عنتاب ـ «القدس العربي»: أحياناً قد يوقف الاستعداد للحرب اندلاع الحرب، لكن لم يمنع تعامل السلطات التركية الحذر على مدار فترة الثورة السورية مع الأطراف التي تتبادل السيطرة على الأراضي المحاذية لحدودها، من وصول النيران إلى أراضيها. ولم يكن التفجير الذي شهدته قرية «سوروش» في تجمع لنشطاء أكراد أتراك، وماتلاها من إعلان السلطات التركية حربها على الجماعات الإرهابية، واستهدافها للتنظيم الكردستاني «PKK» في مناطق من سوريا والعراق ولو كان على استحياء، إلا ليؤكد على أن السياسات التي كانت تنتهجها أنقرة قبل التفجير لن تكون كما بعده.
وصعدت هذه الحادثة التي اعتبرها البعض بمثابة الانذار المتأخر لا المبكر للسلطات التركية، من كم وكيف الإجراءات والتدابير الأمنية التركية، التي كان من بينها إعلان الشريط الحدودي لولاية كلس الأربعاء الممتد على مسافة (114كم) منطقة عسكرية من قبل الوالي لمدة سبعة أيام قابلة للتجديد، وتوقيف 1302 مشتبه به في عمليات أمنية شملت 39 ولاية تركية.
لكن التطور الأبرز في جملة التطورات اللاحقة كان الحديث من قبل المسؤولين الاتراك عن انشاء منطقة آمنة على امتداد 90 كم في ريف حلب بين مدينتي جرابلس ومارع، بعد طرد التنظيم منها على اعتبار أنها مناطق خاضعة لسيطرة التنظيم. وبغض النظر عن التكهنات التي تدور حول آليات إقامة هذه المنطقة، والآراء الأمريكية حول اقامتها، فإن الضرورة التي فرضها تغير شكل السيطرة للأكراد المدعومين من الولايات المتحدة العدو الأول للدولة التركية منذ نشأتها وخصوصاً بعد السيطرة على مدينة تل أبيض، والحديث عن نيتهم مواصلة قتال التنظيم لفتح الطريق إلى عفرين في حلب بتغطية من طائرات التحالف، أي وصولاً إلى استكمال معالم كيان كردي تم الحديث عنه، وضعف في فصائل المعارضة الموالية للحكومة التركية، وغيرها من العوامل جعلت من التدخل التركي مع كل المجازفة أمراً لا بد منه.
ويبدو أن المنطقة التي يتم الحديث عنها كضرورة تركية في أنقرة بدلاً من الانجرار إلى حرب ليست في صالح البلاد، قد حجمت من حجم الخطط الكردية في سوريا، ما حدا بالأكراد في سوريا للقول ان هذه المنطقة موجهة ضدهم لا ضد التنظيم، كما يقول الناطق الإعلامي باسم قوات (YPG) ريدور خليل.
خليل اوضح لـ«القدس العربي» بعد أن وصف أيضاً التدخل التركي ضد التنظيم في سوريا بـالتدخل «غير واضح المعالم» الموضوع بالقول «ان تركيا تحاول الابقاء على ممر بري يصلها بالتنظيم لدعمه، وهذا سيكون مستحيلاً لو سيطرت وحدات حماية الشعب على الشريط الحدودي بالكامل».
واعتبر أن التنظيم هو من أعلن الحرب على تركيا وليس الأتراك، وأضاف: «لو كانت تركيا جادة في حربها على تنظيم الدولة لكانت قدمت السلاح لنا نحن الذين نقاتل على الأرض عوضاً عن ضربنا في محيط كوباني»، مشيراً إلى مساع تركية تهدف إلى تشكيل جيش من «التركمان» لأنه لا وجود للفصائل المعتدلة في هذه المنطقة حسب تقديره.
بالمقابل رفض الصحافي التركي حمزة تكين المقرب من حزب العدالة والتنمية الحديث عن استهداف تركي للأكراد، ووجود مشكلة عرقية مع كل الأكراد. لكنه شدد في الوقت ذاته خلال اتصاله مع «القدس العربي» على أن الضربات التي توجهها سلطات بلاده ستطال كل من يهدد أمن تركيا وعلى رأسهم تنظيم «العمال الكردستاني» الذي أصابه الغرور، والذي لم يستفد من مرحلة السلام السابقة.
ولعل اللافت في ردود الأفعال الصادرة من جهات كردية على الضربات التي تلقاها المقاتلون الأكراد، جاء في بيان صادر عن رئاسة إقليم كردستان العراق الثلاثاء، بعيد المباحثات التي أجراها مسعود بارزاني مع الجنرال «لويد اوستن» قائد القيادة الوسطى للجيش الامريكي في أربيل، اكتفى فيه الأول بالاعراب عن قلقه من التوترات بين العمال الكردستاني والأتراك، بعد أن أكد في بيان سابق دعمه لتركيا في حربها ضد تنظيم الدولة و»العمال».
مراقبون يعزون سكوت كردستان العراق عما يجري، إلى ضغوط تمارسها الولايات المتحدة عليها لمحاولة خلق توازن في الصراع السوري، ألحت عليه تركيا بعد توقيع إيران للاتفاق النووي، والذي قد تكون أحد أولى نتائجه زيادة الدعم الذي تقدمه إيران لحليفها الأسد.
ويرى رئيس المجلس الوطني لإعلان دمشق في المهجر الدكتور محمود حمزة، في التدخل التركي ضد الأكراد والتنظيم دوراً مشابهاً للدور السعودي في اليمن، وتطبيقاً للمطلب الغربي والأمريكي القديم الذي يطالب دول المنطقة بحل مشاكلها بنفسها.
ولم يستبعد حمزة خلال حديثه لـ«القدس العربي»، صحة فرضية تخلي أمريكا عن حزب صالح مسلم. كما لم يستبعد توسيع تركيا لعملياتها لتطال نظام الأسد، وذلك لأن الصراع الاقليمي بات على أشده حسب وصفه، لافتاً إلى أن مصالح تركيا تتقاطع مع مصالح الشعب السوري.
وكان أحمد داود أوغلو قال في وقت سابق «إن وجود تركيا قادرة على استخدام القوة في شكل فعال يمكن أن يؤدي إلى تغيير التوازن في سوريا والعراق وكل المنطقة، وعلى العالم أن يدرك ذلك»، وهو تصريح يدعم رأي حمزة الذي يعزو تدخل تركيا إلى الصراعات الاقليمية.
من جهته اشترط الصحافي السوري والسياسي البارز نهاد الغادري، توفر الإرادة الدولية والضوء الأخضر الأمريكي، قبل الحديث عن استهداف تركي لنظام الأسد، مرجعاً خلال حديثه لـ«القدس العربي» التدخل التركي إلى ثلاثة عوامل يراها تتحكم بردة الفعل التركية، وهي ماض محكوم بحلم إسلامي، وحاضر مليء بالتشقق المذهبي، ومستقبل قد يشهد تشكيل شرق أوسط جديد.
لكن لرئيس حزب الشعوب الديمقراطي الكردي صلاح الدين دمرطاش رأي مخالف وراء التدخل التركي بعيد كل البعد عن الساحة الاقليمية، ومرتبط بالشأن الداخلي التركي، وهو مرتبط بضرب الحزب الذي وصل للمرة الأولى إلى البرلمان التركي.
مصطفى محمد