في ندوتها عن شخصية اليهودي في الأعمال الفنية المصرية… سلامة: الجهل والسطحية في طرح شخصية الإسرائيلي وشخصية الفلسطيني

حجم الخط
0

عمان ـ «القدس العربي»: «التسطيح في الطرح وتضخيم الأنا العربية والقدرات الجاسوسية والحربية في الأعمال الفنية المصرية، ليس مغالطا للواقع فحسب، والدليل ما يجري على أرض الواقع من تقدم للعدو الإسرائيلي وتراجع لنا، لكن فيه أيضا خللا واضحا في الترافع عن قضيتنا، وتبادلا ساذجا لدوريّ الضحية والجلاّد، ومزيدا من تكريس الضحالة الثقافية.»
هكذا اختتمت الكاتبة والصحافية رشا عبدالله سلامة ندوتها حول تناول الأعمال الفنية المصرية لشخصية اليهودي في ملتقى «نقش» الثقافي في العاصمة الأردنية عمان.
وتحدثت سلامة عن طرح شخصية اليهودي في مسلسل «رأفت الهجان»، وفيلم «مهمة في تل أبيب»، ومسلسل «ربع مشكّل»، فيلم «السفارة في العمارة» ومسلسل «حارة اليهود»، وأخذت عليهم الجهل والسطحية في تناول شخصية اليهودي، وما يقابلها من طرح سطحي للفلسطيني، مع مغالطات كثيرة تتعلق بالجغرافيا الفلسطينية واللهجة والأزياء وتقسيمات المناطق، وتفاصيل عامة في الصراع السياسي.
وتضيف «لعل كثيرا من القائمين على الأعمال الفنية المصرية المعنية بمناقشة صورة اليهودي وما يرتبط بها من هجرات واحتلال لأرض عربية ونشاط جاسوسي، ومن ثم جدلية التطبيع وما إلى ذلك من قضايا، لعلهم لا يدركون خطورة الاستسهال في مرات أو الانجراف لقوالب معلّبة في الطرح، فتكون النتيجة تصوير العربي بالجلاّد للبراءة الإسرائيلية، سواء حين يقدم خطاباً يجنح في مقاطع كثيرة منه للتعميم والعنصرية واستحضار نموذج أحمد سعيد في «تجوّع يا سمك»، أو على العكس من ذلك الأنسنة المبالغ بها، التي تقترب من تأنيب الذات العربية وتحميل العرب مسؤولية هم في حلّ منها حيال اليهود.
والصورة العامة لليهودي في الأعمال آنفة الذِكر- بحسب سلامة – صاحب بشرة تميل للصفرة، مع ملامح دقيقة وحادة معظم المرات، الهيئة العامة تحاكي الموضة الغربية من حيث تسريحة الشعر والملابس، كما أن جزءا من الشخصيات اليهودية يرتدي بالضرورة المعطف الأسود الطويل ويرخي الجدائل الشقراء ويعتمر القبعة السوداء أو القلنسوة اليهودية، يُنادى في الغالب «خواجا» ولا يعامله المصريون كمواطن، كما أنه في الغالب على درجة من متوسطة إلى عالية ثقافة وإلماماً بالفنون من مسرح وموسيقى ورقص، شخصية ذات نفوذ تجاري، شخصية، رغم ثرائها تميل للجشع والبخل والانتهازية.
ومن الأمور التي أشارت اليها سلامة في ندوتها تغير مسرح الأحداث الذي كان سابقاً في الدول الأوروبية وفي قلب كيان الاحتلال، أما الآن فباتت مصر وحارة اليهود في شارع الموسكي في القاهرة تحديداً، مسرح الأحداث، كما أن التناول في الأعمال الأولى كان سياسياً بامتياز أي في خانة العمل الاستخباراتي، أما الآن فقد تم تسليط الضوء على كون اليهودي من ضمن النسيج الاجتماعي المصري الأصيل.
يفصل بين الزمن الذي أتى فيه مسلسل «رأفت الهجان»، والحقبة التي أتى فيها مسلسل «حارة اليهود»، للمخرج محمد جمال العدل، زمن شاسع في ما يتعلق بالمعطيات السياسية، وهو ما انعكس بدوره على منهجية التناول؛ وتوضح سلامة «إذ لم يكن ذلك التحامل وقت «رأفت الهجّان» على الإخوان المسلمين ما جعل التعريج على أمرهم عابراً للغاية، بل أن اليهود أنفسهم يعترفون في المسلسل بأن النظام يتهم الإخوان بعمليات لم يقوموا بها، فيما «حارة اليهود» يصوّرهم بأصحاب اليد الطولى في تهجير اليهود المصريين، وتحديداً مؤسس الجماعة حسن البنا، الذي كان يحضّ المصريين على مهاجمة مصالح اليهود في مصر وليس الذهاب لمقاتلتهم، كالجيش المصري الذي قاتل في فلسطين».
وفي مسلسل «رأفت الهجان» كان هنالك تركيز على الشق السياسي البحت والاستخباراتي، لكن في «حارة اليهود» كان الطرح إنسانيا عاطفيا، ومن خلال حكاية حب حُمّلت أكثر مما تحتمل، بالإضافة لتبسيط الفكر الصهيوني الذي قام عليه الكيان، بل حتى الموسيقى التصويرية والسينوغرافيا كانت أكثر حناناً في «حارة اليهود» منها في «رأفت الهجان» الذي كثيراً ما يُقرن اسم إسرائيل وجرائمها بموسيقى تصويرية مرعبة.
حارة اليهود في مسلسل «حارة اليهود» لا تضم سوى عائلتين يهوديتين، رغم اسمها، كما أن غالبيتها من المسلمين والمسيحيين، فيما يُظهر «رأفت الهجان» تجمّعاتهم وانزواءهم في المقاهي وتكتّلاتهم. الاستخبارات المصرية غائبة في «حارة اليهود»، فيما هي بطلة الحدث في «رأفت الهجان»، والقائمون على أمر الجالية اليهودية في «حارة اليهود» وعلى رأسهم الممثل جميل راتب وطنيون مصريون ويرفضون الرحيل، بل يؤنّبون الآباء الذين اختار أبناؤهم الرحيل لكيان الاحتلال وتهريب الأموال إليه، فيما هم يرتبطون تماماً مع الموساد ويساعدون على تهريب اليهود وأموالهم لكيان الاحتلال في «رأفت الهجان».
بينما في فيلم «السفارة في العمارة» يتم تصوير اليهودي بالبخيل الجشع الدميم، وفي الوقت ذاته صاحب الأعصاب الباردة، الذي يحتمل الإساءة والكراهية المجانية التي يلقاها لا سيما من قِبل اليسار المصري والمتطرفين دينياً.
وفي «السفارة في العمارة» تم تمرير رسالة النظام المصري من خلال الفيلم، كما هو دأب أعمال الفنان عادل إمام؛ إذ يرِد على لسان المسؤول الأمني الذي لعب دوره الممثل خالد زكي العبارة التالية « كان قدر مصر أن تخوض الحرب وحررت سينا وطابا، لكن الآن عملية سلام لمصلحة الدولة العليا، عيش وتعايش مع الأمر الواقع، مش عايزين حد يتلكّك لنا».
في وقت جنح فيه «رأفت الهجان» و»حارة اليهود» و»مهمة في تل أبيب» للتناول الدرامي لهذه القضية الشائكة، فإن «السفارة في العمارة» ومسلسل «ربع مشكّل» جنحا للتناول الكوميدي.
«ربع مشكل» سبّبّ حالة من الاستياء العارم في كيان الاحتلال، بحسب ما أوردته وكالات الأنباء؛ لتصويره الشخصية الإسرائيلية بالجشعة والبخيلة والانتهازية، وهو ما أدى لضمّه لقائمة «معاداة الساميّة»، بيد أن ذلك كله لا يُقاس بحجم الضرر الذي خلّفه المسلسل لدى الجمهور العربي، عبر عرضه على قناة جماهيرية كـ»ميلودي»، ليصهر الحواجز شيئاً فشيئاً، وليصبح مشهد الشخصية الإسرائيلية الكوميدية واليومية مشهدا اعتيادياً، بعد أن كانت تطرح فقط في سياق الصراع السياسي وضمن أُطره.

آية الخوالدة

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية