سليم عزوزونحن علي مشارف الذكري الثانية، للثورة المصرية المجيدة، فانه يطيب لي بهذه المناسبة، أن أؤكد علي أن الثورة حققت تغييراً هائلاً، وقد جاءت حيثيات حكم القضاء في واقعة قنوات ‘ دريم’ الأسبوع الماضي كاشفة عنه، إذ أكد الحكم علي أن صلاح عبد المقصود وزير الإعلام، أساء استعمال السلطة. وهذا يمثل أبلغ رد علي من لا يملون من القول من انه لا جديد تحت الشمس!.الجديد أن زميلنا صلاح عبد المقصود، وكان واحداً من أحاد الناس مثلنا قبل الثورة، قد أصبحت له سلطة، وأنه أساء استعمال هذه السلطة، عندما قرر وقف بث قنوات ‘دريم’ من خارج استوديوهاتها. ومثل هذا الاتهام كان يوجه من قبل إلي شخص في حجم الرائد متقاعد صفوت الشريف، الذي قالت عنه المذيعة مفيدة شيحة انه أفضل وزير إعلام في تاريخ مصر، مع أن اختيارها مذيعة في عهده وتركها تتمدد في الفراغ الإعلامي، بدون مؤهلات تذكر، كفيل بأن يؤكد علي عدم جدارته بالمنصب، ومفيدة من فصيلة لميس الحديدي، التي تتحدث فتظن انك في زحام محطة مصر، لتدافع أصوات عدة من حنجرة واحدة.مفيدة وعلي الرغم من انتمائها إلي الفصيلة سالفة الذكر فإنها محظوظة في القنوات الخاصة وتلفزيون الريادة الإعلامية، حيث تم التعامل معها علي أنها من أصحاب الكفاءات النادرة، ولا تثريب عليها فقد ورد في الحديث القدسي: ‘ وعزتي وجلالي لأرزقن من لا حيلة له حتي يتعجب من ذلك أصحاب الحيل’.. ها أنا ذا أتعجب!لقد أعزت الثورة قوما وأذلت آخرين، أما أنا فقد بقيت في مكاني، كالأعراف الذين يقفون بين الجنة والنار، ويقال ان الأعراف موقعاً لا بشراً. وعبد المقصود من الذين أعزتهم الثورة، فقد أصبح وزيراً للإعلام، وصارت له سلطة يستعملها، ويسئ هذا الاستعمال. ويبدو انه في واقعة قنوات ‘ دريم’ كان يستهدف اختبار سلطته فوجدها تعمل، فأساء استعمالها ليتأكد له أن حاله قد تتغير من صحافي إلي وزير، وليس أي وزير فهو يتولي وزارة سيادية، تولاها من قبله من دخلوا كتب التاريخ، وسوف نجد لهم بعد سنوات مكاناً لائقاً بقسم الحفريات بالمتحف المصري، ومن صفوت الشريف إلي أنس الفقي، وصفوت قالت عنه المفكرة الاستراتيجية الجبارة مفيدة شيحة أنه أفضل وزير إعلام في تاريخ مصر، ولا نعرف ما هو المقياس الذي استخدمته لقياس نجاحه، وهو من عجز عن المنافسة في زمن السماوات المفتوحة، واحتفي تلفزيونه بالقواعد من المذيعات، التي كان مقياس الجمال لديهن هو أن يضربن بشعورهن في الخلاط، مع صبغة مصنوعة من البرتقال فتظن الواحدة منهن بمجرد ان تفرغ من هذه المهمة أنها صارت ‘ خواجاية’، وجديرة بدخول مسابقة جمال العالم علي مستوي الاتحاد الأوربي.في مجال تجريب السلطة في العالم العربي للتأكد من أنها تعمل هو أن يجري إساءة استعمالها، ومن الواضح ان وزير الإعلام زميلنا صلاح عبد المقصود عندما قالت محكمة القضاء الإداري في حيثياتها أنه أساء استعمال السلطة وانحرف بها، قد شعر في هذه اللحظة التاريخية أنه صار وزيراً للإعلام، ووجدت أنا ان هناك دليلا حي يمثل أداة رد علي هؤلاء الذين يقولون انه لا شئ تغير في مصر بعد الثورة، وهل كنا نحلم في عهد ما قبل الثورة أن يصبح صلاح عبد المقصود وهو ‘ واحد مننا’ وزيراً، وتصبح له سلطة، يستعملها أناء الليل وأطراف النهار، ولم يقتصر الأمر عند استعمالها، وإنما يسئ هذا الاستعمال.الانتقام من دريمللمستشرقين من القراء، فان أهل الحكم قرروا الانتقام من قنوات ‘ دريم’، وربما كان الذي لم يتغير هو الاستعانة بتراث الاستبداد في العهد البائد، فقيل أنها تبث إرسالها من خارج مدينة الإنتاج الإعلامي. وللمستشرقين أيضاً فهذه هي المدينة التي حاصرها الشيخ حازم صلاح أبو إسماعيل وجنوده، استعداداً لسقوطها ليتم الفتح الإسلامي لها، لكنها استعصت علي الفتح، وغادر الشيخ حازم وقواته أرض المعركة للانشغال بالاستفتاء علي الدستور، وقالوا أنهم سيعودون مرة أخري، لحملها علي الدخول في دين الله، وليصبح اسمها ‘ مدينة الإنتاج الإسلامي’، لكن نتيجة الاستفتاء علي الدستور أعلنت، وقوات الفتح لم تعد مرة أخري.النظام البائد خلف لنا نوعان من تراث الاستبداد، الأول كان في بداية عهده، وعندما كان يعرف الخجل فكان التحايل هو الحاكم في مهمة الانتقام من الخصوم، والثاني هو عندما خلع ‘ بُرقع الحياء’ وتصرف بدون خجل أو وجل، فكان الخطف، والإبعاد والاعتداء البدني، والمطاردة، والتغييب القسري.الإخوان في بداية مقرر الاستبداد الدراسي، ولم يصلوا إلي نهاية المقرر، فكان القول أن الوزير اكتشف بنفسه أن قنوات ‘ دريم’ تخالف القانون وتبث إرسالها من خارج مدينة الإنتاج الإعلامي، الأمر الذي يكبد الدولة خسائر فادحة، علي نحو يوحي كما لو كان بثها من خارج المدينة هو السبب في ارتفاع سعر الدولار، وفي الأزمة الاقتصادية التي تعاني منها البلاد.بدون مقدمات تم وقف البث، وقيل أن علي ‘ دريم’ ان تبث إرسالها من داخل المدينة، ولم يكن لها سوي أستوديو صغير، هو خاص بقناة ‘ دريم الرياضية’، فقال أولي الأمر منا فلتبث إرسالها من هناك، والذي لم يتم إعلانه أن المدينة لم تعد فيها استوديوهات جديدة شاغرة يمكن إيجارها، فلماذا لم يمنحها مهلة إلي حين تشييد استوديوهات جديدة؟!يقولون ان الغرض مرض، فأصل المشكلة ان مذيعة ‘ بدريم’ دخلت في معركة قضائية ضد القيادي الاخواني عصام العريان بعد ان اتهمها علي الهواء مباشرة في شرفها المهني، وقال ما معناه أنها تتقاضي أموالاً مقابل الهجوم علي الإخوان وحكمهم، ولا أخفيكم سراً انه دغدغ مشاعري الجياشة بما قال، وذهبت ابحث عن جهات التمويل في هذا الصدد، فأنا ليل نهار اسمع عن التمويل والمتمولين، ولم تخطئ جهة ظهر البسيطة يوماً، وتتصل بي علي سبيل الخطأ، أو لأن رقم هاتفي متشابهاً مع هاتف مستهدف بالتمويل، فأمسك في من يتصل بيدي وأسناني، والشئ الوحيد الذي يصلني في هذا الإطار هو رسائل تبغي النصب علي، ممن يظنون بي ظن السوء، ويتصورن أنني في حكم القروي الساذج أبهرته أضواء المدينة، وكان أخرها رسالة من مدعية بأنها ابنة للقذافي.. وقالت إنها هربت بأموال من ليبيا، وتريد أن ترسلها لي، فقط هي تريد بياناتي ورقم حسابي في البنك.وهكذا طافت هذه النصابة الكرة الأرضية فلم تجد سوي واحداً كان بينه وبين القذافي مشاكل قضائية، لتظن انه يمكن ان يصدق أن ابنة للقذافي معها أموالا وتريد ان تحولها لشخصه الضعيف.. قد شغفت به حباً، لوسامته!.قوائم النفط كانت والدتي رحمها الله تقول أن ‘الفقر يعرف ناسه’، ومحسوبكم ذهب إلي العراق وعاد بخفي حنين، وعندما حدث الغزو الأمريكي ونشرت قوائم النفط مقابل الغذاء فوجئت بمن وردت أسماؤهم كانوا معي، وكان عجباً أن أحداً لم يعرض علي من قيادات العراق نفطاً، أو حتي غلالاً، ولم أنل بالتالي شرف الرفض، كما لم أجد اسمي في القوائم من باب الصيت ولا الغني.. لكن عزائي الوحيد أن ‘ الفقر يعرف ناسه’.المهم، فبينما أنا منشغل بالبحث عن الجهات المانحة التي تمول الهجوم علي حكم الإخوان، إذ بالدكتور العريان يعتذر، ويقول انه يستهدف انها ‘ تقبض راتبها’، ولأول مرة في التاريخ اعرف ان تقاضي المرء لراتبه يمكن أن يستخدم للتشهير به علي الهواء مباشرة.المذيعة جيهان منصور رفضت الاعتذار، فقد مثل البلاغ الذي تقدمت به للنائب العام نقلة مهمة في حياتها المهنية، فقررت أن تعيش اللحظة، وقد دخلت للنيابة مع لفيف من المناصرين والمتظاهرين والمبايعين في المنشط والمكره، وخرجت من النيابة تواجه كاميرات الفضائيات المحتشدة، وكأنها ستلقي بيان الحرب علي كوسوفو.. يقولون الفرصة لا تأتي للمرء سوي مرة واحدة في حياته، ولهذا قررت جيهان منصور أن تستغلها ورفضت قبول الاعتذار.. الوحيدة من بين البشر التي جاءتها الفرص بدون عدد بما يمثل استثناء لهذه القاعدة هي مفيدة شيحة، التي قالت ان صفوت الشريف هو أفضل وزير إعلام في مصر.مما قاله عصام العريان، الرجل القوي في مصر الآن: ‘ علي نفسها جنت براقش’. ومن يتابعون هذه الزاوية لابد أنهم لاحظوا أن تغييراً حدث، فقد كنت من قبل أصف صفوت الشريف، واحمد عز، وحبيب العادلي عندما اذكر احدهم بأنه الرجل القوي في مصر، الآن صار عصام العريان هو الرجل القوي، وقوته تتأكد كل يوم، وهو صاحب الدعوة لعودة اليهود المصريين فيبدو انه مرشح الجماعة في الانتخابات الرئاسية القادمة بعد أقل من أربع سنوات.ويبدو أن الموقف من القوم مؤثر لدرجة أن الرئيس محمد مرسي في لقائه مع جون ماكين، قد تراجع عن تصريحات قديمة له يهاجم اليهود، وكان باسم يوسف أذاع تسجيلا له يوم الجمعة الماضي في برنامجه ‘ البرنامج’ .. علي ‘ سي بي سي’ يهاجم فيه اليهود. فهجومه علي القوم قاله عندما كان المجال مفتوحاً، وسقف المتحدث هو السماء، لكن الحال تغير الآن، بعد أن تغير ‘الموقع الجغرافي’، ومن قبل عندما وقع حادث قطار الصعيد وكان الدكتور مرسي نائباً في البرلمان قال إن إقالة رئيس وزير النقل لا تكفي، ولابد من إقالة رئيس الحكومة.. وبعد تغير موقعه الجغرافي، من الإقامة في محافظة الشرقية إلي قصر الاتحادية بمصر الجديدة، فانه في حادث لقطار الصعيد اكتفي بإقالة وزير النقل، وفي الحادث الأخير اعتبر أن مجرد التحقيق مع سائق القطار يكفي ويزيد، وصرح بأنه سيعاقب المتسبب في الحادث مهما كان منصبه. ومن اعلي منصب في القطار من سائقه.. صاحب ‘ عقدة النكاح’ فيه وولي الأمر؟!ما علينا، فعندما هتف عصام العريان: ‘ علي نفسها جنت براقش’.. ولا مؤاخذة، في مواجهة رفض جيهان منصور اعتذاره، لم تحل اللعنة علي جيهان وحدها، وإنما حلت علي ‘ دريم’ كلها، وفق مدونة المعاملات المعتمدة عسكرياً: ‘ الحسنة تخص والسيئة تعم’، ولا تنسي أن برنامج ‘ العاشرة مساء’ أذاع ما اغضب أولي الأمر منا، فكان التفتيش في الدفاتر القديمة، وقد اكتشفوا ان ‘ دريم’ تبث إرسالها من خارج مدينة الإنتاج الإعلامي، فكان لابد من أن يتم دفعها إلي هناك لتكون في استقبال عملية الفتح الإسلامي التي لم تتم، فإما أن يدخل العاملون فيها في دين الله أفواجاً، وإما ان يدفعوا الجزية عن يد وهم صاغرون.العقاب الجماعي قاعدة منصوص عليها في الدستور المصري الآن، فلو اخطأ صحفي مثلا، فانه لا يعاقب بمفرده وباعتبار أن العقوبة في الأصل شخصية، وإنما تعاقب الصحيفة كلها بالوقف والإغلاق ليتم تسريح كل العاملين فيها من عامل النظافة إلي رئيس التحرير.القائمون علي ‘ دريم’ قالوا عندما تم الوقف ان لديهم موافقة سابقة بالبث من خارج المدينة.. ونفي المسؤولون ذلك، لكن حكم القضاء الذي هو عنوان الحقيقة، جاء ليؤكد علي ان هناك موافقة فعلاً من قبل مجلس أمناء الاتحاد والتلفزيوني. وبعيدا عن الموافقة فهناك عشرات القنوات تبث علي الهواء مباشرة من خارج المدينة، ولم تعاقب منها سوي ‘ دريم’، وهو الأمر الكاشف عن حجم الانحراف في استعمال السلطة.لا بأس، فالبأس الشديد ألا نعلم ان هناك تغييراً جري بعد الثورة التي نحتفل بمرور عامين عليها هذه الأيام، يتمثل هذا التغيير في ان زميلنا صلاح عبد المقصود أصبحت في يده سلطة يستخدمها ويسئ استعمالها.انه أمر يشرح القلب العليا.. عقبالنا.’ صحافي مصري[email protected]