أ . د . علي الهيلبين (رينيه كالي Rene Caillie) و(فرانسوا أولاند Fran’ois Holande) ثمة قاسم أعظم مشترك. الأول رحالة فرنسي مستكشف، زار تِمبكتو Timbuktu شماليَّ مالي العام 1828 وأطلق عند عودته إلى فرنسا مقولته المشهورة: ‘إن مغامراتي في تِمبكتو كانت حُلُماً. ألم تكن حقا كذلك’. وأما الثاني فهو الرئيس الفرنسي الإشتراكي الحالي، الذي غزا شمالَ مالي مؤلبا أمريكا وأوروبا والناتو (باستثناء تركيا التي لم تُصغِ إليه وانتقدت تدخله العسكري) وإفريقيا والجزء العربي منها خاصة الجزائر االذي يقع شمالُ مالي إلى الجنوب منها. وقد كفانا Christophe Barbier كريستوفر باربير صحفي جريدة يمين الوسط L’Expre الذي تذكَّر كلمات Callie ويمكن قصد أن يذكر بها الفرنسيين المحترقين في نيران ضرائب حكومة (أولاند) والذين لم يصدقوا أن بلدهم تخلص من عقدة غزو بلدان الآخرين والغرق في مستنقعاتها، ثم ختم باربير كلامه بالقول: ‘آملُ أنْ لا يتحول غزو (أولاند) إلى كابوس على فرنسا’، وكأنه يقرأ في الغيب، وكأن درس أفغانستان القاسي الذي أجبر الرئيس اليميني السابق (نيكولا ساركوزي) على سحب الجنود الفرنسيين من قوات (إيساف)، بعد أن أذاقهم جنود (طالبان) الموت الزؤام، لم يقنع (أولاند) بأنْ يرعوي عن رسم أمجاد له في صحراء شمال مالي الوعرة، التي حسب التحليلات الفرنسية ستودي به وبمشاريع مجده وستجر على فرنسا مزيداً من الويلات.الملفت أن جرائد فرنسا ذات طبيعة يمين الوسط ويسار الوسط، كلها أجمعت على أن كوابيس وليس كابوسا واحداً بدأت مؤشراته تترى، وتودي بتلك الكلمات الرومانسية الرائعة (لرينيه كالي) عن تِمبكتو. فبمجرد تضاعف عدد الجنود الفرنسيين طلعت الصحافة الرئيسية بتحذيراتها المريرة، متسائلة بحسرة كيف يمكن أن تتفادى فرنسا الغوص في رمال صحراء شمال مالي المتحركة. ها هي ذي صحيفة يسار الوسط Le Monde أو العالَم الأشهر عن صحافة فرنسا في الخارج كما الداخل؛ ترفع عقيرتها: ‘نحن نعرف كيف التدخلات العسكرية تبدأ’ كتب ألِنْ فرانشون Alain Franchon ثم واصل (فرانشون): ‘لن نعرف أبداً كيف ستنتهي تلك التدخلات’. ولم يكتفِ صحفي لوموند الأشهر بذلك بل حذر من غوائل السقوط في دولة فاشلة سيتعين على فرنسا أن تعيد بناءها. قطعاً كلام كهذا يلقى صدىً ضخما لدى غالبية الفرنسيين المسحوقين ضرائبيا ومعيشيا والمرهقين جراءَ ترقيع أزمات دول اليورو المنهارة.و كتب (كريستوفر باربير) المشار إليه آنفاً في جريدة (إكسبرس) قائلاً: ‘في هذه الصحراء غير واضحة المعالم للجنود الفرنسيين، طائرات الهيلوكوبتر الفرنسية وسيارات البك أب الملأى بالمقاتلين الإسلاميين، حرب نمطية ضروس من حروب القرن الحادي والعشرين تدور رحاها’. وكتب (نيكولاس ديموراند Nicolas Demorand) مُجادِلاً في جريدة يسار الوسط Liberation إحتمال ينجح التدخل العسكري الفرنسي في منع تحول مالي إلى ‘دولة فاشلة’ وهذا أقصى ما تستطيع فرنسا أن تفعله، وعلى فرنسا ‘ أن تحدد متى وكيف ولمن ستؤول النفقات الهائلة لهذا التدخل’.بالإضافة إلى ذلك كله، ثمة وجوه أهم عربيا وإفريقيا وإسلاميا ربما تكمن وراء الغزو الفرنسي لشمال مالي. نحن نعرف أن جنوب شرق الجزائر وبالتحديد (عين إمناس) المحاذي لشمال مالي غنية بحقول البترول والغاز، التي لفرنسا مشاريع واستثمارات فيها. ونعرف أيضاً أن فرنسا لديها إستثمارات ومشاريع إقتصادية في مالي وغرب إفريقيا وترجح بعض التحليلات أن فرنسا تعتمد في 80 في المائة من مصادر حصولها على الطاقه على محاجر اليورانيوم في مالي وغيرها من دول غرب إفريقيا، ولذلك ولأسباب أُخَر تحركت فرنسا عسكريا فقط عندما لاحظت زحف المقاتلين الإسلاميين على (كونا) وهي بوابة الشمال المالي على جنوبه، لأن فرنسا تعتبر ذلك خطا أحمر، لوجود معظم إستثماراتها في الجنوب وخاصة في العاصمة المالية (باماكو).الآن كل المؤشرات تدل على أن فرنسا ستغرق في المستنقع المالي خاصة بعد وقوف إسلاميي الجزائر مع الإسلاميين الماليين والذي بدأت بوادره الأولى نوعا وكما باحتلال منشأة نفطية أو غازية في جنوب شرق الجزائر في (عين إمناس) وقتل واحتجاز أكثر من أربعين مواطنا أمريكيا وأوروبيا (بريطانيين وفرنسيين) ويابانيا كما تقول مصادر الإسلاميين الجزائريين، ولعل الإفراج عن الجزائريين يشير إلى احتمال تطور الوضع دراماتيكياً لا سيما على إثر تهديد إسلاميي الجزائر بقتل المحتجزين وعلى إثر أنباء عن تلغيم المحتجزين والمنشأة النفطية، إنْ لم توقف فرنسا عملياتها ضد إسلاميي شمال مالي، وفي الوقت نفسه يعتبر فعل إسلاميي الجزائر رسالة للحكومة الجزائرية التي سمحت لفرنسا باستعمال أجوائها لمرور الطائرات الفرنسية لقصف إسلاميي مالي. ومعروف أن الجزائريين شعبا وقوات مسلحة وفقا لتليفزيون (المغاربية) متحسسون للغاية من التعاون مع المستعمر او المستخرب القديم. وقد كان إعلان حركة شباب الصومال عن مقتل رهينة فرنسي ردة فعل فورية أخرى على التدخل الفرنسي في شمال مالي. ويبدو أن إسلاميي الصومال والجزائر وشمال مالي وقد تدخل على الخط الساخن (جماعة باكو حرام) النيجيرية وجماعات أخرى – إما من القاعدة أو من المتعاطفين مع خطها العام.’ أستاذ جامعي وكاتب قطريqmdqpt