الفكر العربي والحقيقة: خصام العشاق

«لا بد من إقامة علاقة مع الحقيقة، حتى يجد الفكر خلاصه من الاستبداد».
هل يوجد في الإنصات الجيد لنداء الحقيقة الفكر المتنور الذي ننتظره؟ وما الذي ينبغي فعله من أجل إيقاظه من سباته في التراث؟ بل كيف يمكن توجيهه نحو الحقيقة، باعتبارها هدفا للفلسفة؟ ولماذا أن الفكر العربي حرم من الفلسفة والحرية؟
كلما كان الفكر في حالة الجهل ابتعد عن الوجود واحتجبت عنه الحقيقة، وربما يكون تاريخ الفكر العربي هو بمثابة نسيان لقدره، وعدم القيام بثورة عقلانية من أجل استعادته. هكذا حكم على أمة كاملة بالحرمان من الكوجيطو، أنا أفكر إذن أنا موجود، مما يسمح لي بقول الحقيقة، لأن العلاقة بين الذات والحقيقة أصبحت ممكنة عبر قنطرة الفكر وتؤدي إلى الوجود، ولذلك ينبغي إقامة علاقة مع الحقيقة من خلال تعليمها في الجامعات، ما دام أن إهمال الحقيقة قاد العالم العربي إلى الضياع في العدمية، وحوّل البحث العلمي إلى صراع إيديولوجي لا متناه، صراع من أجل الاستحواذ على الإنسان والبترول.
هكذا تحولت الواجبات الأخلاقية إلى ميليشيات مدربة على القتل، وأصبح البحث في التقنيات المدمرة هو شعار المرحلة. فبدلا من الحقيقة كموضوع للذات الفاعلة التي تبدع الأمة، أخذت الحقيقة وجها شرسا وهي تستثمر في حرب العصابات، لأنها توجهت، على الرغم منها إلى الموت وحرمت بذلك من الحياة. والشاهد على ذلك إننا لم نعد نجد ذاتا تتكلم عن حقيقة الوجود والحياة، بل أضحى موضوع الحقيقة ملتبسا بموضوع الموت، يثبت قوته في الفكر العربي، أو بالأحرى فكر الأموات، فكر الكلمات المقدسة نفسها، لعبة التكرار تعجل بموت الحقيقة؟ فبأي معنى يمكن تفسير حياة أمة بدون حقيقة؟ هل يستطيع الفكر بما هو فكر ألا يجعل من الحقيقة هدفه؟ وما المانع من عشق الحقيقة؟ ولماذا أن صمت الفكر تقابله حرية الكلمة؟ لم نعد نملك سوى هذه الأسئلة المضطربة التي تنمو على هوامش هذا الفضاء الشقي الذي أعلن الحرب المدمرة على حرية الكلمة والفكر والفعل الإنساني، وسطر أخلاق الواجبات، وأرغم الحقوق على الإقامة في سجن النسيان، وقرر نشر حرب المذاهب العقائدية والطائفية، لأن الحقيقة لا تأتي من الفكر الذي يقود الروح، ولكنها معطاة على نموذج آخر، الوحي والكتاب. وربما أن هذا المشترك بين الديانات، كانت له آثار في التربية الروحية، لأن الذي يقود الضمير عليه أن يلتزم بالنموذج، ويخضع لجماله من القواعد والفرائض، يعرفها مسبقا المتلقي. ذلك أن الذي يقول الحقيقة بنفسه وعلى نفسه، لا يجد صعوبات في التواصل مع من يسمعه، لأنهما معا يكرران الآراء نفسها، التي تلج إلى الروح بعذوبة لا مثيل لها: «هذه الحقيقة التي أقولها لك تراها في صورة الروح كما ترى وجهك في المرآة».
في ظل هذه الغموض تتأهب الحقيقة للرحيل في شفق الأصيل، لأن الانتظار حوّلها إلى تحفة فنية تعرض في تلك المتاحف التي يزورها العميان التي تبدو ملامح وجوههم شاحبة، فرض عليهم الصمت العام كتمرين للذاكرة: إنهم المستمعون، يتميزون بصمتهم ورضاهم على كل ما يتلقونه من المرشد، وليس لهم الحق في السؤال. هذا هو قدر الفكر العربي: «أن يصمت ويستمع من أجل أن يسجل في الذاكرة ما يسمعه من كلمة حق نطق بها سيده». بإمكاننا أن نسميه بالفكر الملتزم بالصمت، والمحروم من الحيرة. وقد كان يطلق عليه الفكر الرياضي، نسبة إلى علوم الرياضيات: العدد والهندسة والموسيقى، هكذا يتم توفير عدد كبير من المهندسين، ومن المؤسف أن السلطة التقليدية حوّلتهم إلى رجال دولة توظفهم من أجل أن تستثمر المجتمع، ما حكم على الفكر التأملي بالهروب إلى بلاد الحقيقة، وترك بلاد الأوهام والهندسة عرضة للنزعة العدمية. فهل يمكن تحقيق نهضة فكرية بفكر نمطي متواضع؟ وبعبارة الجابري كيف يمكن تحقيق نهضة عربية بعقل غير ناهض؟ وما الذي ينقصه لكي ينهض؟.

كاتب مغربي

عزيز الحدادي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية