في تصريح بالقاهرة: «إن الوزير سامح شكري أوضح أن الحوار الاستراتيجي بين البلدين يمثل فرصة لترسيخ العلاقات الثنائية، ويعكس قوة وأهمية الشراكة المستمرة بين مصر والولايات المتحدة» .
بينما اعتبرت صحيفة «معاريف» الإسرائيلية، عدم زيارة وزير الخارجية الأمريكي جون كيري لإسرائيل خلال زيارته الشرق الأوسطية التي ستبدأ بزيارة القاهرة اليوم الأحد، بمثابة أزمة جديدة في العلاقات بين واشنطن وتل أبيب. وأضافت الصحيفة «أن زيارة كيري القاهرة ولقاءه نظيره المصري سامح شكري، في إطار الحوار الاستراتيجي بين مصر وأمريكا، وتجاهله إسرائيل سيعمق الأزمات في العلاقات بين تل أبيب وواشنطن، خاصة بعد حالة التوتر التي اجتاحت الأجواء السياسية بعد توقيع واشنطن على الاتفاقية النووية مع إيران. وكان عدد من أعضاء مجلس الشيوخ الأمريكي قد طالبوا وزير الخارجية جون كيري، بالضغط على السلطات المصرية من أجل تسريع الاصلاحات السياسية والاهتمام بحقوق الإنسان.
ومن جانبه قال السفير ابراهيم يسري، مساعد وزير الخارجية الأسبق، لـ«القدس العربي»: «لماذا كل هذا الرضا المفاجئ على مصر، طائرات اف 16 أمريكية ورافال فرنسية ومن قبل اباتشي ويتظاهرون بعدم انتباههم لأي حديث أو كلمة ضد النظام في مصر؟ والآن يقوم جون كيري بزيارة إلى مصر؟ ولكني اعتقد ان هذا لن يكن حوارا استراتيجيا، لان الولايات المتحدة في أدبياتها لا تعتبر مصر حليفة لها ولكنها تضعها في قائمة الأصدقاء فقط، وسوف تستمر في ذلك ولن تتجه إلى مقر الحليف. والولايات المتحدة بالطبع ترى نظرية ان من الأفضل وجود نظام مستقر في مصر تحت حكم ديكتاتوري عسكري وهي حققت أهدافها». وأضاف «ان الولايات المتحدة تصدر تقريرا كل سنة عن حقوق الإنسان ويقال فيه نفس الحديث، ومصر تعلم ما يحتويه هذا التقرير جيدا وخاصة للشعب الامريكي وليس المصري».
وأوضح «ان السيسي سيزور البيت الأبيض عاجلا أو آجلا، ولكن هذه الزيارة لا تمهد لزيارته للبيت الأبيض، والسيسي إذا ذهب للبيت الأبيض لن يحتاج إلى تمهيد للزيارة وانه عند ذهابه سيكون من أجل الطلب لمساعدة مصر فقط».
وقال الدكتور يسري العزباوي، الباحث في مركز الأهرام الاستراتيجي ورئيس مجلة» السياسي المصري» لـ«القدس العربي»: «بالتأكيد العلاقات المصرية الأمريكية تتجه إلى التحسن ولكن ما زالت هناك فجوة متمثلة في الضغوط التي تمارسها الولايات المتحدة الأمريكية على الدولة المصرية تجاه عدد من ملفاتها. كما ان الولايات المتحدة ايقنت انها بحاجة إلى مصر لحسم مجموعة من الملفات المتمثلة مثلا في مسألة الصراع في المنطقة مثل الوضع في سوريا وليبيا واليمن. ومصر تلعب دورا في هذه الملفات وبالتالي فإن الولايات المتحدة في حاجة إلى مصر. كما انه في ظل الاتفاق النووي مع طهران، فهناك يقين من أمريكا ان مصر من الممكن ان تلعب دورا في مواجهة التوغل والتوحش الإيراني وذلك إذا حدث نوع من التعاون بين مصر وتركيا على وجه التحديد، وبالتالي فإن العلاقات تتوجه إلى التحسن أوعلى الاقل إلى تخفيف الضغوط».
وأضاف «ان أحد أهم القضايا بالنسبة للولايات المتحدة والتي تأخذها كوسيلة للضغط بها على الدول هي قضية حقوق الإنسان وهذا ليس بجديد على الدولة المصرية فقد حدث كثير وخاصة في عهد مبارك، وبالتالي فإن مسألة حقوق الإنسان أو الانتخابات أو الديمقراطية أو المجتمع المدني هي أحد المحاور الرئيسة التي تستخدمها الولايات المتحدة تجاه الدولة المصرية».
واوضح «من الوارد تماما ان يكون التقارب بين مصر وأمريكا سببه التعاون في محاربة الإرهاب ، خاصة وان هناك فشلا من الولايات المتحدة في محاربة الإرهاب وهناك فشل واضح أيضا من قبل بعض الدول التي بها إرهاب شديد مثل العراق وسوريا وليبيا. وحاليا بدأ تعاون تركي مع الولايات المتحدة بالسماح لاستقبال قواعدها لضرب تنظيم الدولة في سوريا أو العراق وكل هذا قد تحتاج الولايات المتحدة إلى تعاون مصري مماثل لمسألة مرور سفن أو استخدام الأراضي المصرية بشكل أو بآخر وهذا وارد».
وبالنسبة لامكانية قيام السيسي بزيارة للبيت الأبيض، قال «ان حدثت زيارة السيسي للبيت الأبيض لن تكون بالصورة الوردية خاصة وان الأمريكان استشعروا بالجدية نحو قيام النظام المصري الحالي بالتوجه نحو روسيا واقامة علاقات جديدة مع الروس».
إلا ان ثمة بوادر تشير لوجدود ضغوط على الإدارة الأمريكية لتمارس بدورها ضغوطا على النظام في مصر بشأن ملف حقوق الإنسان.
وحسب مقال لاليوت ابرامز مستشار الرئيس الامريكي السابق جورج دبليو بوش، نشره مجلس العلاقات الخارجية الامريكية قبل عدة أيام، فقد أرسلت «المجموعة العاملة في الشأن المصري» رسالة لوزير الخارجية الأمريكي جون كيري فيما يخص المشروع المتعلق بديمقراطية الشرق الأوسط، وبدأت بدعوة كيري إلى انتهاز الحوار الاستراتيجي المقبل بين الولايات المتحدة ومصر كفرصة للضغط على الحكومة المصرية، لإنهاء حملة القمع العشوائي، والمضي قدما في استراتيجية أكثر تأثيرًا لمناهضة التطرف العنيف. وجاء في الرسالة: «هدفنا هو محاربة المسلحين بوسائل مؤثرة باستخدام الجيش ووسائل تنفيذ القانون، مع وضع نهاية لقمع الخصوم والمنتقدين السياسيين، بما في ذلك منظمات المجتمع المدني والإعلام»، وبحسب الرسالة فإن «القمع يولد المظالم التي تغذي التطرف، وبالتالي سينقل مصر بعيدًا عن الاستقرار والأمن التي هي في أمس الحاجة إليهما».
ثم جاء السؤال: «ما هي المشكلة التي تواجهها مصر؟» وتبعتها الإجابة: العنف في مصر الآن يأتي عبر ثلاث أشكال أساسية، تتزايد جميعها بالوتيرة والشدة نفسها.
وقالت الرسالة: «إن العنف يأتي في شكل أولي عبر هجمات متطورة واسعة النطاق تنفذها جماعات منظمة مسلحة، أغلبها يتمركز في سيناء والثاني يأتي من خلال اعتداءات أصغر نطاقًا وبساطة ينفذها مواطنون غاضبون أو جماعات صغيرة، والثالث هي تلك الممارسة التي تنتهجها القوات الأمنية المصرية، والتي لا تستهدف فقط المتطرفين، ولكن أيضا تجاه مناهضين سياسيين، ومنتقدين للسيسي وحكومته وهنا يكمن الخطر».
وهكذا تجد الإدارة الأمريكية نفسها مطالبة بحالة من التوازن الصعب بين حاجتها إلى علاقات جيدة مع القاهرة وخاصة في ملف مكافحة الإرهاب، وما تتعرض له من مطالبات بممارسة ضغوط عليها بشأن حقوق الإنسان.
منار عبد الفتاح